أضيف في 26 يناير 2017 الساعة 21:16

أسئلة عاصفة «الربيع العربي»


عبد الإله بلقزيز

تجتمع محصّلة عملية التفكيك الكولونيالي للوطن العربي، منذ لحظتها السايكسبيكوية الابتدائية، مع وقائع الاقتلاع المروّع الذي أنجزتْهُ أحداث «الربيع العربي»، لتُنجِبا وضعاً كيانياً جديداً أشبه ما يكون بالحطام. ليس في العلاقة الطردية بين الحدثيْن من وجه غرابة؛ فلقد كان لا بدَّ لمشروع التفكيك الكولونيالي ذاك من محطة حاسمة جديدة يرسو عليها كي يستكمل حلْقاته المتعاقبة. وكان على ذلك «الربيع العربي» أن يكون الحلقةَ تلك، وأن يُتَوَسَّل أداةً للتحطيم وتمزيق العُرى والأواصر ليَسْهُل التفكيك على مَن يُجرونه من خارجٍ وليسْهُل، بالتَّبِعة، مشروعُ إعادة التركيب. بل ما كان يَسَعُ التفكيك الكولونيالي ذاك أن يعثر على ما هو أفضل من «الربيع العربي» حلقةً يتوسَّلها؛ فمن أَجَلِّ عوائدها عليه أنّه لن يُنْفِق عليها ما كان يُنفِقه -عادةً- كلما باشَرَ الاختراق والتدخُّل بنفسه، وأنّ أَذِيَّةَ أحداث ذلك «الربيع» في الداخل العربي لا تَعْدِلُها أذيَّةٌ يأتيها المشروعُ الكولونيالي نفسُه؛ لأنها أذيَّةٌ من الداخل، وأذيَّتهُ من خارج، وشتّان ما بين عقابيل هذه وتلك؛ ثمّ لأنّ أذيّةَ الخارج لا تضمن لنفسها، دائماً، حُسْن الأداء ولا حُسْن العواقب؛ فلقد تَحْمِل الداخل المعتَدَى عليه على إبداءِ أشكالٍ مختلفة -ومتفاوتة المفعولية- من الوحدة والتماسك في مواجهة العدوان الخارجي.

نقول هذا عن الصّلة بين ما يسمى «الربيع العربي» ومشروع التفكيك الكولونيالي حتى وإنْ أحْسَنَّا الظنّ بذلك «الربيع» ومَن أطلقوه؛ حتى وإن افترضنا أنه أتى يعبّر عن إرادةٍ شعبية لتغيير الأوضاع العربية، وكفِّ الاستبداد والفساد، وحتى إن نزّهنا قُواهُ، التي بادرت إلى إطلاقه، عن أيِّ شبهةِ صلةٍ بالأجنبي ومشاريعه؛ ذلك أنّ قوى مشروع التفكيك الكولونيالي لا تعدَم حيلةً لاختراق «الربيع» ذاك وتحويل مجراه لصالح مشروعها؛ فهي تملك لذلك القوَّة والإمكان، فكيف إذا كانت انتفاضات هذا«الربيع» عفويةً من غير قيادةٍ تقود وتحمي وتَحْدب؛ مثلما كانت فعلاً قبل أن يُمسك الإسلاميون بالأزِمّة؟! وكيف إذا كان قد نضج، في الأفق، شرطُ تفاهُمٍ ومواطَأَة بين بعض قوى الحَرَاك «الثوري» العربي والقوى الخارجية (الأمريكية والأوروبية) بدأ من قناة منظمات «المجتمع المدني»، لينتهي بالإسلاميين، وليقضيَ بتسليمهم السلطة والمقاليد؟ ثم كيف إذا كان الشغف المَرَضي بالسلطة قد سرَّع من وتيرة انصراف بعض قوى الحَرَاك ذاك عن كلّ ما كان يشدّها إلى منظومة قيم السياسة الوطنية، واستسهالها الإقدام من غيرِ وَجَلٍ على «التعاون مع الشيطان» من أجل نيْل البُغية: السلطة؟


والحقّ أنّ ما جرى، في الأعوام الخمسة الماضية، كان انقلاباً شاملاً على مرحلةٍ من التاريخ السياسي ممتدَّةٍ منذ بداية «الاستقلال الوطني». ولكنه انقلابٌ جرى بذكاءٍ، هذه المرّة، وإنْ لم ينْقُصه الغباء في أحايين أخرى. جريانُه مجرى الذكاء تَمَظْهَر في إخراجه الإخراجَ «الشرعي» المناسب: احتشادٌ مدني في الميادين والساحات، فانتفاضة ثم «ثورة» تنتهي إلى إزاحة رؤوس النظام، فحكومة مؤقتة، ودستور جديد، وانتخابات تشريعية ورئاسية تأتي بنخبة سياسية جديدة. سيناريو محكم الحبكة كان ذلك السيناريو؛ شيئاً أشبه ما يكون ب«الانقلاب الدستوري». وهل يسع أحداً أن يجادل في تغييرٍ يتوسَّل الأساليب السلمية وأدوات المشروعية السياسية؟ وهل يجترئ امرؤ على الطعن على «حاكمية صندوق الاقتراع» لإخراس مَن لديه اعتراضٌ على عملية الغشّ السياسي الجارية باسم «الإرادة الشعبية»، ووضعه في موضع إحراجٍ أمام الجمهور العام والقوى المدنية ! ولقد أصابتِ الهندسةُ السياسيةُ هذه من النجْاح حظّاً كبيراً لا سبيل إلى الإشاحة عنه بالإنكار.

غير أنّ جريان الانقلاب ذاك مجرى الغباء أتى يَفْضح الخوافي ويكشف المستور، فيعيد الهندسة السياسية الماكرة إلى سجيّتها. ما ساغَ أمرُهُ في تونسَ ومصر لم يسُغ في غيرهما، فتغيّر السيناريو الذكيّ، والتُجئَ بدلاً منه إلى أبذأ الأساليب وأوسخها في التدمير (واسمُه المستعار التغيير السياسي والديمقراطي): تدمير الدولة وتدمير المجتمع على السواء، وتمزيق وحدة الشعب من طريق تمزيق نسيجه المجتمعي والوطني، والنفخ في جمرات انقساماته الأهلية و«هوياته» الفرعية: الدينية والمذهبية والإثنية والقبلية والعشائرية! وزاد من ارتفاع معدّل الغباء في هذا السيناريو أنّ مَن أداروا فصولَه من خارج لم يتلبَّثوا في مواقعهم، أو ظلُّوا عنه بمعزل، وإنما جرّدوا له سيوف الدعم والإسناد، فاستوردوا له المقاتِلةَ من أصقاع الأرض، ونفحوهم المال، ومكَّنوهم من أفتك الأسلحة، وأقطعوا لهم القطائع السياسية، وأطلقوهم لينهشوا في جسم الدول والمجتمعات لإطاحتها من الداخل !

في الحاليْن معاً، لم يكن اختلاف أساليب الانقلاب ليغيّر من وحدة هدف المشروع ولا من وحدة الذريعة التي ينبغي توسُّلها لتبرير ما جرى. إذا كان الهدف الواحد، المتكرّر منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر (منذ ضرْب مشروع محمد علي باشا في مصر)، هو تجزئة البلاد العربية وتفكيكها، فهو أطلَّ-في عهوده كافة-تحت عنوان فرض الإصلاح والإصلاحات (نشر الديمقراطية اليوم). بهذه التِّعِلّة فُكِّكَتِ الإمبراطورية العثمانية، وغزا الفرنسيون تونس والمغرب، والبريطانيون مصر، والأمريكيون والبريطانيون وحلفاؤهم الأطلسيون العراق (2003)؛ وبالتِّعِلّة عينِها تُنَظَّم أضخمُ عملية تفتيتٍ كولونيالي في عدّةٍ من البلدان العربية. ولكن هذا «الربيع العربي» لم يفضح خوافي مشروع التفكيك الكولونيالي فحسب، وإنما فضح في الوقت عينه عورةً عربية ما استطاع الاجتماعُ السياسي العربي ستْرها إلاّ ستْراً شكلياً. والعورة التي نعني كناية عن جملةٍ من المشكلات والأزمات البنيوية، التي نبَّهتنا إليها أحداث ما يسمى «الربيع العربي» أو على الأقل أنعشتْ وعينا بخطورتها على المستقبل العربي؛ ومن هذه المشكلات والأزمات مشكلة النظام السياسي وأزمته، وأزمة المعارضة السياسية، ومشكلات الفساد وانعدام العدالة في توزيع الثروة، وأزمة الاندماج الاجتماعي والوحدة الوطنية، وأزمة العلاقة بين السياسة والدين في مجتمعاتنا، ومشكلة الاستباحة الأجنبية للسيادة من خلال المجتمع، ثم أزمة النظام الإقليمي العربي.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الإله بلقزيز

كاتب وأستاذ جامعي   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق