أضيف في 26 يناير 2017 الساعة 11:36

القواعد الدستورية المؤسسة لعلمانية الدولة المغربية


بوشعيب الخليلي

كثير ما يحتج بعد الناس بالعبارة الدستورية [الاسلام دين الدولة] ليؤكدوا في سطحية أن الدولة المغربية إسلامية وليست علمانية وهي نفس العبارة التي نافح حزب العدالة والتنمية أنها باقتراحه ونضاله.

يلخص محمد ظريف مفهوم العلمانية في أنها « ليست مجرد موقف حيادي تجاه الدين بل يفيد تمييزا بين مجال الدين ومجال السياسة، بل هي أكبر من ذلك إذ يمكن اعتبارها دينا مدنيا له مستوياته ودعائمه» . ] نفس المفهوم يحمله عدة كتاب كأركون، سبيلا، عبد الله العروي ، التوزي TOSY..صرحوا بذلك أم تجنبوا عبارة علمنة [.

لابد أن نشير أن النموذج السياسي المغربي أو الدولة تجد جذورها في النموذج الفرنسي الذي يتميز بعلمانية ممايزة لتلك في دولة بريطانيا.العلمانية الانكلوسكسونية مورست في إطار مجتمع بروتستانتي كان حضور الكنيسة فيه ضعيفا أما في فرنسا فهي نتاج مجتمع كاثوليكي تلخص العلمانية عنده في إزاحة سلطة الكنيسة من على قطاع التعليم والعلاقات الأسرية (الأسرة). فلا غرابة أن المغرب أخد بتلك الأسس العلمانية لفرنسا بالخصوص في مجالي التعليم (فكرة المدرسة الوطنية // لن تجد في تاريخ مسؤولي التعليم إلا العلمانيين على الهوى الفرنسي//) والأسرة (الزواج المدني/ الوطني /مغربي بمغربية).

لكننا لن نتوسع في المقومات الجديدة للدولة العلمانية كما جاء عند فلاسفة القانون الطبيعي والعقد الاجتماعي ولا عند مفكري ما بعد الحداثة (مشاكل الدمقراطية والحقوق والحريات والأغلبية الانتخابية)، فقط نضع القلم على أهم القواعد أو الأسس المعيارية والسياسية والسوسيولوجية للعلمانية والتي لا يهم ما بعدها والكافية في ترتيب الدولة المغربية كدولة علمانية (100%) وهي فصل الدين عن الدولة/السياسة وثانيا سمو القانون.

1.فصل الدين عن الدولة.

 الإسلام كدين وفي خدمة الدولة (الأس السياسي)

تحيل الدساتير المغربية على الاسلام كدين، كشعائر وليس كشريعة، بمعنى آخر الإسلام بمفهومه العلماني كجملة العبادات الشخصية وليس كجملة القواعد الضابطة لسلوك السلطة السياسية (كشريعة). وهو ما ينص عليه الفصل الثاني من الدستور(2011) «الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية».

فلا تكون السلطة والسياسة إسلامية إلا في إطار مرجعية الشريعة وفي حكم الشرع، المقصود هو الدين بمفهومه السياسي الذي تلعب فيه الشريعة في الإسلام الأس الذي لا تكون السياسة إسلامية إلا في حدوده الذي ينظم العلاقة بين السلط وحدود الحاكم.

كذلك الإطلاع على النصوص (ظهير ملكي) المنظمة للهيئات الدينية كوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المجلس الأعلى للعلماء والمجالس العلمية الإقليمية، تبين أنها تتعاطى مع الإسلام كدين فقط بحيث تهدف ل «توعية الفئات الشعبية بمقومات الأمة الروحية والأخلاقية والتاريخية» ولن تجد أي ذكر في النصوص المنظمة لها لكلمة شريعة.

 منع تأسيس التنظيمات ذات طابع دينيي

الدولة العلمانية فيها السلطة السياسية ذات طابع علماني ولا تسمح بتأسيس أحزاب سياسية على أساس ديني. وهو ما يميز الدساتير والنصوص التنظيمية المغربية. فالدستور (2011) في الفصل السابع (الفقرة الخامسة) ينص أنه «لا يجوز أن تؤسس الأحزاب السياسية على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي...». بمعنى أن ممارسة السياسة تكون في إطار علماني والكل يعرف تاريخ تدجين حزب العدالة والتنمية وفصل الدعوي عن الحزبي أو السياسي.

 النخبة السياسية (الأس السوسيولوجي)

أقصى الدستور النخب الدينية من ممارسة أي دور سياسي ووضعها في رابطات ومجالس علمية تحت وصايته ومنع أي مشاركة منها في السياسة (قد أقول إنها مقصية من أي دور في تدبير سياسات ومؤسسات الدولة المدنية والعسكرية)، في المقابل دعمت الدولة إنشاء نخب سياسية حزبية وجمعوية علمانية.

2.سمو القانون (الأس المعياري).

عبرت جميع الدساتير المغربية على أن القانون هو أسمى ما في الدولة ولم يشر إلى الشرع ولو ظاهرا كمصدر من مصادر التشريع كما تفعل معظم الدول الإسلامية. في الفصل السادس من دستور 2011 يعتبر «القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة..».لا تزال بعض النصوص تسوق على أنها من الشرع وتخرج في قالب الشرع بحضور الفقهاء في إعدادها كنص المدونة وأحكام الإرث.

لكن نص مدونه الأسرة هو نص قانوني وليس شرعي ويخرج باعتماد مسطرة التشريع وصدوره في شكل قانون. يقول محمد ضريف في ذلك «إن ما يميز القاعدة القانونية عن باقي القواعد الأخرى سواء كانت دينية أو أخلاقية ليس مرجعيتها بل مسطرة وضعها، لذلك عندما تقدم السلطة السياسية على اعتماد قواعد دينية وتضفي عليها طابع الإلزام تفقد تلك القواعد طابعها الديني لتغدو قواعد قانونية» ص 25.

عدم قبول أي مقترح قانون -سواء تعلق الأمر بتقديم المشاريع القانونية أو عرائض للسلطات العمومية وملتمسات التشريع -يتقدم به فاعلون سياسيون ذوو طبيعة دينية. وهو ما يحصن التشريع في الدولة العلمانية من المرجعية الدينية.

مراجع:

*الدين و السياسة في المغرب من سؤال العلاقة إلى سؤال الاستتباع، الدكتور محمد ضريف ، من منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي ،2000، ص 19.

Pour le Larousse, la laïcité se définit comme « Conception et organisation de la société fondée sur la séparation de l'Église et de l'État et qui exclut les Églises de l'exercice de tout pouvoir politique ou administratif, et, en particulier, de l'organisation de l'enseignement. »

* ظهير تأسيس المجلس العلمي الأعلى و المجالس العلمية الإقليمية.8 ابريل 1981

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : بوشعيب الخليلي

باحث   / الرباط , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق