أضيف في 21 يناير 2017 الساعة 17:40

الغريب


حفيظ بوبا

خرج إلى الشارع في ظلام ليل بارد ، سار بقدمين مثقلتين بسلاسل التعب التي صنعتها اﻷيام الماضية .

بدت له الحياة مملة للغاية في هذه المدينة التي لا يعرفها والتي سافر إليها مجبرا من أجل إتمام دراسته . جالت في ذهنه عشرات من الصور والذكريات التي خلفها في مدينة أغادير ، فبعضها حلو المذاق يسري مفعوله في الوجدان سريان المسك في اﻷجواء ، أما أكثرها فهو يشبه دخانا يحيط بتلك الرائحة الزكية فيزيلها بقذارته .

 

 

تذكر ذلك اليوم من أيام حياته القاسية لما زاره أبوه وسار به إلى الخمارة . ثم تذكر يوم قال له بنبرة قوية :

 

"إنك لست ابني ولست أخا لأبنائي .. "

 

لم يكن قد أذنب في حق امرئ حتى يسمع مثل هذا الكلام ، لكنه ولسذاجته أخفاه في صندوق عميق في بئر نفسه ، ولم يكشفه لأحد منذ ذلك اليوم .

 

 

هبت رياح قوية، فأشعرته بأنه ينتمي إلى الحاضر ، ونظر إلى الوجوه المكفهرة القادمة والآتية، فانسد حلقه بمرارة الغربة ولم يدر إلى أين المفر ، إنه مثل أبيه اﻷول الذي ارتكب خطئية من دون أن يدري .

 

سمع أصواتا من كل الاتجاهات ومن مختلف اﻷشياء والكائنات ، فرغب في الصراخ أو البكاء .

 

حاول أن يلوذ بمكان مريح، فتبعته أصوات تخرج من الداخل . نظر يمنة ويسرة وأمسك رأسه بيدين باردتين واختلطت اﻷصوات في ما بينها وتآمرت على النيل منه :

" لماذا لم تحفظ القصيدة يا حسن ؟ .. أنت أكبر مغفل يا حسن ... اغرب عن وجهي يا أيها الولد ! لماذا لا تسمع الكلام يا بن الحرام ؟! .. لماذا لا تموت وتغرب عن هذا البيت لأننا لم نعد نطيق رؤيتك ؟! "

 

تسللت دمعة إلى الخارج وتزحلقت بخفة في وجهه الكئيب، وبعد لحظات أحس بالبرد يغازل جسده الضعيف . فرفع رأسه ورأى رجلا بشوشا يخرج من سيارته السوداء مع زوجته وابنته التي كانت تقول له بصوت حماسي : " عدني بأننا سنذهب غدا إلى السيرك ." فقبلها في جبينها، وقال لها شيئا في أذنها ثم دخلوا جميعا إلى منزلهم وأقفلوا الباب .

 

تذكر أصدقاءه الذين نسوه بعد وصوله إلى هذه المدينة الغريبة . كم كان يساعدهم في أوقات الشدة والضيق ! وقد حاول أن يتقرب من بعض الأصدقاء مجددا لكنهم سرعان ما أظهروا وجوههم الحقيقة له فقالوا له بكل وقاحة : " إننا نريد استعارة بيتك لممارسة البغاء .. " فكان دائما يهرب منهم ويأوي إلى ملاذه البعيد حيث النقاء والعفاف ..

 

حاول أن يقف على قدمين قويتين وأن يعود إلى ملاذه . تنتظره آلالاف من الالتزامات ولا مهرب له منها سوى الانتحار .

 

هطل المطر فقال في سريرة نفسه بأن الغد كفيل بإزالة ما مضى . وقف بتمهل وسار إلى اﻷمام بضعة خطوات ثم توقف فجأة فقد سمع صوتا غريبا جدا لم يكن قادما من الاتجاهات المألوفة لديه. وفي اللحظة التالية، ومن دون أن يدري، انشقت اﻷرض وبلعته ،

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : حفيظ بوبا

طالب   / أغادير , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق