أضيف في 21 يناير 2017 الساعة 11:27

أمي ... (قصة واقعية من مذكرات طبيب)


د موسى أبومحلولة

أمي ...

 

(قصة واقعية من مذكرات طبيب)

 

في ثمانينات القرن الماضي كنت في ظهيرة يوم صيف شديد الحرارة اتصبب عرقا داخل إحدى كابينات الهاتف العموميأمي الدولي في الصالة الفسيحة والحديثة والجميلة آنذاك لمجمع البريد المركزي الجديد بشارع الزاوية بمدينة طرابلس ... كانت يومها اﻹتصاﻻت بالخارج صعبة وتخضع للمراقبة والتدقيق من رجال أمن الجماهيرية وﻻ يمكنك الحصول علي مكالمة دولية إلا بالوساطة والمحسوبية أو بعد إنتظار طويل في الصالة المكتظة برجال ونساء جاءوا من أركان الدنيا اﻷربعة ففي هذه الصالة المكتظة تطالعك وجوه وملامح وتنتهي الى مسامعك لغات ولهجات من كل بلد عربي وأفريقي وأسيوي واوربي شرقي وقد يصادفك بعض الليبيين من أمثالي ممن له حاجة ملحة تستدعي أﻻتصال بالخارج ... 

إنتهيت من مكالمتي الدولية القصيرة وخرجت من كابينة الهاتف على عجل طلبا للهواء النقي المنعش خارج المكان المزدحم الذي يعبق بروائح سجائر الرياضي وتعلو به سحب ذخانها الكثيفة ... كنت اكابد مخترقا الكثلة البشرية المتراصة في طريقي للخروج قبل أن يتناهى إلى سمعي صوت ينادي:

 

- دكتور موسى ... دكتور موسى ...

إلتفت خلفي ﻷجد أحد زميلات العمل بمستشفى الخضراء العام ...

- نعم سيدتي ما اﻷمر؟

 

وقبل أن تجيبني المسكينة سبقتها دموعها ساخنة سخية وأجهشت بالبكاء ... حاولت تهدئتها وإستطلاع اﻻمر وقلت:

- هوني عليك ﻻ داعي للبكاء ما المشكلة ...

 

هدأت قليلا وقالت بصوت متهدج وخاطر منكسر وهي تشير إلى أحد الموظفين خلف الحاجز الزجاجي المقابل :

- جئت منذ ساعات ﻷتصل بأمي المريضة في مانيلا وانتظرت دوري بصبر لكن ذلك الرجل كان يضايقني طوال الوقت وعندما حان دوري ودخلت الكابينة ﻷطلب رقم أمي بالفلبين وجدته على الطرف اﻵخر وأخذ يساومني بكل حقارة مقابل ان يؤمن لي اﻷتصال بأمي وبدون مقابل فرفضت وتركت الهاتف والكابينة وخرجت كما ترى ... لكن أمي مريضة جدا واريد ان أتصل بها أرجوك ساعدني يادكتور أرجوك ... أمي مريضة جدا وعادت للبكاء بحرقة ...

 

تركتها وتوجهت مباشرة إلى الرجل وواجهته باﻷمر فأنكر كل الحكاية وبدأ يرفع صوته فقلت له بهدوء بعد أن عرفته بنفسي:

- انا لست هنا ﻷتعارك معك أو ﻷفضحك على العكس انا اقدر انك متعب وأن الزحام شديد والعمل مرهق وكل ما أطلبه منك هو أن تساعد هذه المسكينة حتى تهاتف امها المريضة وتطمئن عليها... أليس لك قلب ... أليس لك ام؟

 

هدأ قليلا وقال :

- عليها أن تنتظر قليلا .. 

- انا لن أغادر هذا المكان حتى تعطيها المكالمة .. وإن لم تفعل فإني سأصعد اﻷمر مع اﻹدارة وأشكوك لهم وأخبرهم بكل ماحدث ... وﻻتنسى أن بعضهم أصدقاء لي ...

إرتبك قليلا وقال:

- حسنا دعها تذهب الى الكابينة رقم عشرة

 

إنتظرت الممرضة الفليبينية حتي أنهت الحديث مع أمها ولم أغادر المكان إلا بعد أن هدأت المسكينة وغادرت وعلى وجهها إبتسامة رضى وهي تمطرني بوابل من كلمات الشكر ...

 

بعد يومين من حادثة مكتب البريد كنت مناوبا بقسم اﻷسعاف الجراحي بمستشفى الخضراء وقت الغروب وكان المكان مزدحما بالمرضى والمراجعين واﻷقارب والزوار وكانت أحد مريضاتي سيدة في مطلع الستينيات كانت قد وقعت أرضا وكسرت عنق عظمة فخدها الأيمن ... لم يكن أحدا من أوﻻدها بالبيت وقت الحادث فهرع بها الجيران إلى المستشفى ...

 

كنت أتحدث إليها وأقوم بفحصها عندما سمعت صوت يخترق هدوء الغرقة :

- أمي ... أين أمي ... اريد ان ارى امي ...

 

كان صاحب الصوت يسأل الممرضة عن أمه بقلق وتوتر .... وكان شابا في أواخر العشرينات من عمره ضخم الجثة متوسط القامة حليق الوجه مندفع في حديثه لكن نبرة صوته بدت غير غريبة على أذني فألتفتت إلى مصدر الصوت بتركيز وأنتباه أكثر ولم أصدق ما رأته عيناي ... لقد كان هو بشحمه ولحمه موظف مكتب البريد المركزي ...

قلت في نفسي يا إلهي كم هو صغير هذا العالم ... وما أن لمحني حتى عادت إلى وجهه العريض علامات اﻹرتباك التي رأيتها عليه في مكتب البريد المركزي وقال بصوت هاديء خفيض :

 

- أمي يادكتور ... كيف هي أمي  

- امك بخير ... إهدأ ... لاتقلق عليها ... تفضل يمكنك رؤيتها ...

 

تحدث الى أمه وأطمئن عليها ثم عاد ليسألني بأدب جم :

- من فضلك يادكتور هل ستحتاج أمي إلى عملية جراحية ...

- نعم ... اعتقد ذلك والقرار يعود إلى أطباء قسم جراحة العظام ..

- أرجوك يادكتور تحدث إليهم ... أريد جراحا ماهرا ليهتم بأمي ..

- نعم إطمئن سأفعل والجراح الماهر موجود وجاهز ولكن ...

- ولكن ماذا ... سألني بقلق بائن واضطراب واضح ..

- أمك تحتاج أيضا إلى ممرضة ماهرة لتعتني بها ..

إبتسم وقال:

- أكيد انت يادكتور تعرف ممرضة كويسة ..

- نعم اعرف ممرضة ممتازة .... وقد تعرفها انت أيضا

- أعرفها أنا ... ومن هي؟

- إنها الممرضة الفليبينية التي قابلتها منذ يومين بمكتب البريد المركزي ... أتذكر ذلك؟

طأطأ رأسه وأطرق صامتا وهو ينظر إلى اﻷرض ... وسالت على خده دمعة ندم ساخنة ترقرقت في عينيه.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : د موسى أبومحلولة

طبيب وكاتب ليبي   / مقيم في لندن , ليبيا

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق