أضيف في 19 يناير 2017 الساعة 10:06

موسيقى اللون . .


ناصر سالم المقرحي

 

قراءة فى تجربة الفنان التشكيلى يوسف معتوق - يكتبها ( ناصرسالم المقرحي )

ينجز الفنان يوسف معتوق لوحات مائية كبيرة الحجم ويضع فيها كل ثقله الفني وخبرته في الرسم .

وذلك على عكس المتداول والمُتفق عليه ءاذ أن من المعروف عن الاْلوان المائية أنها اْلوان اللوحات الصغيرة والمتوسطة الحجم ويكاد البعض ينظر الى الألوان المائية على أنها مادة مساعدة وليست أساسية تستعمل فقط لعمل اْسكتشات أو تخطيطات اْولية للوحه التى ترسم بعد ذلك بالاْلوان الزيتية ولا يمكن أنتاج لوحة مقنعة بها , غير اْن هذه النظره تضاءلت واْختفت عندما اشتغل فنانون كبار على هذه المادة وتخصصوا فيها واستخرجوا منها اْمكاناتها الجمالية الضخمة التى تنطوى عليها , وعلى بساطتها الظاهرة تعد هذه المادة من الالوان التى يصعب التعامل معها ءالا بعد تكوين خبرة واسعة ومراس طويل ينبع ذلك من صعوبة تطويعها لخدمة الهدف والفكرة المراد تجسيدها على السطح حيث اْن اللمسة الاْولى من خلال هذه التقنية هى الاْخيرة لأن الخطا غير مسموحا به ءالا فى اْضيق الحدود وليس كما فى التقنيات والمواد الاْخرى التى يسهل معها ءاصلاح الخطأ إن وقع فى حينه , فالمهم فى الموضوع كله هو اْن يفهم الفنان خواص المادة التى يتعاطاها ويدرك حدود اْمكاناتها ويستشرف ما يمكن اْن تقدمه له من ءاضافة وعليه فان فنان المائية يفكر ألف مرة بعد اْن يغمس ريشته فى اللون وقبل أن يضعه بمكانه على سطح البياض ءاذ لابد له فى هذا الشان من اْن يتمتع بقدر وافر من الجراة والاْقدام وءالا فإنه لن يصل الى نتيجه مقنعة ومرضية , أيضا لاْن تكوين مساحة واسعة بالمائية عملية معقدة يصعب التحكم فيها , ونجح الفنان يوسف معتوق فى اْعماله المائية التي أخذ يراكم فيها طبقات لونية فوق بعضها البعض حتى فقدت اْحيانا خاصية الشفافية التى تتميز بها فبدت للناظر كما لو انها تم تلوينها بمادة الغواش اْو التمبرا أو الأكريليك بتغطيتها لسطح الورقة بالكامل تقريبا , وتتطلب هذه الطريقة وقت اْطول وجهد مضاعف لايفائها حقها , ولا تعنى الحنكة والمهارة هنا اْن الفنان تخصص فى المائيات وترك بقية الاْدوات والخامات الاْخرى لان لديه اْعمال زيتية رائعة لاتقل جمالا ومهارة عن المائيات مثل لوحتيه التى رسم فى احداهما فرسا عربية ومهرا - والتي أسميتها الطويسة وبنتها عند زيارتي للمعرض فوافق على التسمية وهو يبتسم - والاْخرى التى اْقتنص فيها المنظر الذى يطل عليه بيته من قمة الجبل بمدينة نالوت وهي لوحة بانوراميه ملحمية في نظري إذ إضافة إلى مساحتها الواسعة بالمقارنة مع متوسط مساحة لوحات الفنانين الآخرين تحتوي على تفاصيل كثيرة ودقيقة وهي تنتمي إلى مدرسة رسم الفضاءات المفتوحة التي اشتهر بها بعض فناني عصر النهضة و ما تلاه من عصور كما فعل الفنان رامبرانت مثلا , وإلى حدٍ ما مثل ما فعل الفنان على العباني - ومما يجدر ذكره في هده السانحة اْن الاْلوان المائية اْقتصادية جدا ولا يتم استهلاكها بكثرة ءاذ تكفى علبة واحدة لوضع عدد لاباس به من الاْعمال , ومعلوما اْنها اْلوان الفرح ذلك لأن من طبيعتها اْن تكون مشرقة وزاهية ومضيئة فى كل اْحوالها , وبعكس اْعماله السابقة التى جاء أغلبها واقعيا تجسيديا تشخصياً وإن اْشتغل على التجريد ولكن باْستحياء وتردد , حملت الاْعمال المعروضة مؤخرا نبضاً تجريديا خالصا خاطب فى الاْساس ثقافة وفكر ورؤى قارئ اللوحة بواسطة اللون والخطوط والأشكال والرموز والكتل ومع تكدس كل هذه العناصر يجد المدقق مفاتيح لتفكيك الغموض وفجوات للتسلل الى الفكرة من جهات اقترحها الفنان , ومع مباشرة هذه المرحلة الفنية التى يقول الفنان اْنه بداها قبل ست سنوات ولم يعرض منها ءالا جزءاً يسيراً فى معرض جماعى اقيم فى تونس وآخر اْقيم على هامش مهرجان نالوت الربيع , مع ذلك لم يشأ الفنان اْن يشتغل على الإبهام والغموض المفرط فى منجزاته البصرية حينما استلهم الفلكلور الشعبى بصورته البصرية متمثلا اْساساً فى الاْشكال التى يتم وشمها على الجسد باعتبارها اْشكالا تزينية فضلا عن اْنها ترمز الى اْفكار ومعتقدات معينة , ومع أن الفنان تناول التراث باْشكاله المختلفة كثيراً فى مشروعه واتخد منه ثيمة رئسية وعدَّهُ قيمة حضارية وثقافية فان المعالجة هذه المرة كانت مختلفة عما سبقها , ومن خلال تمازج الاْصباغ اللونية مائية / زيتية / اكريليك برزت الاْشكال التى انتقاها الفنان واختارها من بين عديد التشكيلات والرموز التى وضعت على اقدام واكف ووجوه النساء قديما وقام بدمجها فى وحدة تشكيلية ورؤية بصرية ظل الفنان يشتغل على بلورتها مع كل لوحة من لوحاته التى عرضها مؤخراً , وفى سبيل تاْكيد هذه الرؤية نراه يلجا الى إقحام مواد اْخرى في لوحته كقطع الاْقمشه التقليدية والورقية فيما يشبه عملية اللصق ( الكولاج) وغيرها ونراه يهيء السطح ليصبح ناتئاً ومجعداً وخشناً كحائط عتيق ومن ثم يرسم عليه ولا يستثي لوناً ءالا وبصم به اْعماله وكأنها سيمفونية لا تكتمل نغمتها ءالا بحضور كل الاْصوات الموسيقية , أما الجزئيات الاْخرى التى اْستهل بها الفنان مرحلته الجديدة واْشتغل عليها بداْب فهى نقوشات الجدار لنرى اْنطلاقا من هنا عدداً كبيراً من اللوحات التى تم فيها استعادة النقوش الحائطية بشكل فنى ورؤية عصرية استحضرت روح الامكنة المندثرة بشكل اْوقظ فى الرائي الحنين الى تلك الاْزمان التى كان فيها التعبير عن الفرح والحزن والعشق يتم بتثبيت ذلك على الجدران على هيئة كتابات ورموز وخربشات حرة بواسطة مواد بدائية , وعلى بدائيته يستطيع هكذا خطاب بصرى اْن يحبس الزمن المتسرب ويجمد اللحظة المنفلتة ويكبح اندفاع الوقت المسرع ليوقفه على محطة الحنين والبراءة الاولى ونقاء الفطرة . وطُرحت لوحات أُخرى اْعتمدت فقط على الحروف ولكن ليست أية حروف ءانها حروف لغة غير متداولة بكثرة ولا يتجاوز استعمالها نطاق الجغرافيا التى احتضنتها ونعني بها اللغة الأمازيغية , وكما وُظفت الاْلوان الزيتية الملائمة لشغل التجريد وُظفت الاْلوان المائية لإنتاج لوحات تجريدية صغيرة عُرضت فى زواية خاصة من المعرض – وواضح أن التجربة مع هذا العرض بدأت تاْخد منحى اْخر بعد اْن اْستنفدت امكاناتها التقليدية كما يبدو وبعد طول ممارسة تشخصية , ولا جدال فى أن ذلك يعتبر وبكل المقاييس تطوراً ءاذ لابد للفنان من نقطة يسائل فيها نفسه ويجد عندها أسلوبه وطريقته فى الرسم بعد اْن يتم استيعاب كامل الشروط التقليدية الاْكاديمية ويتحصل على الخبرة اللازمة فإما أن يستمر على طريق التشخيص اْو أنه ينتهج طريقاً أخراً يبتكره أو يستنبطه ويستقيه مما سبقه من تجارب مكتملة فى عملية تلاقح وتثاقف مطلوب فى مثل هكذا حالات وتلك بطبيعة الاْمر جهود تصب فى صالح الفن عامة إذ تطور من تقنياته وتجدد من مستوياته واْساليبه وتوسع من رؤاه وتعزز امكاناته وتمنحه جدوى استمراريته وهو ما يؤكد على جدية ونضج التجربة وعدم الاستعجال والقفز على المراحل قبل الأوان حيث اْن الاساس فى الفن التشكيلى ومن المتعارف عليه هو إتقان الفنان للرسم بالطريقة التقليدية قبل التحول الى أي طريقة أُخرى لا سيما التجريدية منها فلا تجريد دون مرور بالواقعية فهذه قاعدة بديهية لا يختلف حولها اْثنان وإذا كان التجريد هو محاولة لرسم الأنفعالات والأحلام وحتى الهواجس والتعبير عن الأنكسارات والإخفاقات وأحيانا هو رصد للاوعى واللامعقول وغير المرئى وما لا يمكن رسمه بشكل مباشر , وطريقة للتسلل ءالى كل ما مرذكره والغوص فى عمق الاْشياء وتجاوز مظاهرها وفي حين قد يكتفى بالتلميح والاْيماء , لا يحتمل الفن الواقعي كل هذه الشروط ولابد له من جسد يظهر من خلاله ويتجلى , وفي آخر مراحل المشروع الفني قاربت اللوحات فى مقاساتها ومساحاتها رسومات الجداريات إذ بلغت عدة لوحات مقاس الاْثنان متر فى المتر والنصف مما سمح للفنان بوضع كل ما أراد قوله فى هده المساحة الفائضة وحصل على الحرية الكامله فى التحرك باْريحية وهدوء فى متسع من الوقت والحيز , والفنان الذي قال عنه شريكه فى الفن الفنان التيجانى أحمد , " يُجاهد يوسف معتوق من أجل إرساء طابع جمالى وتقنى على جميع أعماله باستخدام فرشاته بمهارة وجرأة على الأسطح البيضاء " , هو من مواليد مدينة نالوت درس الفن بشكل شخصي واعتمد على جهوده الفردية انطلاقا من عشقه الشديد له وهو الشيء الذي قاده إلى تطوير مواهبه فيما بعد بلوغاً إلى هذه المرحلة المتقدمة التي يقف عندها اليوم ءاذ يذكر الفنان بأنه زاول الرسم مبكراً فى طفولته وقام بالرسم لصالح مجلة الأمل الليبية للأطفال وبرنامج جنة الأزهار الذي كان يبث عبر إذاعة ليبيا أواخر سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن المنصرم وأعتقد أنه تلقى خبرة أكاديمية لاحقا على يد أساتذة متخصصين لينخرط بعدها كعنصر فعال في الحركة التشكيلية الليبية المعاصرة حيث انتسب إلى رابطة الفنانيين مبكراً جداً وحمل عضوية أتيليه القاهرة للفنون فى جمهورية مصر العربية وترأس في فترة ماضية رابطة الفنانيين في بلدية نالوت وكان قد شارك في العديد من المعارض الداخلية والخارجية كان أحدثها الذي انتظم يوم 10-8-2008 م بدار حسن الفقيه حسن للفنون وله أيضاً مشاركات سابقة في مهرجان المحرس بتونس على مدى ثلات دورات متتالية وعُرضت أعماله ببلجيكا وسوريا والسودان ومصر واليمن والجزائر والمغرب والأردن وفرنسا وتحديداً بمعهد الإنماء العربي بباريس وكثيراً ما سافر للمشاركة على نفقته الخاصة وبدعوات شخصية هذا إلى جانب المعارض المحلية التي أسهم فى تأثيثها وهى ثلاثة معارض مصاحبة لمعرض الكتاب فى طرابلس ومعارض أُخرى في مصراته وسبها وغدامس ونالوت وغيرها بين مشاركات فردية وجماعية , ولا أعتقد أن هنالك على المستوى المحلي فنان آخر يفوقه في عدد المشاركات في المحافل التشكيلية داخلياً أو خارجياً , وهذا إن دلَ على شيء فإنما يدل على عشقه الشديد وحبه الذي ملك عليه نفسه للفن ولهوايته التي أعطاها من وقته وجهده وماله الكثير , وعلى بؤس المشهد التشكيلي الليبي من حيث عدم وجود الدعم المناسب , الفنان يوسف معتوق لم يقف في موقف المتفرج ويرتكن للسكون وإنما تراه طوال العام يلهث يمينا وشمالا ليصنع الفرصة وليخلق المناسبة لعرض أعماله التي تعني له الكثير لأنه كان واثقاً تماما مما يفعل وواثقاً من مهارته وحرفيته ولكن دون غرور أو تضخم للذات , أما عن أول مساهمة رسمية بحسب الفنان نفسه فكانت فى سنة 1995 ومنذ ذلك التاريح وحتى اليوم لم ينقطع الفنان عن المشاركات والانشغال بالفن الذي أصبح يمثل همه وهاجسه الوحيد فلا يكاد يفرغ من معرض حتى يبدأ في الإعداد لآخر قادم , حتى أنه يعتبر نفسه وهو غزير الانتاج والنشط كمن يضطلع بجهود المؤسسة فى ءايماء إلى تقصيرها فى النهوض بواجبها والأضطلاع بمسوؤلياتها تجاه الفنان , وفى إشارة ءالى طرح امكانية عدم انشغال الفنان بغير تطوير أدواته الفنية وصقل مواهبه بمنحه تفرغاً كاملاً لهذا الشيء أما المسائل الاْدارية التنظمية فينبغي أن تتكفل بها مؤسسات الدولة كما هو معمولاً به في كل دول العالم .

( نشرت هذه القراءة فى جريدة أويا / ليبيا / طرابلس / بتاريخ 17-8-2008 / بالعدد 308 السنة الثانية ) بالأتكاء على المعرض الذي أقامه الفنان بدار حسن الفقيه حسن العام 2008 وكذلك نُشرت هذه المقالة بموقع إخبارية الفنون التشكيلية

ناصر سالم المقرحي

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ناصر سالم المقرحي

محاسب   / طرابلس , ليبيا


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق