أضيف في 18 يناير 2017 الساعة 20:25

الانتهازي


المصطفى سالمي

لم يكن للسيد (جميل) سوى أربع بنات ينتظرن الفرج من الرحمن حتى يستقر بهن الوضع في بيوت أزواجهن حسب أمنية والدهن، كان الأخير رأسماله لسان لعوب ينمق الكلام ويجمل المقام، ولكن ذلك لم يكن كافيا له للتعايش مع ناس (العجيلات) حيث الماء والاخضرار، فانتقل نحو أقصى جنوب البلاد بعد صراع مرير مع إخوة الدم بسبب عشق الأرض والخلاف حول الإرث الذي يمكن أن يتطور إلى صراع بالحديد والنار. انطلق الرجل وزوجته (طامو) وبناته الأربع نحو أرض الرمال الذهبية، فمن هناك وصلتهم أصداء عن خيرات المنطقة الجنوبية التي يتوفر فيها الحليب المجفف ولحوم الجاموس البخسة، والبقع الأرضية التي هي برخص البصل.

تدخل أحد المحسنين الذي تعاطف مع منظر البنات الأربع ليتوسط للسيد (جميل) كي يصبح حارسا بإحدى الإدارات العمومية، وبعد مدة يسيرة أصبح الرجل صاحب بقعة أرضية وهبتها له الدولة في إطار التشجيع على استقرار المواطنين وخاصة الموظفين والعاملين الصغار من ذوي الدخل المحدود.

لم تتأخر ثمار اللسان المعسول للسيد (جميل)، فقد شرع في بناء بيته الشخصي، وذلك رغم أنه يتأخر في دفع واجبات العمال، مستغلا تعاطف الناس مع حالته الاجتماعية وكونه وافدا جديدا ينبغي الأخذ بيده في مجتمع يتعاطف مع الأغراب، وتدريجيا راقت الفكرة للسيد (جميل)، فأصبح يتملص من أداء أقساط الدَّيْن بالنسبة للبقال والجزار والخضار والبنّاء، وتحولت ـ مع مرور الزمن ـ شفقة الناس وتعاطفهم إلى سخط على الرجل الجميل شكلا ولسانا واسما، بعد أن تضخم محتوى الاحتيال والكذب والمراوغة في تصرفاته، فقد اكتشف الناس أن هذا الشخص كان يستغل من هم دونه بؤسا ومعاناة ويأكل عرقهم. والذين عرفوا ماضيه من الجيران رددوا أن تحايله الحالي على الناس لا يقل عن تحايل إخوته في الميراث، وربما هو وإخوته يحملون نفس جينات الغدر والمكر، بينما بدأ البعض في التشكيك حتى في رواية الرجل عن إخوته وأقاربه، فربما سطا على حقوقهم قبل أن يحط الرحال بينهم.

ومع مرور الأيام وقع ما لم يكن في الحسبان، لقد أصبحت سيارات تأتي قريبا من باب بيت السيد (جميل)، وتخرج إحدى بناته لتركب إلى جانب صاحب السيارة، ويزعم الأب أن الموظف العامل معها جاء ليوصلها لعملها، وفي يوم آخر تأتي سيارة أخرى وسائق مختلف.. ويزعم السيد (جميل) هذه المرة أن خطيب ابنته جاء لمصاحبتها للعمل، ويتكرر الأمر مع وجوه أخرى لغرباء آخرين يخرجون ويرافقون بنات السيد (جميل) الأخريات، ولا أحد يسأل أو ينتظر جوابا، ولا أحد يقدم جوابا أو تبريرا، فقد بان المكشوف، وتحول المجهول إلى معلوم معروف، وما عاد أحد يقول إنها الأوضاع والظروف.. بعد أن ازداد تجبر مظاهر الفجور.

انطلق هوس السيد (جميل) للمال من عقاله، فقام ببناء طابقين إضافيين، واشترى متاعا للبيت بعد أن كان مكتفيا بحصير وقليل من الأفرشة المتواضعة، وجهز مسكنه بكل التجهيزات الإلكترونية المحلية والمستوردة، وارتدى أجمل الملابس، وتزينت الزوجة والبنات بأجمل الحلي. لكن الذي لم يكن في حساب الكثيرين هو انطفاء الجمال والبهاء اللذين كانا يبدوان على محيا الرجل، فقد غزت ملامح ثعلبية ماكرة وجهه، وبدا ممسوخا كالحا، وشرع كثير من الناس في تجنب التعامل معه، بينما بدأ كثيرون يجهرون أمامه بتعابير نابية من قبيل:

ـ لعنة الله على كل ديوث شيطان..!

وطالب آخرون بمقاطعة هذا الإبليس الذي لقي مساعدة الأخيار وتعاطفهم ذات يوم..

تمر الأيام ويتسامع الناس خبر زواج كبرى بنات السيد (جميل)، ويحضر الحاضرون، ويتم توزيع الحلويات والمشروبات.. وبعد مدة تتزوج الثانية، ثم الثالثة فالرابعة، وما عاد أحد بعد ذلك يذكر مساوئ الرجل، بينما ردد أحد العارفين:

ـ إن المجتمع كله حل به السوس ونخره الفساد، وتحلل واصابته العفونة. وأن المشكل ليس في لسان الرجل المعسول، أو اخلاقه وأخلاق بناته، وليس في أن الناس لا يعرفون.. ولكن في أنهم متواطئون، والخزي فيه جميعا يرتعون.

بينما ردد آخر:

ـ مَن كان منكم بلا خطيئة فليرمِ الرجل وبناته بحصاة الجلد والقصاص!

وردد ثالث:

ـ ما شأنكم أنتم والرجل أو بناته؟! إذا كان المجتمع قد احتضن هؤلاء، فالباقي مجرد طفيليات.

وقال أحد الحكماء:

اتركوا الخَلق للخالق، واطلبوا الغفران لكم وللرجل، هذا إن كانت اتهاماتكم له صحيحة، الناس تحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر!

بعد سنوات يتوجه السيد (جميل) إلى بلاد المشرق لأداء فريضة الحج، وما عاد الناس ـ بعد رجوعه ـ يستعملون إلا لفظ: "الحاج جميل"، وغطى اللقب الجديد والملابس البراقة على سوءات ماضٍ متدثر برياء الناس وزيفهم.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق