أضيف في 14 يناير 2017 الساعة 21:20

الزعرور


المصطفى سالمي

كل من يراه يقول عنه: "إنه المسخ يمشي على قدمين"، وفعلا ملامحه تشي بذلك، عيناه ضيقتان حادتان يتطاير منهما المكر واللؤم، جبهته عريضة تدل على غطرسة وحب ذات جنوني، أذناه طويلتان كرادار يلتقط كل إشارة وهمسة، شفتان ممطوطتان يسيل منهما الكذب والتدليس والتلبيس، ملابسه ـ رغم ثمنها الباهظ ـ ينعدم فيها التناسق وتخلو من الجاذبية، بل هي تمدن مصطنع وألوان بهرجة. كان (الزعرور) منذ ثلاثة عقود كائنا آخر لا علاقة له بمسخ اليوم، لقد جاء من البادية كمعظم أهلها الطيبين مدفوعا برغبة في الخروج من الفقر المدقع، والجوع والعوز في بلاد (العجيلات) بعد أن شحت الأرض، ويبس الطين واشتد الجذب وقست القلوب. جاء بعد أن باع أغنامه المهزولة بأقل الأثمان، واشترى عربة صغيرة مدفوعة باليد. كان يمكن لشخص (الزعرور) أن ينتهي به المطاف كأي إنسان لفظته الأرياف متسولا أو مسحوقا بجبروت المدينة الذي لا يرحم، فإما يشتد بؤسه ويضيق به الحال أكثر، وإما يصبح منحرفا كشأن معظم من سُدّت في أوجههم أبواب الرزق الحلال، أو يمسخ الطيب ويصبح ثعلبا خبيثا يتسلق الأدراج ملتويا كالنبات اللعين، أو يحتفظ بأصالته راضيا بأن يسحقه الآخرون ـ من الأشرار ـ سحقا لا يبقي له باقية، ولا يذره إلا جثة جاثية، وخصوصا أنه لا يملك في هذه المدينة القاسية أي سلاح من علم أو حرفة مما يقوى بها على الصمود في وجه جبروت مادي لا يرحم. لكن الطيب قال لنفسه: (لو أردت الطيبة والاحتفاظ بالأصول والجذور لبقيت في قريتي حيث أموت صامتا مثلما تموت أغنام وأغراس عهود القحط والجفاف).

تحوّل (الزعرور) من (حمّال) إلى مساعد لأحد السماسرة، إلى مسؤول عن ورشات البناء، إلى شريك لمقاول، ثم أصبح بقدرة قادر صاحب عقارات وأملاك، واختفى ماضي الشقاء والجوع، واختفت الطيبة مع ذكريات وحكايات لم يعد يذكرها إلا كبار السن، وهكذا تحوّلت حتى الملامح البريئة ذات الطابع الملائكي لبسطاء القرية إلى خطوط شيطانية على وجه قميء كالح لشخص يُدعى: (الزعرور)، بل إن البعض شكك حتى في الاسم ذاته زاعما أن الاسم الحقيقي هو: (عزوز)، لكن العزة توارت وذابت وتلاشت، وتساءل أحد الحكماء:

ـ هل الخبث والمكر لا يجتمعان إلا مع الغنى المادي، ولا يتساكنان إلا مع حياة الترف؟!

وردد آخر:

ـ الفقر يناسبه حياة الطيبة والمسكنة، أما الطغيان فهو ملازم لقوة المال، وخاصة إن كان حراما، في زمن ندُر فيه صفاء الحلال، وطغى حرامه على حلاله!

وتناهت إلى أذهان وقلوب بعض هؤلاء المتحدثين معاني الآية القرآنية: (إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى).

ولم تتأخر مظاهر طغيان السيد (الزعرور)، فقد ذاعت أخبار امتصاصه عرق الناس حين بدأ يقرض الفقراء بأساليب ربوية وكأنه يمثل وكالة بنكية، بينما تعالت شكاوى أشخاص احتال عليهم وباعهم بقعا أرضية بيعت أكثر من مرّة، وأصبح (الزعرور) لا يتردد في أكل عرق المشتغلين في مشاريعه العقارية من بنائين ومهنيين، وأغلبهم بسطاء قدموا من البادية بعد أن توالت عليهم سنوات الجفاف وضيق الحال، فكان يؤخر مستحقاتهم، أو يخصم منها ما يريد، ويترك ما يشاء.. وكأنما ينتقم من ماضيه وتاريخه في شخص هؤلاء الأشقياء. كان (الزعرور) كلما مرّت الأيام والشهور يتحوّل إلى كائن شيطاني في الدهاء والمكر، فالذين حادثوه أو رأوه يحكون أنه لم يعد ينقصه من مظاهر الشياطين إلا أن ينبت له قرنان في جبهته، ويتحول لونه إلى زرقة الجن، ويشتعل المكان الذي يقف عليه نارا ولهيبا ورمادا.. فلم يكن أحد من أهل البلدة يستطيع مجاراة (الزعرور)، فحتى شرارها من السماسرة والأعيان والتجار وكبار وجوه السحت والربا والاحتيال وكل الحاقدين.. كانوا جميعا يرتعبون من (الزعرور) ويتجنبون شره. لكن الله يسلط على المرء من الأعداء من لا يخطر له على بال، فقد منّ الله على (الزعرور) بولد وحيد مَلَكَ عليه فؤاده وعقله، لكن الابن كبر كنبات أشد لعنة وخسة. شبّ الفتى بسرعة، ونما كما ينمو السحت، وتضخم كجرثومة نزلت من كوكب جهنمي، وبدأ فجوره مسلطا على مال الوالد كالسيف البتار، والهشيم تسلّطت عليه النار، إذ في بدايات شبابه الأولى ظهر ولعه بالسيارات الأنيقة، فلا يكاد يمضي شهر أو اثنان إلا ويطالب والده بشراء نوع جديد من آخر طراز و(موضة).. وكل أسبوع أو شهر يتسامع الناس عن سيارة تساوي الملايين أصبحت خردة بعد أن كادت تودي بحياة الشاب العربيد الطائش، وكل يوم حكاية عن تبذير هذا النبت المتسلق للأموال الطائلة في الحانات، لقد تحول المسخ إلى مسخين، لكن الصغير منهما لا عمل له ولا مهنة، إن هو إلا دفتر شيكات وتسلط وتجبر حتى على (الزعرور) نفسه، وخاصة بعد أن أصبح يتعاطى أنواعا جديدة ومكلفة من المخدرات المستوردة، وبدأت حكايات جديدة تُنسج عن لا أخلاقيات الشاب، وأن الوالد يسعى باستمرار لإخمادها بقوة المال والجاه، وترددت أخبار متواترة أن الشاب عنّف والده من أجل المال بالضرب في أحيان كثيرة.. وعاد التاريخ يفتح صفحات الماضي البعيد، عن زمن طواه النسيان بخصوص رجل بسيط جاء من بلاد (العجيلات) الطيبة، ليتحول إلى كائن شيطاني يبذر بذرة سوء أخرى بهذه المدينة، وأصبحت التساؤلات تكبر:

ـ هل سيعرف المستقبل بذورا تكون لعنتها أكبر وأشد، أم يلطف الله بعباده بوضع حدّ لهذه البلوى؟!

وردّ آخر:

ـ تفاءلوا بالخير أيها الناس! فكما يتولد الخمر الخبيث من العنب الطيب، يمكن كذلك لبذرة خبيثة أن يخرج الله منها دواء لا ينتبه إليه إلا من آتاهم الله الحكمة والتبصر.

ثم أردف قائلا:

ـ لعل الله أراد لخلقه الاعتبار والموعظة من درس (الزعرور) وأمثاله، فلا تستبعدوا أن يتمكن هذا الشاب بتهوره من أن يطمس طغيان والده ويعيده لرشده، في وقت أصبح جامحا لا يقدر عليه إلا خالقه!

بينما رددت أعماق أحد الطيبين:

ـ اللهم اضرب الظالمين بالظالمين، ونجنا منهم أجمعين!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق