أضيف في 14 يناير 2017 الساعة 15:11

معاطب التصنيف


رشيد اليملولي

معاطب التصنيف .

يعزى عادة للتصنيف باعتباره آلية ثقافية ـ ايديولوجية تسعى إقامة التراتبية و الأفضلية وفق معايير ، لا تستمد روحها إلا من زوايا نظر هي في العمق تأويل معين ، انطلاقا من مرجعية لا تكتسي صبغة القانون العلمي و لا الإلزام المعياري ، بقدر ما هي انتصار مسبق لفكرة أو لطيفها ، و محاولة تقنين هذا الفهم و إضفاء طابع الشمولية عليه ، قلنا يعزى للتصنيف العديد من القيم السلبية التي تخلق صراعا وهميا مبنيا على الإحن و النعرات و القضايا الهامشية التي تقتات على سواحل الحضارة الإنسانية ، و يرديها فلسفة قائمة الذات في تحطيم إمكانات التعايش خارج معايير الأنسنة حتى لا نقول الهوية الخادمة للبناء ، و الداعمة لنسق تشكل الذات بما يتماشى و الرغبة في تكسير معاطبها الداخلية و موانعها الكابحة ، التي هي بالضرورة إخراج الإنسان و المجتمع من براثن مستنقع التخلف و وحله ، و ردود الأفعال المحكوكة بالهواجس النفسية ، و الهزائم الحضارية المتأتية من عدم القدرة على تقديم الإضافة ، و من ثم صناعة وهم و شظايا الصراع ، و الرجوع به إلى الطابع الحيواني ، الذي ينتشي بالدم ويتلذذ بالقوة ، و يرى في الفوضى و السادية عناوين كبرى لرواياته المفضلة ، هذا الانهزام يفهم في الطبيعة البيولوجية ؛ أي الإنهاك و الإنهاء الدال لإمكانات تجميع القوى الخيرة الكامنة في النفس البشرية و الحيوات المرتبطة بها ، و تعطيلها و إقصائها و إقبار كل السبل القادرة على تحويلها إلى محفز داخلي يتجاوز القوالب الذهنية التي تؤمن بالتصنيف " الإرهابي " ، و التي تتخذ صور شتى في محيطنا و معيشنا اليومي ، مع أو ضد الفكرة ، الليبرالي و الماركسي ، و الديني و ليس المتدين ، و العلماني ، و الفاشي و الراديكالي ، و السلفي و العدلي ، و الوسطي و الإصلاحي ، و كل التسميات التي تعتقد بوجود ووجوب الانتماء من خلال الاعتقاد ، و ليس الانتماء بغاية الرأي الذي يحتمل الخطأ و الصواب معا ، انطلاقا من بعد فلسفي و تربوي ـ ابستمولوجي ، يرى في الخطأ وسيلة للتعلم ، و في الرأي الآخر تكميل و تزمير للأنا .

ترتد المسألة في بنيتها إلى نوعية و طبيعة الثقافة السائدة في النظام الاجتماعي ، و مستوى حضور القيم الجماعية و الفردية في تقدير السلوك الإنساني ، و تقييم مردوده النوعي من خلال بناء سلم الأولويات في مسألة الترقي الاجتماعي ، بحيث تحظى قيم الكفاءة ، و النضالية ، و الأخلاقية و المسؤولية بميزة التقدير ، عوض أن تتحول الأعراف و التوازنات الهشة ، و سلسلة المحاذير القبلية و العرقية و الدينية في مرجعيتها الفجة ، إلى مقاييس دالة على بناء الفرد و الجماعة ، و تحويل منطق الدولة إلى ميراث اجتماعي محدود بحدود الطائفة و القبيلة و الزاوية و الحزب ، ليصل الأمر إلى تفريخ الرعايا بالمفهوم السياسي و المريدين بالمفهوم الصوفي ، و إلى الأتباع و الإمعة بالمعنى السياسي ، و تتحول الزعامة و الكارزماتية إلى استعادة لا متناهية للرمز ، و تأبيد السلف باعتباره حياضا للمعنى و الإبداع ، و الباقي إلى نسخ و شطائر بشرية تقتات بشكل سادي على زمن غير زمانها ، و على قيم عصر لا ينتمي لها ، و لا يعير لها ما يكفي من الاهتمام و الرصد و التتبع .

لعل الإكراه الجاثم على النفس البشرية و طاقاتها الكامنة فيها ، يكمن في إشكال السلطة بمستوياتها المتعددة التي لا تأل جهدا في تجميع سلطها الخاصة ، و احتوائها بما يخدم مرجعيتها ، و تصنيف كل فكر مخالف إلى رأي معارض حتى يسهل اقتياده إلى مقصلة الذبح و الوأد المادي منه و الرمزي ، و هذا حال كل من حاول معاندة و مطارحة الرؤى السلطوية الدينية منها و الاجتماعية و السياسية ، سواء بالدحض و التفنيد ، أو عدم المسايرة في أقل الأحوال ، بمنهجية جعلت السلطة بمحاذيرها المعروفة عائقا ، يكبح و يقيد كل مساعي الأنسنة و احتواء الاختلاف و تقنينه و تأطيره ، و لا حاجة للتذكير بالكلفة الباهضة تنمويا من جراء التسلط النابع من السلطة ، هذا الغياب الذي كرس حضارة القوة و أهمل عن قصد قوة الحضارة ، أنتج سلسلة لا متناهية من الهزائم و الإخفاقات المتوالية في إمكانية تجسيد مشروع حضاري يبتعد عن القراءة الحدية و يستحضر القراءة المنتجة و الواعية في سبيل مشروع الفردانية التي تخدم الجماعة و لا تلغيها ، و هاجس الجماعة التي تبدر الفردانية لتقويها و توفر لها مراتع الإبداع و الخلق و السمو بالنفس البشرية نحو المدارك الخيرة، على الأقل في المجال الحضاري الإسلامي ، الذي يكتنف بين طياته مفارقة غريبة ،مفادها تحقير السلط السياسية في غالبيتها للمفكرين و الفلاسفة و العلماء ، بالسجن و حرق الكتب ، و النفي و الإبعاد ، و في الوقت ذاته ، تعتد بهذه الرموز الثقافية لمضاهاة الغرب و منافحته و مجاراته في القيم الحضارية الدالة و الموحية .

قد تكون التجربة الحضارية للمجال الإسلامي طافحة بكل معاني التصنيف ، الذي تحول معها الاختلاف إلى وباء أو طاعون يهدد السلم الاجتماعي للسلطة و ليس للمجتمع ، و مرد ذلك إلى آلية القياس الذهني و المرتكزات الناظمة لمنطق قولها ، و التي قعدت للتجاذب و التقاطب المفضي إلى صعوبة إن لم نقل استحالة التعايش ، و استبطان الاختلاف ، و الأدهى عدم الإيمان به ، على ضوئه صيغت المحاذير المتنوعة بإيعاز من التصنيف الايديولوجي ، و بنيت الحياة الاجتماعية و الثقافية و العلمية على هذا النوع من القياس و البناء ، و أردت سبل تغييرها صعبة المرام ، لذلك تتوسل بكل المناهج التربوية التي اعتمدتها السلطة و ليس الدولة ، سياسيا و اقتصاديا و ثقافيا ، و بغرض استدامة العجز و تقوية سياج التجهيل و تأبيد دوامها و أزليتها .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق