أضيف في 9 يناير 2017 الساعة 23:01

أخوة بطعم العلقم


المصطفى سالمي

مسح سعيد العرق الذي تصبب على جبهته بقطعة ثوب وهو يتوقف بمحاذاة الرصيف بسيارته الصغيرة، كانت هناك امرأة مُسنّة قد لوحت له بيدها الواهنة، مدّ يده إلى الخلف ليفتح لها الباب من الداخل، وتباطأ ـ رغم منبهات الصوت ـ حتى استقرت المرأة في مكانها، كانت تتحرك بشكل متثاقل وهي تحمل في يدها أوراقا كثيرة داخل كيس بلاستيكي:

ـ مختبر التحليلات الطبية يا ولدي!

انطلقت سيارة الأجرة الصغيرة وقد تأكد صاحبها ـ الذي تجاوز الأربعين من عمره ـ أن السيدة الواهنة مريضة بمرض مزمن، ذلك ما تفصح عنه ملامحها ووجهتها وتثاقل حركتها التي لا يمكن إرجاعها لعامل السن وحده. حمد (سعيد) ربّه على نعمة السلامة التي ينعم بها، وأما ماعدا ذلك فكان يرى نفسه أشقى الناس حالا، لقد ابتدأت حياته منذ أكثر عقدين من الزمن سائقا، وبعد ثلاثة أعوام في هذه المهنة انتقل للديار الإيطالية حيث قضى زهرة عمره هناك، ليجد نفسه اليوم يعود مكرها لمهنته الأولى..

عادت أشباح الذكرى الأليمة بتفاصيلها المرة لتنغص عليه حاضره وهو يقف في إشارة ضوئية، بينما المرأة المسنة خلفه تلملم أوراقها الطبية. لقد ابتدأت قصته حين جمع مبلغا من المال من مهنته هذه قبل أزيد من عشرين سنة، اشترى عقدا من العمل ببلاد المهجر، واستمر من هناك متكفلا بكل إخوته، لقد أوقف حياته عليهم بعد موت الأب وهم صغار، كان يحرم نفسه من أجلهم، ولم يشأ أن يسمح لأخيه الأصغر (سمير) ـ رغم إلحاحه في أن يلتحق به هناك ـ ليساعده في الحمل الثقيل، لأنه عرف مرارة الغربة وخبِرَ قسوتها، وقرر أن يعوضه على ذلك بمشروع مشترك. كان يرسل له كل شهر مبلغا ماليا مهما لإقامة مجمع سكني من أربعة طوابق، وأن يكون أسفل ذلك محل تجاري يصلح كمقهى أو مطعم كبير وسط مدينة (الجديدة) الساحلية. كان (سعيد) قد تفادى التعقيدات الإدارية، وجَعَلَ أخاه بمثابة صاحب المشروع والمسؤول عنه لتفادي الحضور المستمر من أجل التوقيعات، فهو يعرف البيروقراطية وتعقيداتها في بلده. تمر السنون، ويعود (سعيد) من بلاد الغربة لكي ينعم مع إخوته بعرق وتعب وكفاح عقدين من الزمن، لم يقنع أخوه بطابق من المشروع السكني ومبلغ مالي، واعتبر أن المشروع بأكمله هو مَن أنجحه، وهو مَن أشرف عليه من أول لبنة إلى أن أصبح واقعا حيا، إنه ربّ المقهى ومسيرها والمشرف على تدبير إيجار الطوابق العلوية بأكملها، كما أن اسمه مسجل في السجل العقاري يثبت أنه صاحب كل شيء. اقترح (سعيد) على أخيه أن يقتسما المشروع مناصفة تفاديا للخلاف والصراع، كان يعرف أن خطيئته هي أنه جعل كل شيء باسم أخيه، وعرف أن العناد من جهته قد يجعله يخسر كل تعب السنين، لكن الفكرة كبرت في رأس (سمير) وأصر أنه تعب في كل شيء، وأن أخاه الأكبر قدم مبالغ مالية على مدى شهور، وأنه سيعيدها إليه كأقساط من عائدات المشروع..

انتبه (سعيد) من غفوته على ضوضاء السيارات وازدحامها في هذا الوقت من منصف النهار، ظهرت له لوحة مختبر التحليلات الطبية فوق بناية في آخر الطريق، استعمل إشارة ضوئية جانبية، ثم توقف ليتيح للمرأة أن تنزل، بدأت المسنة بفتح محفظتها الصغيرة، لم يتركها الرجل ـ الذي اشتعلت أطراف رأسه شيبا وما زال لم يعرف لحياته بداية من نهاية ـ تكمل عملية البحث عن الدراهم الثمانية التي هي واجب سيارة الأجرة الصغيرة، وأعلن إليها أنه يريد فقط دعوى صالحة منها، كانت المسنة مرهقة بفعل ثقل الأيام وجبروتها، لدرجة كادت تدمع عيناها من تصرف السائق وطيبته في زمن أصبح اللؤم والخسة عملة رائجة في هذا العصر.

انهمر سيل دعوات الخير من المرأة المسنة وقد أحس فيها (سعيد) صدقا وحرارة، وتمنى من أعماقه أن يشفيها الله من أسقامها، تمنى لو كان معها أحد أبنائها أو أقاربها لمساعدتها في محنتها الصحية.

انطلق (سعيد) بسيارته نحو وسط المدينة، كانت أيادي أخرى تلوح له، توقف لزبائن آخرين.. وعادت به الذكرى الأليمة لتشتعل أعماقه حسرة، منظر المرأة المسنة جعله يتذكر أمه التي ماتت وهو في بلاد الغربة، لقد سافر وترك حرقة كبيرة في أعماقها، كان يود أن يجعلها تحج إلى بيت الله الحرام حين يعود من الغربة، لكنه عاد ليجد أخاه قد تربص بجهد السنين والأعوام، وتكبر مطامعه ولا يريد أن يترك له إلا الفتات، حاول أن يجعل إخوته وبعض الأقارب والمعارف يتوسطون بينهما لحل الخلاف، لكن دون طائل، آخر ما يفكر فيه أن يسحب أخاه إلى ردهات المحاكم من أجل حفنة مال قد تجر إلى وصمة عار أبدية..

توقفت السيارة في إشارة ضوئية جديدة، استغلها (سعيد) ليسحب من أمامه قنينة صغيرة، شرب قليلا من الماء بلل به جفافا أحسه في حلقه، لقد استشعر مرارة داخلية بطعم العلقم، حتى في بلاد الغربة لم يعش ولم يختبر إحساسا من هذا القبيل، لعن الشيطان في سره، واستعاد صورة المرأة المسنة، دون شك فأمثالها من المرضى والمهمشين والمنبوذين في مجتمعه لا يحصيهم العدّ، استغفر (سعيد) ربه، وهو يردد:

ـ الحمد لله على قضائه وقدره، وإن غدا هو يوم جديد..!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق