أضيف في 9 يناير 2017 الساعة 19:42

في ضيافة الاختلاف


رشيد اليملولي

في ضيافة الاختلاف .

استدعاني صديق للقاء سمي ندوة ، و هي لا تحمل من اسم ندوة إلا العنوان ، إذ هي قراءة أو بالأحرى استعراض أو وصف لأهم أفكار كتاب " ما وراء السياسة " لمؤلفه ادريس مقبول ، و كان لزاما علي الحضور بفعل التزامي مع هذا الصديق ، و في السياق ذاته و انطلاقا من اللاوعي تسويق المرجعية السياسية و الثقافية التي أنتمي إليها ، أي تقديم الذات و الكيان في آن واحد باعتبارهما رمزا من رموز الاحترام و التقدير للفكرة و للمرجعية التي تؤطرها .

لا أخفي توترا داخليا كان ينتابني و يعتريني طول الطريق إلى مكان " الندوة " ، و أسئلة كبيرة و عميقة تجتاحني و تجعل من انتمائي الأصلي مجرد صورة ، قد تفهم نفاقا إن علم زملائي بحضوري إلى مرجعية نختلف معها جذريا من الناحية السياسية و ليس الإنسانية ن و مع ذلك لم أتردد لحظة واحدة في ركوب هذه المغامرة على الأقل لوضع الرصيد الشخصي أمام محك الاختلاف و التعايش معه و لم لا مناقشته .

أثناء ارتياد المكان و الذي لم يكن مكانا عاما ، إذ هو منزل لأحد أعضاء جماعة العدل و الإحسان ، و الذي يثير الانتباه صور الاندهاش و الغرابة التي تبدو على محيى من يعرفني منذ القديم ، و يعرف مرجعيتي ، حينها كان يؤطرني إحساس أنهم استطاعوا اختراقي و اختراق المنظومة " الخاصة " و كثيرا ما كانت لغة العيون و الحركات تنتشي بإمكانية " استقطابي " إلى صفهم ، لعل قدومي أول هذه الخطوات ، و لا أخفي سرا مع توالي التحايا تحول الإحساس إلى فكرة ، و أصبح وجودي بين أعضاء الجماعة انتصارا لهم و هزيمة لي ، انتشاء لهم و نكوصا نفسيا ( الهزيمة تفهم هنا بالسياقات النفسية و التهيؤات المرافقة لها ) .

و كعادة بعض المغاربة لم يتم احترام الوقت ، و انطلقت " الندوة " متأخرة لسبب أجهله و هو كيف نستهين بالزمن إلى درجة الإهمال ؟ .

ما يبعث على الانتباه في التدخلين اللذين أطرا الجلسة هو القراءة الاحتفالية ، و استعراض الإيجابي الذي يوحي أن الكتاب كلام لا يرقى إليه الشك ، و تصل درجة اليقين إلى انتفاء صفة القراءة و طبيعتها و مواصفاتها المعرفية و المنهجية ، و الأغرب من كل ذلك هو المصطلحات الموظفة في القراءة ؛ حيث يتم ربط كل كلام صدر عن الشيخ عبد السلام ياسين بأنه فكر و نظرية و صور قيمية مبالغ فيها ، مهما كانت قيمتها إلى درجة تجعل من هذا الشيخ مربيا و فيلسوفا و انتربولوجيا و فقيها و داعية ، و هنا تطرح بشكل ملح الضوابط و الحدود المعرفية لمسألة و قضية التأويل بمفهومها العلمي .

للإشارة الكتاب هو وراء السياسة يحاول فيه الدارس أن يثير الانتباه إلى ضرورة الأخلاق و القيم في زمن النفعية المباشرة و مدرسة جيمس وليام ، و الميكيافيلية بتأطير من الغاية تبرر الوسيلة ، مع غمز خفي و مضمر بأن السياسة بالمفهوم الأخلاقي تتمظهر عند الشيخ عبد السلام ياسين ، باعتباره نموذجا ومعيارا تتكامل فيه القيم و نظامها .

و إذا كانت القراءة الايديولوجية حاضرة بقوة في استحضار المعطى الأخلاقي ، فالراجح أن الدارس تعمد إلغاء مجهودات السابقين خاصة دراسة الأستاذ الجابري " العقل الأخلاقي العربي " ، و الأستاذ محمد أركون " النزعة الإنسية في القرن الرابع الهجري جيل ابن مسكويه و التوحيدي " .

الإشكال الثاني المتعلق بالقراءة الايديولوجية هو استبدال منظومة القيم الأخلاقية في المفهوم السياسي المبتذل بصيغته الغربية و الآسيوية ، إلى منظومة أخلاق إسلامية تنقل مركز الثقل من المجال الآخر إلى مجال الأنا ، و كأن هذا المجال بريء من التوظيف الأخلاقي للإسلام ، بغرض إدامة و استدامة سلطة معينة ، حيث أن الإشكال كان و لازال إشكال سلطة ، و ليس أخلاقا ، فما جرى في التجربة الحضارية الإسلامية هو التنصيص الديني على التسلط السياسي ، و دعمه و تبريره ، حتى من الفقهاء الذين تجاوزوا عبد السلام ياسين في أخلاقياته .

العطب المنهجي الثاني في الدراسة هو عدم التمييز بين الأخلاق في مرجعيتها الإسلامية بما قد تعنيه من توظيف ايديولوجي ، و النزعة الإنسانية ، بمعنى هل إضفاء الأخلاق الإسلامية على السياسة يعني أنسنتها ، أي احتواءها على الاختلاف القيمي ؟ .

و هل استعادة الأخلاق بالمرجعية المشار إليها ، يعني أزمة بنيوية في السلطة بالمعنى الديني و الإسلامي تحديدا .

إن القول بغياب الأخلاق السياسية ، يفيد بالرغبة في تكريسها بمنطق معين يسقط من حيث لا يدري في براثن الانتماء و إن ادعى الموضوعية ، و يفيد بأن هذا الخطاب خطاب أزمة أكثر من خطاب خلق و إبداع ، حيث ظل صاحب الكتاب طيلة تدخله يردد صفة العلماني تجاه من يخالفه أكان وطنيا أو أوربيا أم آسيويا ، و هي خاصية تجعل الخصم السياسي عدوا دينيا ، مما يؤسس لتأبيد النزعة الذاتية و المركزية ، أكثر مما يؤسس للاختلاف داخل الوحدة ، و يرسخ لأزمة الخطاب أكثر من الدعوة الجادة إلى بناء الذات بالمرجعية المختلفة .

لم تكن هذه الندوة ـ القراءة في الكتاب ـ إلا درسا في تجربتنا الشخصية و العملية ، ساقته لنا الأقدار و الظروف من أجل الوعي بالاختلاف ، و تضمين الذات إمكانية جسر قول الحق فيها ، لأننا بكل بساطة نعي أننا لا نمتلك ناصية القول الفصل أو بيدنا العصمة ، التي توزع على الآخرين سلم الوعي و القراءة ، بقدر ما نرى في أنفسنا مرتعا لكل اختلاف وجب تقنينه و إضفاء العلمية عليه .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق