أضيف في 8 يناير 2017 الساعة 20:47

الناقدة خيرة جليل :خديجة امركي : التجريدية المعاصرة بمواد تراثية مغربية : تشكيل يحكي عن عراقة التشكيل المغربي


خيرة جليل

 

كما وسبق أن أشرت في العديد من مقالاتي النقدية ،تتميز الحركة التشكيلية المغربية بطابع الجديد المنضبط الذي يخول له اعتلاء مكانة مرموقة، فهي تجارب وإن اختلفت فيها المضامين والتصورات والرؤى،إلا أن التقنيات الجيدة والأساليب التعبيرية تلفت الانتباه لتعبر عن وعي هؤلاء الفنانين ونضجهم ، مما ساعدهم على صنع حيز إبداعي مغربي صرف ،يمتح من الثقافة المغربية الأصيلة ومقوماتها الأساسية ، ومن الموروث الحضاري بأسسه المعرفية والقيمية ليطفو على الساحة التشكيلية المحلية خاصة والوطنية عامة بشكل يستوعب المورث الفني والحضاري المغربي في شموليته بل انه يستحضر القيم الفنية والجمالية الصرفة مما يفرض علي التقديم لكل تجربة على حدة.

فرغم غنى تجربة الفنانة التشكيلية خديجة فإن أول صعوبة واجهتها هي عدم وجود توثيق ورقي يوثق تاريخها مما فرض علي ضرورة استحضار أدواتي التشكيلية ومحاولة دراسة أعمالها بشكل شخصي مركز يسمح لي بان أكون قادرة على إعطاء نبذة سريعة عن أعمالها فما هي المدرسة التشكيلية التي اختارت العمل في إطارها ؟ وكيف تعاملت مع المادة اللونية وكتلتها وتوزيعها في علاقتها بزوايا الرؤية وتوزيع الضوء ؟

الفنانة خديجة : فنانة عصامية من مدينة مراكش شاركت في العديد من المعارض الجهوية العديدة ، اكتشفت عالم الرسم في مرحلة النضج الفكري ، لم تتلق تكوينا أكاديميا إنما أحبت التشكيل ومارسته خلال أوقات فراغها فاكتسبت دراية بعالم الصباغة والضوء والانعكاس وزويا الرؤية مما جعلها تكتشف دلالة الألوان وكتلتها وتوزيعها بالفضاء التشكيلي وتتمكن من توظيفها بتقنيات جمالية تتفاعل بشكل صريح مع المنظومة التشكيلية مع كل المواد التعبيرية مما يجعلنا ندرك انه على دراية بكل خطوة تخطوها.

"فإذا اعتبرنا أن التشكيل لغة الروح ولا يمكن فهمها إلا بالروح ،يمكننا كذلك القول ان التشكيل لغة عالمية . ولهذا يمن الاحساس بها وليس فهمها.لان كل عمل تشكيلي هو يتوجه للمباشر لأنه ليس أحرفا هجائية الأدبية . فهي لغة أحرفها وحركاتها هي الأشكال والألوان حيث جميع الأرواح الإنسانية تجد نفسها فيها " 1 فإن أعمال الفنانة التشكيلية خديجة لا تخرج عن هذا النطاق بحيث تنطلق من الألوان والأشكال المستوحاة من التراث الشعبي المراكشي لتخاطب الروح في أبهى حللها وابعد أعماقها ، مستعملة الحناء وعصير الجوز كألوان أولية تلمعها بلمسة خفيفة من البرنيق لتضفي عليها إضاءة ولمسة شفافة تعكس الضوء مكتسحة بكتلتها اللونية جميع الفضاء المتاح لها . وهي بذلك نهجت نسق تجريدي يستمد رموزه من بيئتها المراكشية الغنية بالرموز والنقوش والضوء كما تقول الناقدة طوني ماريني :'' تجريد رمز تجريد الطبيعة في اللوحات الهندسية والنقوش والفسيفساء والحلي والسجاد البربري...''2

وهذا يرجع عموما لغنى المغرب التراثي والحضاري منذ ما قبل التاريخ إلى عهد الممالك الامازيغية والاختلاط الفينيقي القرطاجي ....إلى المرحلة الإسلامي بجميع مراحلها ودولها مما يجعل الفنانة بتجولها في أزقة المدينة القديمة والأحياء الصناعية لها تستقي رموزا ضاربة في عمق التاريخ كما يقول الباحث عبد العزيز بنعبد الله " ....ولعل هذه الإقامة القرطاجية ....تركت آثارها ، إذا اعتبرنا بعض المظاهر المشتركة بين الحضارتين القرطاجية والمغربية : فالطابع القرطاجي مازال يسم صناعة المعادن والجلد" 3 بل والأجمل من ذلك أنها تدخل في لوحاتها بعض الرموز التي استعملت في الوشم الأمازيغي وتوارثته الأجيال وبقي راسخا بالذاكرة المغربية "4" في تناقح مع ما ورثه الذاكرة الجماعية المراكشية من سنوات الحكم المرابطي والموحد والسعدي  الى حد الان .....خصوصا أنها بلد احتضن فكر ابن رشد وفلسفته الجمالية "5"

وجمالية أعمال الفنانة التشكيلية تتجلى في أنها تخاطب الروح بالدرجة الأولى ،كما يقول قيدوم التيار الروحي المعاصر موريس : " ليس هناك شيء فوق الأرض أكثر جمالا من الروح ،وهذا ما يجعل القليل من الأرواح فوق الأرض لا تقاوم احتضان أرواح أخرى تعج بالجمال " 6 فلتفهم أعمال هذه التشكيلية يجب ان تكون مشبعا بفلسفة الجمال والروح وحب الحياة ...وهذا يتجلى من خلال ضرباتها اللونية القوية بالفرشاة مما يظهر لنا القوة الداخلية التي تحرك هذه الكتل اللونية بانتظام وانزياح لوني قوي يعبر عن عمق الاحساس المرهف والمتشبع بسنغ حب الحياة والتحدي وحب اثباث الذات المبدعة أمام تعدد التجارب حولها لتضفي عليها صبغة شخصية ....

عموما ان الفنانة التشكيلية تمتلك من المؤهلات الفنية ما يفتح لها باب العالمية خصوصا مع بحثها المستمر في موادها المستعملة وفي التقنيات وتطويرها مع مستجدات عصرها.......خيرة جليل

1 Rédacteur art: Nadim Rachiq

L’art vecteur du mieux vivre ensemble

Secrétariat rédaction: Fatima Chbibane

Pluton-Magazine Facebook Page

Maeterlinck Maurice, l’un des premiers créateurs de la spiritualité contemporaine a écrit: « il n’y a rien sur terre qui soit plus avide de beauté et qui s’embellit plus facilement qu’une l’âme…C’est pourquoi peu d’âmes, sur terre, résistent à la domination d’une âme qui se voue à la beauté.

2ـ طوني ماريني '' عن مفهوم اللوحة وعن اللغة التشكيلية '' وارد في الوعي البصري بالمغرب ص 12

3- عبد العزيز بنعبد الله ،الفن المغربي تعبير رائع عن مدارك الأجيال ، مجلة اللسان العربي ، المجلد 9 الجزء الأول يناير 1972 ص.233

4- تاريخ الرسم والرّسامين لجوبا عن لاكروا ، نوميديا وموريطانْيا، أورده إبراهيم حركات وآخرون ، دار الكتب لبنان ص 143

4- Moh cherbi et Thierry Deslot 2001 ,les rois berberes : edif ,Paris

5ـ محمد بن شريفة، ابن رشد الحفيد سيرة وثائقية ،الدار البيضاء،مطبعة النجاح الجديدة 1999ص 11 – 13

( ابن رشد من أهل قرطبة وقاضي الجماعة بها ...اخذ العلم ودرس الفقه والاصول وعلم الكلام .....توفي بمراكش ... 9صفر 590ه الموافق 1198م .)

 

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق