أضيف في 7 يناير 2017 الساعة 23:05

حكاياتي الطريفة مع النجوم ! (1)


حسام الدين فكري

حسام الدين فكري...

على امتداد أكثر من عشرين سنة صحافة، التقيت مئات النجوم والفنانين المصريين والعرب، وأجريت معهم آلاف اللقاءات الصحفية، وكانت لي مع بعضهم مواقف طريفة للغاية، أروى لكم على جزأين عدداً منها :

 عندما كان الدكتور..هو العريس !

أذكر إنني في بداياتي الصحفية التقيت الفنان الكبير "أبوبكر عزت"، ووجدت أنه أكثر طولاً مما يبدو على الشاشة، وهذا الطول يمنحه "هيبة خاصة"، كما إنه معتد بنفسه لأقصى درجة، وتوقعت أن يكون سخيفاً بسبب ذلك الاعتداد، ولكنني وجدته طيباً وتلقائياً ومجاملاً .

ومن ذات الجيل التقيت وحش الشاشة "فريد شوقي"، وقال لي من حوله إنه من "أحرص" الناس على المال، فلا ينفقه إلا لضرورة، ولايتبرع إلا مضطراً !..ولكنه مع ذلك كان يتمتع بطيبة بالغة، كما يتمتع أيضاً "بأضخم يد فنان" رأيتها في حياتي..فلما صافحته غاصت يدي في يده، كأنها نقطة في بحر !! .

وحدث بعد فترة أن حضرت حفل زفاف ابنته "عبير"، الشقيقة الكبرى للفنانة "رانيا فريد شوقي"..وكان عريس عبير هو نفسه طبيب فريد شوقي..وقيل لنا وقتها ألا نندهش إذا وجدنا العريس يقفز من "الكوشة" فجأة، فهذا يعني أن شوقي يحتاج إليه !..فقد كان حفل الزفاف قبل وفاة "ملك الترسو" بأشهر قليلة !! .

وفي ذلك الحفل رقصت "دينا" و "فيفي عبده"، وكان الفارق بينهما ساطعاً..فعندما رقصت "دينا" كان الحضور يتحركون قريباً من "البيست" الذي ترقص عليه، فكانت الراقصة – دارسة الفلسفة – تشير لهم أن يبتعدوا حتى تستطيع تقديم فقرتها !..أما "فيفي عبده" – بنت البلد – فقد صعدت فوق الخشبة المخصصة للعازفين، وأفسحت لنفسها مكاناً بينهم، ثم راحت تدعو كل الحضور للتجمع عندها، فتقاطروا إليها من كل أرجاء القاعة، وأخذوا يصفقون بحماس منقطع النظير على أنغام الفرقة المصاحبة لها..وكانت فقرة راقصة في غاية الروعة !! .

 

أغرب ربع ساعة..في حياتي !

أما ابن النيل "شكري سرحان" فقد كان أكثر مايميزه احترامه وتدينه، ودقته البالغة في المواعيد..وأذكر إنني اتفقت معه أن أتصل به مساءاً في ساعة محددة، من أجل تحقيق صحفي مع بعض الفنانين، ولكنني اتصلت به بعدها بربع ساعة فقط، وأجابني ابنه فأخبرته بموعدي مع والده، فذهب يخبره، وسمعته بأذني يسأله عن الوقت، فلما أخبره قال له أن يقول لي إنه ليس موجوداً !..كل ده علشان ربع ساعة بس..فقد كان "نمكياً" جداً..ولم أتصل به بعد ذلك ! .

ولكن المخرج الراحل "عاطف سالم" هو الذي فاقه في "النمكية"!..ففي بداية تعاملي معه اتفقنا على اللقاء في "جروبي" بوسط البلد في التاسعة صباحاً..ولما لم أكن أملك سيارة في ذلك الوقت – من 15 سنة! - فقد لجأت إلى المواصلات العامة من مصر الجديدة حتى وسط البلد..ثم سرت على قدمي مسافة طويلة من موقف الأوتوبيس حتى "جروبي"..وهكذا وصلت في التاسعة والربع – هيه الربع ساعة برضه !! – ولما سألت عن "سالم"، قال لي "الويتر" إنه انتظرني خمس دقائق فقط ثم عاد إلى منزله القريب..فانطلقت بسرعة ولحقت به عند مدخل عمارته، ولكنه رفض أن يعود معي إلى "جروبي"، وطلب مني أن أتصل به لاحقاً لتحديد موعد آخر ! .

وعندما اتصلت به حدد لي موعداً في التاسعة صباحاً في مكتبه بحي الدقي..وهذا الحي أكثر بعداً عن وسط البلد..ولكنني قررت أن ألتزم بموعدي معه هذه المرة..وبالفعل، قبل التاسعة صباحاً كنت لديه في مكتبه، وبدأت لقاءاتي معه حول ذكرياته مع نجوم السينما المصرية..وتكرر ذهابي إليه عدة مرات، واقتنصت منه حكايات رائعة عن نجوم لايتكررون، مثل : عبد الحليم حافظ، تحية كاريوكا، سامية جمال، سعاد حسني، وعمر الشريف وغيرهم..وهذه كلها نُشرت أسبوعياً في مجلة "السينما والناس"، وكانت تحظي بمتابعة دائمة من القراء .

**

وهنا لابد أن أقارن بين سلوك هذا الجيل المبدع، الذي كان يلتزم بمواعيده لأقصى درجة، حتى كان نجم الفيلم هو أول من يحضر إلى البلاتوه، دون أن يرى في ذلك أي انتقاص من قدره أو مكانته..وبين جيل جديد يرى أن النجومية تتطلب أن ينتظرك الجميع في البلاتوه..حتى تشرفهم بطلعتك البهية ! .

إنه الفرق الساطع بين جيل صنع أعمالاً فنية خالدة، مازلنا نستمتع بها وقد مرَّ على بعضها أكثر من سبعين عاماً..وبين "جيل سريع" ومتسرع، يصنع كل شيء بسرعة، ثم "يهضمه" الجمهور أيضاً بسرعة، فلا تكاد تشاهد فيلماً جديداً أكثر من مرة – ده لو كملت الفيلم أساساً !! - بينما قد لاتمل من مشاهدة فيلم قديم مئات المرات ! .

ثم إن هناك فارقاً هائلاً في القدرات الفنية، بين الجيل القديم والجيل الجديد، فقد كان الأوائل يمثلون بالموهبة الفطرية وحدها، يعني بدون دراسة – بالبركة كده !! – وربما كان بعضهم من الدفعات الأولى لمعهد التمثيل المصري، يعني برضه دراسة أي كلام، ولكن موهبتهم كانت دائماً تحركهم، فتركوا فناً راقياً، مازلنا نستمتع به .. أما نجوم الجيل الحالي، فلديهم معاهد وورش تمثيل بالكوم، وتقنيات تكنولوجية هائلة، لم يعرفها الرعيل الأول، ولكن أين الموهبة ؟!..ابحث وفتِّش بين كل مئة ممثل، حتى تجد واحداً بالكاد، يملك ربع موهبة أقل نجم من نجوم الفن الأصيل !! .

وتستطيع أن تقول أن هناك مُنحنيان، أحدهما للموهبة والآخر للفن الجيد، وهذان المُنحنيان كانا يتصاعدان معاً حتى نهاية الستينيات من القرن الماضي، ومنذ منتصف السبعينيات راحا يهبطان معاً، ثم ازدادا هبوطاً بمرور السنين، حتى وصلنا إلى "أشباه نجوم" يتصدرون أفيشات الأفلام هذه الأيام !..وإلى أعمال سينمائية لاتستحق أصلاً أن يُطلق عليها "أفلام" !! .

 

مدبولي وموتور العربية النقل !

ماعلينا !..دعونا نعود إلى نجوم الفن الحقيقي، وأحدهم بلاشك الفنان الكوميدي "عبد المنعم مدبولي"، وهو من أظرف الفنانين الذين التقيتهم طوال مشواري الصحفي، وقد أجريت معه حواراً في كواليس مسرحية لا أتذكر اسمها، كان يشاركه بطولتها مجموعة من الشباب، منهم : خالد النبوي وعزة بهاء..ولقد جعلني أفطس من الضحك عندما حكى لي موقفاً طريفاً مرَّ به عندما كان في شبابه، فقد كان هو و"عقيلة راتب" يصوران أحد الأفلام بالقاهرة، ويسافران كل يوم إلى الأسكندرية لعرض مسرحية يتشاركان في بطولتها، وذات يوم امتد بهما التصويرطويلاً حتى لم يتبق إلا ساعتين فقط على موعد فتح الستارة في الأسكندرية، ولما لم يجدا أي سيارة أجرة في ذلك الوقت، فقد اضطرا إلى استيقاف سيارة نقل متجهة إلى الإسكندرية..ورحب سائقها بتوصيلهما وظل يتسامر معهما خلال الرحلة حول أحوال الفن .

وكان مدبولي قد جلس بجوار السائق، بينما جلست عقيلة بجوار الشباك، ومن المعروف أن موتور سيارات النقل يكون دائما بجوار السائق، ولابد أن يسخن الموتور مع حركة السيارة، لذلك قال لي مدبولي إن حرارة الموتور كادت تحرق مؤخرته طوال الطريق، وإنه ظل بعد ذلك لساعة على الأقل يتلوى فوق المسرح !! .

وبعد عدة أسابيع من لقائي به، كنتُ في قسم شرطة النزهة المجاور لمنزلي، من أجل استخراج بطاقة شخصية جديدة، وبينما أقوم بعمل الإجراءات اللازمة، وجدت الفنان الكبير يجلس في حجرة مأمور القسم فتقدمت لتحيته، وما أن رآني حتى تذكرني على الفور وهش للقائي – وكلهم يتذكرونني دائماً..يبدو أن وجهي من النوع المألوف !! – وقلت له مبتسماً : انت بتعمل إيه هنا يا أستاذ ؟!..فأخبرني إنه جاء مع زوجته، حتى تقدم بلاغاً ضد أحد الأشخاص (ولم يصرح لي بطبيعة هذا البلاغ !) ، ثم نظر لي بعينين ضيقتين وقال لي وهو يبتسم بدوره : وانت كمان بتعمل هنا إيه ؟!..فرددت عليه بسرعة : والله العظيم بريء يابيه !..وغرقنا في الضحك !!

 

محمود يس..حبيبي يا نجم !

أما الفنان الكبير "محمود يس"، فكان لقائي به في بداياتي الصحفية الأولى، من أهم اللقاءات التي أعتز بها، وقد قابلته في فيلته بشارع الهرم، بعد أن اتفقت معه على حوار صحفي لمدة ساعة واحدة، ولكنني فعلياً بقيت معه أكثر من ساعتين !..فقد كنت قد كتبت مجموعة كبيرة من الأسئلة في بضع أوراق، ثم أظهرت له ورقة واحدة في بداية اللقاء، وعندما انتهت أخرجت واحدة أخرى، فلما انتهت أخرجت الثالثة !!..

ولما تجاوزنا الساعة المتفق عليها، انتبه لتحايلي وقال لي مندهشاً وهو يبتسم :

" كل دي أسئلة..انت ضحكت عليا وللا إيه ؟! "..فابتسمت بدوري وأنا أقول له :

" معلش ياأستاذ..فاضل كام سؤال كمان ع السريع كده !! "..وظللت ساعة أخرى أتحاور معه ! .

ولقد كان "محمود يس" من أرق من قابلت من نجوم الفن، وله "لازمة" يكررها دائماً طوال حديثه، فلايكاد يقول جملة واحدة إلا وتجد بينها كلمة "ياحبيبي"..فهو يقول لك مثلاً : "أيوه ياحبيبي".."شوف ياحبيبي".."صح ياحبيبي"..فهكذا هو دائماً : يجعلك تحبه من الجملة الأولى !! .

وكنت في بداياتي الصحفية أحمل معي "أوتوجراف" في جميع لقاءاتي، وبعد انتهاء اللقاء أطلب من كل فنان أن يكتب لي انطباعه عن اللقاء، وأذكر أنه كتب لي بالنص : " حبيبي الأستاذ حسام الدين..أسعدني أن ألتقي بك..ولقد استطعت وأنت الصحافي الجديد أن تثير حواسي فأستمتع بالحوار معك..من خلال أسئلتك الذكية اللماحة " !

(تابعوني في الجزء الثاني بإذن الله )

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : حسام الدين فكري

كاتب صحفي   / cairo , مصر


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق