أضيف في 4 يناير 2017 الساعة 14:00

يوغا 95 ...


د موسى أبومحلولة

يوغا 95 ...

 

كان صباح لندن شديد البرودة وكنت في طريقي إلى عيادتي المعتادة التى شاء قدري أن تكون في أحد أيام العمل القليلة بين عطلتي عيد الميلاد وإحتفاﻻت رأس السنة ... وصلت متأخرا بعض الشيء ألقيت تحية صباح عابرة على موظفة اﻹستقبال والممرضات ودخلت عرفة العيادة الدافئة المرتبة والجاهزة ﻹستقبال المرضى نزعت قفازي الجلدي اﻷسود وسحبت الشال الذي إلتف حول عنقي منذ أن غادرت البيت وطوال رحلة القطار الصباحية المضنية ، علقت معطفي الصوفي الثقيل في المكان المخصص خلف الباب الخشبي الموصد ... فركت أصابعي التي كادت أن تتجمد من شدة برد الصباح لوﻻ رحمة الله ودفء القفاز وشرعت في تشغيل منظومة الكومبيوتر إستعدادا ﻹستقبال أول المرضى ...

 

جرت العادة أن يتغيب بعض المرضى عن مواعيدهم ﻷسباب وجيهة تتعلق بإنشغالهم بترتيبات عائلية أو لظروف قاهرة أخرى في مثل هذا الوقت من السنة وتوقعت غياب بعضهم في هذا الصباح الشديد البرودة ... وبالفعل تأخر المريضان اﻷول والثاني على التوالي فمن يذهب إلى المستشفى في مثل هذا اليوم إن لم يكن ربما في رمقه اﻻخير ...

 

إستغلت الممرضة فسحة الوقت هذه وفاجأتني مبكرا بكوب قهوة دافئة أعتادت أن تحضرها لي عادة في وقت ﻻحق لكنها ربما أدركت انني أحتاجها اﻵن بعد رحلتي الصباحية في هذا الطقس القطبي المتجمد ...

شكرتها بحرارة وشرعت أرتشف الكوب الساخن الذي وضعته أمامي على طرف المكتب وأنا أقلب صفحات بريدي اﻹلكتروني المتعاقبة ...

 

مرت دقائق بدأ فيها مفعول النسكافيه الساخنة ينتشر في انحائي وشعرت بدفء ونشاط وجاهيزية للتعامل مع كل من سيطرق بابي أيا كانت علته ، وفي هذه اﻷثناء بالضبط عادت الممرضة لتقول أن المريضة التالية على ﻻئحة عيادة هذا الصباح قد وصلت وسألتني إن كنت جاهزا ﻹستقبالها 

- نعم دعيها تدخل 

لحظات هدوء قليلة أعقبتها طرقات خفيفة على الباب ...  

- نعم تفضلي ...

 

أطلت بقامتها الفارهة وقدها المعتدل النحيف كانت في كامل أناقتها ومكتمل زينتها تتدلى على ذراعها اليسرى حقيبة جلدية فاخرة وفي يدها اليمنى عصى بنية ﻻمعة أنيقة تحملها دون أن تتكيء عليها وكأنها جنرال يحمل عصا الشرف العسكري الرفيع ... تقدمت نحوي عبر منتصف غرفة العيادة الصغيرة بخطوات ثابتة واثقة تسبقها إبتسامتها التي إزدادت إتساعا وسحرا : 

- صباح الخير يا دكتور

- صباح الخير سيدتي

أشرت إليها بالجلوس وباشرت في الحال في أسئلتي لها بمهنية معتادة ...

كنت أسألها وكانت تجيبني بوضوح ﻻفت وسرعة غير متوقعة وذكاء حاد وبديهة حاضرة وروح مرحة وثقافة واسعة جعلتي أتوقع انها قد تكون في أواخر الخمسينات او مطلع الستينات من عمرها وخمنت أنها تمتهن ﻻشك مهنة محترمة تعكس شخصيتها الناضجة القيادية وخبرتها الواسعة الغنية وحسن لياقتها الصحية ولم أسألها عن عمرها عملا بالقاعدة ﻻتسأل إمرأة عن عمرها وفضلت أن اعرف عمرها وهو متاح لي من خلال سجلها الطبي .   

انتهى الكشف الطبي على مايرام وعادت السيدة إلى مقعدها وقبل أن تهم بالمغادرة استدرت انا نحو شاشة الكمبيوتر التي أمامي ﻻدخل المعلومات وأطلب بعض التحاليل فوقعت عيني على تاريخ ميلادها في أعلى يسار الشاشة وكانت المفاجأة ...

السيدة التي أمامي عمرها 94 عاما بالتمام والكمال ... سألتها فقلت

- تبدين أصغر بكثير من عمرك الذي أراه امامي ... ﻻبد أن في الأمر خطأ ما ...

ضحكت وقالت:

- بل سيكون عمري 95 عاما بعد شهرين من اﻵن ...  

ﻻحظت علامات الدهشة وربما اﻹعجاب على وجهي فقالت ضاحكة:

- أشكرك مرتين ...

ونهضت واقفة وهمت بالمغادرة  

فقلت مازحا وبشيء من الجد

- أريد أن أعرف السر

أستدارت نحوي ثانية وقالت:

- الغذاء الجيد المتوازن وممارسة اليوغا

- اليوغا ... وهل مازلت تمارسينها؟

ألقت إلي بنظرة حادة وقطبت جبينها بإستغراب وقالت:

- نعم بالطبع كل صباح وكل مساء

 

غادرت السيدة التسعينية العيادة شاكرة ممتنة وتركتني حائرا في أمرها وأمر رياضة اليوغا التي تمارسها ومتمنيا لها ولكم قرائي اﻷعزاء دوام الصحة والعمر المديد.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : د موسى أبومحلولة

طبيب وكاتب ليبي   / مقيم في لندن , ليبيا

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق