أضيف في 4 يناير 2017 الساعة 10:28

ما معنى البلوكاج


رشيد اليملولي

ما معنى " البلوكاج " .

تكتسي السياسة أهميتها من قدرتها على بناء عوالم الإمكان ، في ظل سياقات قد تبدو مستعصية على الحلم ، و تسعى إلى صياغة مقومات وجودها على " القيم " التفاؤلية الناظمة لمسار تشكلها ضمن الظرفيات المحيطة بكل نموذج سياسي ، و على هذا الأساس توصف السياسة بالعملية القادرة على الفعل و المبادرة ، و الإيمان بالتراكم في أفق تجديد قنوات الاتصال و التواصل الداعمة لجوهر العملية السياسية برمتها .

و ارتباطا بهذا المنحى ؛ تغدو السياسة السياسية تعبير عن النضج في التعالي على " القيم " الخاصة ، و المواريث المتأتية من السلط الاجتماعية و الأطر القبلية و الحزبية ، و الإحن العرقية و المذهب الديني ، و تتحول السياسة السياسوية إلى "براديغم " لإنتاج الإعاقة الذهنية و الاجتماعية ، و تعطيل المسار التنموي برمته ، و الأدهى من كل ذلك الإعاقة الفلسفية و الثقافية ، حين تتحول إلى أداة ووسيلة لوأد النبوغ و التراكم و الاختلاف و القيمة المضافة ، في المبادرة و الفعل و القوة الاقتراحية ، و من الطبيعي أن تتباين الأنساق الثقافية و السياسية في التجارب الحضارية التي أنتجتها البشرية في تعاطيها مع المجال السياسي و مكوناته ، و من البديهي أن يتباين التراكم في تقديم الصيغ المثلى للانتقال بالحضارة الخاصة بكل دولة ، إلى صيغ أكثر انفتاحا و قوة ، و أما الشذوذ و التعثر و القطيعة ، فهي عناوين و إشارات دالة على ضرورة تغيير زاوية النظر و البناء ، أكثر من التغيير الجذري الداعم لصيغ الحدية و المتطرفة .

إن الساحة السياسية الوطنية حبلى بالكثير من المثبطات التي تحول دون بناء النموذج السياسي المرغوب ، على الرغم من التفاؤل المفرط في الدعاية و الترويج و الاستهلاك الذي لا يدل إلا على أزمة عميقة ، أكثر منها حجرة بناء دالة سياسيا ، بفعل جملة القيم التي أرستها الممارسة السياسية في هذا الحيز الجغرافي ، بحيث تطرح العديد من الأسئلة المحرجة و القلقة فلسفيا حيال منظومة الرؤى و التصورات الثاوية وراء الخطاب السياسي الوطني و مرجعيته ، و إذا كان المنحى يروم نحو التأكيد على مبدأ الاستعلاء و التفوق من جهة ، و غياب الفاعل السياسي و المدني أمام ثقل الفاعل الأمني ، فإن الراسخ و الثابت في هذه البنية هو توليد قيصري للسياسة و إنتاج السلطوية بمفهوم فوكو و على طريقة ليوطي ، و بمفهوم الشيخ و الباشا و المقدم و الزعيم و المريد ، بغرض قتل الهوية النقدية و الامتداد القيمي للاختلاف السياسي ، لدرجة أضحى المجال السياسي الوطني مرتعا خصبا للقيم السلبية و المعاني الدالة على الهامشية المجانية في المنتوج السياسي و في أدوات تبليغ الخطاب ، و حتى في سلم الترقي الاجتماعي .

ليس يسوغ الحديث عن السياسة في اللحظة الراهنة ، دون الحديث عن " البلوكاج " السياسي و ما يطرحه من إشكالات تصب عادة في إنتاج العطالة و تأبيد استمراريتها ، و يتيح إعادة طرح السؤال حول ماهية العمل السياسي في المغرب و مجاله و فاعليه ، فأين تكمن القوة في هذا البلوكاج ؟ و ما حجم الضرر الذي لحق و يلحق السياسة و السياسي و الاجتماعي المغربي ؟.

قد يبدو من السفاهة الحديث عن القيمة المضافة في البلوكاج ، سوى أنها تعبير حضاري عن التحيين الفعال للقبلية و العرقية و المذهبية ، و التي تتغذى عادة على الواقعية السياسية ، بما هي انتصار للرقم و الحجم ، و إهمال و إهدار صريح للفعل و القيمة و المحاسبة ، فلا الأحزاب الإدارية استطاعت أن تقدم ذاتها بشكل إيجابي للمجتمع ، حيث ظلت أسيرة " ظلامها " الدامس في حبك و حياكة المؤامرة ضد قيم الصراع السياسي الخلاق ، و لا هي رامت التخلص من شيخها الذي يمد لها كل الوسائل لتمييع الحياة السياسية ، و فبركة الخريطة بهدف مراقبتها ، فهي تصفق لكل شيء و تشارك في كل شيء و تتحالف مع كل الأفكار بوطنية مزعومة ، لا تفيد فيه نفسها و لا تفيد الدولة و تفهم من الحياة إلا ما تقدمه الحياة كما قال درويش ( الدهاء أو المكر بالمعنى الميكيافيليي يؤخر السياسة و لا يقدمها ، و لا يضيف لها شيئا سوى الغنيمة بكل امتداداتها ) .

و بالمقابل ليست السياسة قوة انتخابية يراد منها الوعد و الوعيد و الجنة و النار ، و إطلاق الغضاضة و الكلام المجاني دون حسيب أو رقيب لأثر الخطاب و أشكال تسويقه ، و ليست فصاحة سياسوية تتوسل بالموائد و دغدغة العواطف وتكوين جيوش العاطلين فكريا و ذهنيا ( المريدون ) ، و المسوقين لخطاب الوهم و الحقيقة المطلقة .

كما أن السياسة ليست استقواء باسم داء التاريخ كما قال هيغل ، و جملا بالمعنى النيتشوي ، و تغييبا سافرا للاجتهاد و النهل من مرتع منطق العصر ، أو هي في أحسن الأحوال رغبة في الكرسي مهما كانت الغايات و الوسائل .

لكل ذلك ؛ " البلوكاج " في السياسة الوطنية هو نتيجة طبيعية لمضمون المجال السياسي و أدوات اشتغاله ، و الوسائل المعتمدة في الصراع و التي حاكت جانبا كبيرا منه ، حتى أصبح لا يغادر إلا ليتعثر و لا يخطو إلا ليفشل ، و أضحى الغائب الأكبر في كل هذا " المنطق " السياسي هو غياب الفعالية و النجاعة و اضمحلال و ضمور الثقافة السياسية لصالح الغاية السياسية ، و التي تنتصر فقط للغنيمة بالمفهوم المبتذل ، و تقبر كل القيم الدالة على الإنتاجية الاجتماعية بالمعنى النضالي و الرمزي ، و غدا وفقا لذلك المجتمع أكبر الخاسرين ، و نما بموجب ذلك الجيش العرمرم من اليائسين و المحبطين وفلاسفة التطرف و المراهقة السياسية .

نحسب أن النقاش الدائر حاليا حول التعديل الدستوري ، ما هو إلا تكريس و تعميق للأزمة و تقوية لهوامش الفعل ، إذ إن الوثيقة الدستورية ليست إلا وثيقة " تقنية " تبيح الإمكانات القانونية و الدستورية الخاصة بالإخراج السياسي ، يظل بمقتضى ذلك الإشكال قائما ، و هو الثقافة السياسية و الفرد السياسي و القيمة السياسية و الفعل السياسي ، حتى و لو كانت هذه الوثيقة تنتمي لأزمنة غير أزمنتنا ، إذا عمق الإشكال هو المرجعية الوطنية السياسية الصادقة في قهر الزمن في بعده المتخلف و بناء التنمية ، و هذا لن يتأتى مطلقا بالوثيقة الدستورية ، و إنما بالمرجعية الثقافية و العلمية و الفنية ، أي المشروع الوطني في إقامة الدلالة الحضارية و القيمة النوعية للفرد و المجتمع ، و القادرة على المنافسة في تقديم البدائل الوطنية و الدولية ، و تسويق الصورة بما يضمن مجاراتها لقوة الحضارة وليس وهمها .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق