أضيف في 3 يناير 2017 الساعة 22:39

حين خسر المدرس (عبده) محيطه الاجتماعي..!


المصطفى سالمي

أصبح الأستاذ (عبده) يعيش شبه عزلة بعد أن ساءت علاقته بزملائه مدرسي مادة اللغة العربية، لقد طلبوا منه الوقوف معهم صفا واحدا ضد مفتش المادة الذي استأسد عليهم جميعا، وبسط سطوة وتعسفا كبيرين. كان المفتش (مرجان) حديث عهد بالتفتيش، وكان يظن أن ترهيب المدرسين وخفض نقط بعضهم سيجعله محل احترامٍ وتقديرٍ، لكنه جلب عليه نقمة رجال التعليم في هذه البلدة الصغيرة بأقصى الجنوب المغربي، فقد تضامن خمسة عشر أستاذا ووقعوا عريضة للمطالبة بتنحية (مرجان)، وكشفوا خروقاته للمسؤولين بالمديرية الإقليمية، وراسلوا الوزارة في شأن بعض تعسفاته التي تمس باستقرار المنطقة وحساسيتها، وخاصة حين طالب هذا المفتش مدرسي مادة اللغة العربية بعدم تدريس المواضيع الوطنية في مكون التعبير والإنشاء بدعوى أنها تخدم النظام حسب تعبير (مرجان)، لم تكن كل هذه التعسفات ـ وغيرها من التعابير النابية والإيحاءات الجنسية في كلام المفتش خلال اللقاءات التربوية ـ كافية بالنسبة للأستاذ (عبده) لكي ينضم لركب المتمردين على ظلم سافر من المفتش المتسلط، بل آثر السلامة والحياد.

تصاعدت حدة الخلاف بين (مرجان) والمدرسين، لدرجة أنهم رفضوا استقباله بأقسامهم، وقاطعوا الندوات واللقاءات التربوية التي يشرف عليها ويخصصها لسرد سيرته الذاتية، وبقي (عبده) استثناء وحيدا، لقد آثر الحياد السلبي في "حرب" متأججة رأى فيها المدرسون أن الحياد ممنوع، وأنه نوع من الانحياز المبطن من جانب زميلهم لصالح المفتش المستبد، لكن المدرس (عبده) كان في حقيقة الأمر يوثر السلامة ويتجنب الخلاف والصراع، هكذا كان يرى الأمور من جانبه، لكن المفتش (مرجان) أصبح مع مرور الزمن يتعمد إذلاله ويطالبه بإنجاز درس نموذجي، ورغم أن درسا من هذا القبيل يتطلب نقاشا وحضورا من باقي مدرسي المادة، إلا أن المدعو (مرجان) كان يؤكد له أن مفتشه هو مفرد بصيغة الجمع، وأنه في غير حاجة لحضور مدرسين فارغين يتهربون من أداء الواجب المهني والتربوي المنوط بهم.

كان الزملاء المتحدون قد مارسوا أول الأمر ضغوطا كبيرة على زميلهم لينضم إليهم، ولمحوا إليه أن من يقف مع عدوهم هو في حكم الخصم، ومع الوقت بدأت المودة تذوب، وقل السلام، ونَدُر الكلام، وأصبح (عبده) يتجنب الحضور إلى قاعة الأساتذة، بل اكتفى بإرسال بعض تلامذته لإحضار أغراضه من وِزرة وطبشورة وغيرها من عدة التدريس التي يضعها في خزانته الخاصة.

تمر الأيام، ويتم إعفاء المفتش (مرجان) بعد حلول لجنة وزارية للتحقيق في خروقات مفتش من الزمن الغابر، اشتد الخناق النفسي على (عبده)، وأصبح الحل الوحيد ـ بالنسبة إليه ـ هو الانتقال بعيدا عن البلدة الصغيرة، لقد خسر مودة زملائه ولم يربح السلامة والأمان من جهة مفتش حربائي متعسف، كان حقا (عبده) هو الخاسر الأكبر في كل ما جرى رغم طيبته الزائدة، إلا أن طيبة الخروف حين يطلب الأمان من الذئب الغدار، ولا يلتمس لباقي أفراد فصيلته الأعذار، ويُفهمهم أنه مجرد محايد وليس مع الأشرار، فالنتيجة أنه سيجني من حساباته كلها مجرد أصفار.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق