أضيف في 27 دجنبر 2016 الساعة 15:02

مقدمة في فهم النظام العالمي


بوشعيب الخليلي

قام النظام العالمي الحالي بعد الحرب العالمية الثانية وإن كانت بوادره الأولى قد تشكلت في الحرب العالمية الأولى. كان من ثمار الحرب العالمية الأولى انعقاد مؤتمر فرساي للدول المنتصرة لتأسيس نظام يحكم فيه الأقوياء من خلال مؤسسة دولية وهي عصبة الأمم (1920).

لكن الآليات التي وضعت في تلك المؤسسة للحفاظ على توازنات القوى ومصالح الدول المنتصرة في إدارة العالم سرعان ما انهارت بخروج القوة الألمانية الجديدة مع هتلر HITLER التي كسرت النظام وثارت على الظلم الذي لحقها من اتفاقية فرساي VERSAILLE وكان من نتائج ذلك دخول الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى وحلفاءها الحرب الثانية ضد ألمانيا وحلفاءها...

كانت نتائج الحرب مدمرة على الدول وأوشكت أن تنتصر فيها ألمانيا وتفرض نظامها الامبراطوري الجديد على العالم لكن تدخل الولايات المتحدة الامريكية في أتون الحرب حسمها في اليابان بإلقاء القنبلتين المدمرتين على نكازاكي وهيروشيما.

وبالتالي انهاء الحرب والدخول في مفاوضات جديدة لتشكيل النظام العالمي آنذاك من طرف الدول المنتصرة بقيادة الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا (أعضاء مجلس الأمن الدائمين) ومحاكمة قادة النازية في محكمة (مشكلة من الدول المنتصرة) نورنبرغ (1948) وتأسيس منظمة الأمم المتحدة (1945) مع إضافة مجلس الأمن CONSEIL DE SECURITE كآلية جديدة لم ترد في عصبة الأمم.

عرف العالم بعد ذلك تحولات كبيرة في توازن القوى والصراعات الدولية ويتجلى ذلك في الحرب الباردة بين العملاقين الروسي والأمريكي ومعسكريهما REGIME BIPOLAIRE وبعدها (انهيار جدار برلين 1980) ظهر ما اصطلح عليه النظام العالمي الجديد الذي تحكم فيه الولايات المتحدة الامريكية لوحدها بعد تفكك الاتحاد السوفياتي. ثم تلاه تصور لعالم متعدد REGIME MULTIPOLAIRE بفعل ظهور قوى متوسطة جديدة (الهند، البرازيل، المانيا، الاتحاد الأوربي، اليابان...) تنادي بالمشاركة في الحكم وبالتالي في التكاليف.

لكن في حقيقة الأمر لازال النظام العالمي الذي أسس على أنقاض الحرب العالمي الثانية هو السائد وما الحرب الباردة أو الحرب على مناطق النفوذ الجديدة (المستعمرات سابقا) الا انعكاس لعدم انسجام عناصر مجلس الأمن ومصالحها ورؤيتهم للعالم الذين يشتركون في حكمه.

وقد كانت سنة 2014 سنة الاحتفال بمرور 100 سنة عن الحرب العالمية الثانية ونوع من التسويق لنجاح النظام العالمي في ضمان السلم والأمن الدوليين ولكن 100 سنة ربما كانت دموية بالنسبة للبشرية كما هي الحرب العالمية. الا ان المهم بالنسبة لقادة النظام العالمي الدولي هو الاحتفال ب 100 سنة من السلطة والإدارة للعالم وباستمرار السيطرة والتأكيد على النجاح في تجنب حرب عالمية ثالثة.

وعليه فالنظام العالمي يقوم على أسين؛ المشروعية الحربية التي توجت بها الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية وعلى استدامة السيطرة على مناطق نفوذها (المجال الجغرافي السياسي والاقتصادي).

1 المشروعية الحربية LEGITIMITE DE GUERRE

النظام العالمي الذي يحكم اليوم جاء نتاج حرب بين الدول القوية في العالم آنذاك والدول المنتصرة هي التي أسسته

ومنحت نفسها التمثيلية الدائمة في مجلس الأمن وأبقت على قاعدة الدفاع المشترك ضد الأعداء المنهزمين.

رغم تغير أحوال تلك الدول والتقارب الذي عرفه النصف الثاني من القرن العشرين وبالخصوص بعد الثمانينات من حيث اعتماد الديمقراطية كنظام والاعتراف بمنظمات حقوق الانسان، لازالت القواعد التي أسس عليها النظام الدولي سارية المفعول.

وقد كانت عدة دول تنادي بإصلاح أو تعديل ذلك النظام لفسح المجال لقوى جديدة فيه كألمانيا واليابان والبرازيل والهند وباكستان ونادت دول أخرى (غير قوية أو قوى اقتصادية وبشرية محلية واقليمية) بمبدأ دمقرطة النظام العالمي ليشمل تمثيلية قارية ودينية (جنوب افريقيا ومصر ونيجريا والمملكة العربية السعودية).

لكن مطالب الإصلاح من داخل النظام (الأمم المتحدة) لم تسفر عن تغيير جوهري في بنية النظام ولم تتخلى أي من الدول التي ورثت تركة الحرب العالمية الثانية (كالاتحاد السوفياتي (روسيا حاليا) والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا...) عن ميراثها واكتفى النظام بإدخال تعديلات طفيفة أقرب للتشاركية منها لتقاسم القرارات والمسؤوليات. تم اعتماد مقاعد الأعضاء غير الدائمين العشرة الذين يناوبون على الرئاسة ويصوتون الا أن قراراتهم تبقى مشروطة بإرادة الكبار في مجلس الأمن.

2 استدامة السيطرة HEGEMONIE

يقوم نظام الحكم العالمي الحالي على أسس لاستدامة سيطرته وهي القوة العسكرية والسيطرة الاقتصادية والثقافية. مع أن التنظير ((THEORIES DES RELATIONS INTERNAYIONALES يوسع دائرة مقومات القوة لكن تبقى القوة الأساسية هي القوة العسكرية التي تخلق وتخلخل التوازنات الجيو-سياسية وتحسم المعركة.

من الأليات الناجعة في تدبير النظام العالمي، التقسيم الحدودي الدولي (منطق الدولة الوطنية) الذي رسم حدود وهمية تمكن الحاكمين من الانفراد بالقوة وقد تسبب رسم تلك الحدود القانونية بدون أي اعتبار للمقومات الجيوسياسية في حصول أغلب الصراعات الحدودية.

كذلك من الأليات المعتمدة في الهيمنة، سلطة القانون الدولي الذي ينفرد مجلس الأمن به والمحاكم التي أسسها لذلك. فحق الفيتو VETO، حق الأقوياء المنتصرين في الحرب، يمنع أو يسمح بمرور القرارات الدولية التي تعتبر من مصادر القانون الدولي. كما يشرع مجلس الأمن حصريا (الخمس الأقوياء) في مجال السلم والحرب.

الهيمنة الثقافية (القوة الناعمة الجديدة)، ما عبر عليه فوكو ياما FUKU YAMA بنهاية التاريخ، معتبرا خروج الاتحاد السوفياتي من المواجهة كنموذج، انهاء للسيرورة التاريخية الهيجليةHEGEL (الصراع بين الأطروحتين الاشتراكية والرأسمالية) وفوز للنموذج الرأسمالي وللديمقراطية ولمنظومة القيم الغربية ولزم بعد ذلك إخضاع العالم لهيمنة غربية ثقافية تحت مسمى العولمة (عولمت النموذج الغربي).

3 نهاية النظام (نهاية نهاية التاريخ)

السؤال الإشكالي الذي تقدم له هذه الورقة يتصور أن النظام المفترض فيه تغير موازين القوى والسطوة يجب أن يكون قوة خارج منظمة الأمم المتحدة، يرفض اللعبة إجمالا لأنها لا تتوافق ومرجعياته وايديولوجيته ويعتبرها منظومة جائرة بقوانينها، يرفض النموذج الغربي لحقوق الانسان ويرفض الدمقراطية كآلية لتداول السلطة. أن يحمل ذلك الفاعل الجديد عقيدة وفكرا وثقافة وأيديولوجيا تتعارض وترفض العقيدة الغربية ومنظومة حقوق الأنسان والنظام الاقتصادي الرأسمالي وبالتالي تمكنه من الانعتاق من الهيمنة الثقافية والقيمية.

كذلك يجب أن يتمتع بالقوة الحربية (إرادة القتال، حرب استنزاف طويلة، قوة مادية عسكرية، عقيدة قتالية...) لفرض توازنات جديدة...لإنهاك الخصوم واجبارهم على التفاوض في ظروف جديدة وبشروط جديدة. وقد نظر لذلك كثير من السياسيين والاستراتيجيين الدوليين فيما يسمى بالحرب العالمية الثالثة. الحرب الشاملة (حرب الكل ضد الكل) وهي التي تؤدي في النهاية الى استنزاف القوى وتدخل العالم في أزمات اقتصادية وإنسانية، تجعل الكل يؤمن من جديد بضرورة القبول بالوضع وإعادة الاتفاق على الحدود الجديدة التي تضمن التوازنات بين المنتصر والمنهزم وتلغى الحرب .

والحالة تلك ألا يمكن اعتبار تنظيم الدولة ذلك المشروع (يستغرب الجميع) ... الذي يحمل اليوم مرجعيات إسلام أموي أو عباسي أو عثماني، يشكل نقيضا للقيم والعقيدة الغربية ويحمل في رحمه نظام اقتصادي لا ربوي، تكافلي. ؟؟؟

الإشكال كذلك أنه لا يملك من القوة ما يؤهله لقلب الطاولة على الأقوياء ...وجمع شمل إمبراطورية الرجل المريض ...لكنه في المقابل هزم جيوش قوية إقليمية و أنهك قوة عسكرية عالمية بحيث تحالفت لأول مرة في التاريخ (أكثر من 61 دولة) على استئصال خطره من جذوره...ولا زالت عاجزة عن ذلك ...وقد بدأت بوادر أزمات اقتصادية في الأفق ...وركود اقتصادي في المراكز الاقتصادية العالمية...وتراجع في معدلات النمو العالمية...وقد يبدأ النظام الاقتصادي الرأسمالي في الترنح في أي لحظة لهشاشته وحساسيته لأنه مبني على المديونية ثم المديونية. ؟؟؟؟؟؟؟

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : بوشعيب الخليلي

باحث   / الرباط , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق