أضيف في 25 دجنبر 2016 الساعة 15:14

من يوميات مدير مزرعة ــ الجزء الثاني


نورالدين الطويليع

توافد الناس زمرا وأفرادا لاستقبال سعادة المدير، وكانوا وهم يشكلون طابورا طويلا، يتحدثون عن طلائع فجر جديد سيغير بضيائه واقعهم المظلم، ويزيل عنهم غبش سنوات القحط العجاف ونحس الإهمال الذي تراكم عبر سنين طوال مشكلا ظلمات بعضها فوق بعض في بحر لجي ذابت فيه كل أحلامهم وآمالهم.

فجأة ظهر موكب المدير، فتعالت الأصوات مرحبة، وانطلقت الزغاريد، واشرأبت الأعناق تأهبا لرؤية "المبارك" الذي سيكون حلوله بالضيعة بركة عليها تعيد إليها الحياة وتبعثها من غياهب النسيان، هكذا سموه، وهكذا تداولوا حكايته، قال أحدهم وقد جمع حوله العشرات من بني مزرعته: "هذا المبارك نعمة ساقها الله إلينا، حيثما حل بأرض أحياها وسَمَّنَ أغنامها وأبقارها وحميرها وبغالها وإنسانها، اطمئنوا لن تجوعوا ولن تعروا بعد اليوم، جاءكم نصر الله والفتح، هنيئا لنا جميعا بهذا اليوم المشهود، وبما سيليه من أيام سمان، سيبتسم فيها لكم القدر ويضحك ويقهقه، وتقهقهوا معه، وستشيعون دموعكم ومآسيكم إلى مثواها الأخير، وتتخذونها ضريحا تؤمونه للذكرى"

نزل الرجل من سيارته الفخمة التي لم يروا مثيلا لها من قبل، حسبوها دابة الله التي حدثهم عنها فقيههم، وقال لهم بأنها لا تشبه دواب الأرض، وبأنها ستظهر في آخر الزمان، وتُقِلُّ فقط الراضين المرضيين، فازدادت ثقتهم في مباركهم وازداد يقينهم بأنه نفحة من السماء ونسيم عليل سَيُرْبِي نَبْتَ مزرعتهم وينعش نفوسهم التي قتلها اليأس والإحباط حتى أضحت مواتا لا روح أمل فيها ولا رجاء...، تسابقوا، وكل منهم يمني نفسه بأن يكون أول مُقَبِّلٍ ليده وكتفيه وحذائه الذي بدا لامعا مميزا كل التميز عن نعالهم المضمخة بالأوحال، حدثوا أنفسهم بأن الرجل لا يمشي على رجليه كما يفعلون، ولا يأكل في الأسواق كما هي عادتهم، جحظوا أعينهم عن الآخر وهم يمررونها على جسده جزءا جزءا، أثارت انتباههم راحتا يديه الناعمتين اللتين تبينان عن حياة الدعة واليسار التي لا يضطر صاحبها لحمل الفأس والمعول أو الأثقال، تأملوا عينيه السوداوين وأنفه الأفطس ووجهه الحليق المائل قليلا إلى السمرة، قبل أن يتوارى عن أنظارهم ويلتحق بمقر إقامته الذي كان هو عينه مقر إقامة المعمر الفرنسي، وأدخلوا عليه بعض التعديلات والترميمات، وجهزوه بما جَدَّ من آلات وتجهيزات.

وهم قافلون إلى قواعدهم قال كبيرهم جْلُّول: سيدنا المبارك مختلف اللون والشكل والقامة، كنت أعتقد قبل مشاهدته بأن السيادة لا تكون إلا لذوي البشرة الشقراء والعيون الزُّرْقِ.

ــ رد عليه أحدهم: رغم لون بشرته المختلف فهو سَيِّدٌ، ألم تلاحظ بذلته الجميلة التي افتقدنا رؤيتها منذ أن رحل المعمر من الضيعة؟، ربما هي نفسها التي كان يلبسها المعمر، واحتفظوا بها في مكان ما حتى إذا هم بالمجيء وتهيأ له دَثَّرُوه بها.

ــ لقد رحل المعمر منذ عقود، فكيف للباسه أن يحافظ على بريقه ولمعانه؟

ــ ألبسة الأسياد تصنع من مواد خاصة تقاوم التقادم وترفض البِلَى، عكس ألبستنا الصوفية التي تخترقها بعد حين الثقوب وتملؤها الرقع، كما وجوههم النظرة التي تقاوم الأخاديد والتجاعيد، وتحافظ على نظارتها دون أن تسمح للزمن بالتطاول عليها واتخاذها لوحة لرسم نتوءاته ومنعرجاته عليها، كما يفعل بوجوهنا نحن بأريحية تجعل منها لوحات سوريالية تتحدث عن كل شيء دون أن يفهمها أحد لفرط تداخل الأشكال المرسومة عليها التي تحولنا إلى صورة مشوهة لإنسان خلقه الله في أحسن تقويم، وعبثت به الأيادي فأحالته أثرا أو ظلا أو طللا لعمران تهدم تاركا وراءه بقايا هنا وهناك.

ــ مهما يكن فلا يمكننا أن نقارن أنفسنا بالمبارك السيد الهمام، نحن لاشيء، وهو كل شيء، يكفينا فخرا أنه حل بين ظهرانينا، ورضي بجوارنا، فلننتهي من هذا الكلام حتى لا يأخذنا طائف من العذاب الأليم بجريرة هذه المقارنات التي تمادينا في غيها دون أن نعرف قدرنا وحدودنا.

يتبع

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين الطويليع

, المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق