أضيف في 25 دجنبر 2016 الساعة 13:12

وأنا باقٍ


فارس محمد عمر

يدبّ ويغري ويكيد، ولا يحظى بما يريد. يصطبغ ويتلبّس ويسيطر، ويعود فيندثر. يتعلق بالأذيال والأنياب والأظفار ضعفاً وقلقاً، ولا يألفه عاقل ولا يقبله مذهب، وحتى الطفل ينكره. لا يحفل به علمٌ ولا أدبٌ ولا سِفرٌ ولا تاريخ. ينهزم وينكمش في شراذم شاذة. ذلك المهزوم المنبوذ همّه ذهاب الطمأنينة وعقم الإنسانية وخراب الأرض، والفائدة منه لا فضل له فيها، هي تجدّد الإحساس بالنعم وصيانتها.

تعيش أيها الشرّ خائفاً متخفياً، معزولاً ضئيلا، كفيروس لا يقوم إلا على غيره. تجيء في أثواب وأعراض الغرور والخيلاء والأنانية والحسد والحقد والظلم والاحتكار والشرَه والخداع والسّفه والكبْر، وتظلُّ بلا طائلٍ تتقي الذين يصمّون سمعك، يعمون بصرك، يشلّون حركتك، يعلنون بلا كلام أنهم باقون، وأنهم متفضلون عليك بتركك في أوهامك! الحياة والأرض والكون، بعظائمهم وذرّاتهم، بقوانينهم وسننهم، يعلنون أنك المهزوم المنسي بأشكالك. التواضع والاحسان والعدل والحرية والتفاهم والاستغناء والرحمة والمروءة والوعي والحب، باقون بقاء البحر بلآلئه وطعامه وسفنه وأحضانه، بقاء النهر بعذوبته وسِقائه وغاباته، بقاء الهواء المشاع المبذول، يستقبلون شهبك المحترقة الهاوية، الشاذة عن منظومة الكون.

مهما تسلل الشر بحمقه وجهالته، مهما تسلّق بعماه وصممه، فمن حوله ألسنة الدعاء عليه يقظة متتالية، وخصال الخير مهيمنة. مهما أوى الشر بأعراضه إلى جبال واختبأ في قماقم، فمن وراءه ما يقض مضجعه ويزلزل كيانه قائلا: وأنا باقٍ لأدفنك أينما وأيما كنت، ذاك هو الموت الذي لم يعجزه شرٌّ مذ بدأت الحياة.

أما أهل الخير بعطوره وأنواره وغيثه وآفاقه، فالموت عندهم بوابة إلى حصاد أضعاف ما عملوا، جعلنا الله وسائر أهلنا وأحبتنا منهم.

----------


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : فارس محمد عمر

, العربية السعودية

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق