أضيف في 23 دجنبر 2016 الساعة 18:36

نيكوس كازنتزاكي . . بعضا من حياته وأرائه


ناصر سالم المقرحي

نيكوس كازنتزاكي . . بعضا من حياته وأرائه

ولد الأديب والكاتب اليوناني الكبير نيكوس كازنتزاكي في الثامن عشر من فبراير العام 1883 بمنطقة كاندي باليونان , حيث ترعرع وشب وتشرب الأنتماء لثقافته وانفتح وعيه على البيئة الأغريقية بكافة جمالياتها , والتي كثيرا ما استثمرها في كتاباته وقدمها للقارئ عبر مؤلفاته ومراسلاته واحتفى بها بقوة وتغنى بخصوصيتها .

نزح كاتبنا بعد ذلك إلى أثينا أين انخرط في دراسة الحقوق بجامعتها حتى حصوله على شهادتها العام 1906 , ليشد الرحال إلى عاصمة النور باريس التي تحتضنه بكل عنفوانها وانفتاحها آنذاك ليواصل دراسته في جامعتي دي فرانس والسوربون وينهل من كنوز متاحفها وفنونها , ويستفيد من الأجواء الثقافية المنتعشة التي وجد نفسه بداخلها , وهناك تلقى دروسا على يد الفيلسوف الفرنسي هنري بيرغسون الذي تأثر به كازنتزاكي قدر تأثره بنيتشه فيما بعد , قرر بعد استكمال دراسته بباريس السفر إلى روما التي يصلها يوم الرابع والعشرون من مارس العام ألف وتسعمائة وتسعة بعد مروره على فلورنسا التي أعجب بها كثيرا واختزل كل الجمال التي تنطوي عليه في نفسه , وبسبب النزعة الصوفية والرهافة التي تملكته باستمرار نجده لا ينقطع عن زيارة الكنائس ودور العبادة , وفي روما واصِفاً شعوره بالرضا والأمتلاء يقول " لا أعرف أحدا ولا أحد يعرفني أفعل ما أشاء ألتهم برتقالات في الشارع , أتوقف نصف ساعة وأتفرج عل إحدى الرسومات " كناية عن تحرره من كل الألتزامات وعشقه للفنون .

وبسبب من شعوره بالقلق والتمرد على المهيمن من ناحية أخرى نراه لا يستقر بمكان حتى يغادره إلى آخر وكأنه يمتطي صهوة الريح والريح في حركة ذائبة لا تهدأ إذ أنه سرعان ما يستهلك الأمكنة واعتبر أن الإقامة والأستقرار بمكان واحد موت وتجمد ولهذا نجده يتنقل من بقعة إلى أُخرى محاولا أن يرى كل شيء قبل انتهاء البرهة الممنوحة له فوق هذه الأرض , ولم ينقطع عن الكتابة لأصدقاءه وزوجاته ومراسلتهم أينما حلّ دون أن يسهو بكل مرة عن أن يصوغ رسائله بأسلوب أدبي شعري , خاصة عندما يتوحد مع دبدبات الطبيعة التي تحيط به فلا يفوته أن يتأملها بكثير من الإعجاب والأندهاش ويصفها بدقة وبحب كوصفه للطرق والأبنية والسهول والجبال والأشجار والبحر وحتى الحشرات التي تدب فوق الأرض , وكان دقيقا في كتاباته فلم ينسى إلا لماما أن يدون التواريخ والأمكنة التي يبعث منها بخطاباته التي ضمَّنها أشواقه ولواعج نفسه المفعمة بالشاعرية والحس الرقيق كما لو أنه يعلم بأنها ستستخدم فيما بعد لكتابه قصة حياته الحقيقية التي أوصى أيليني زوجته بكتابتها عقب موته لأنهُ كان يخشى الأكاذيب التي ستطاله حينها وكأنه يتنبأ بموته قبل زوجته وهو ما حدث بالفعل .

في هذه السنة ينشر أطروحته التي عنونها ب " نيتشه في فلسفة القانون " كذلك نشر مسرحيتي " رئيس العمال " و " الكوميديا " وألحق كل ذلك ببحث فلسفي طويل أسماه " العلم يعلن إفلاسه " .

وبعد فترة هدوء نسبي يعلن في العام 1911 زواجه من غالاتي بعد علاقة حب طويلة وعاصفة وجذب وتنافر وائتلاف واختلاف عاناه كليهما , وعقب تعرفه على صديقه أنجيلوس سيكليانوس الذي ارتبط معه بصداقة حميمية حتى وفاته توجاها معا العام 1914 بعد أن تآلفت أرواحهما ووجدا الكثير من نقاط التلاقي بينهما في رحلة حج ليجوبا معاً جبل أثوس المقدس في جولة ملؤها الغبطة والحماس والقلق والشاعرية , وقد استغرقت الرحلة الأستكشافية أربعون يوما طاف خلالها كازنتزاكي ورفيقه على كل الأديرة والكنائس المبثوثة في منعطفات وحواف وثنايا الجبل حيث كتب كازنتزاكي عن هذه الرحلة في مذكراته واصِفا نفسه أيضا " كل يوم أولد من جديد " مُسجِلاً انبهاره بما عثر عليه هناك في الأعلي , ويكتب من داخل أحد الأديرة " الحب هو طريق الخلق الوحيد " وهو الأكتشاف الذي ارتسم له كخلاص نهائي للإنسان ولنفسه في المقام الاول وهو هناك قريبا من السماء وبين قوسين من علو .

هذه الرحلة التي دوَّن ذكرياتها في يومياته بهيئة جُمل مُعبرة عكست بجلاء حالة الصفاء الروحي والنقاء الوجداني التي عاشهما هناك إلى الحد الذي جعله يُرجع بعد ذلك كل تطور طرأ على شخصيته وسمو روحي وشاعرية إلى هذه الرحلة التاريخية بفعل تأثيرها الكبير على روحه شديدة الحساسية والرقة فهو بعدها غير الذي كان قبلها كما لو أن الأقدار أزاحت إنسانا ووضعت مكانه إنسانا آخرا , ذاك هو كازنتزاكي .

وبالنسبة لنا تبدو هذه الرحلة متوقعة وقد بتنا نعرف أن كازنتزاكي يحن دائماً إلى العزلة – العزلة المنتجة – وكان يصنعها ويستدرجها إن لم تتوفر له وفي هذا الشأن يُعبر قائلاً " أن أفلت من شراك المجتمع وأستمتع مثل الإله قبل الخلق بالصمت العميق , بالنعمة " تلك كانت أمنيته ومراده المتواصلين , ولا يخفى ما في تلك الجملة من مجاز واستعارة لرسم الصورة المُثلى لما يحس به , ولئن فهم من هذه الجملة أنها تطاول على الذات الإلهية يكفي أن يستشف أن كازنتزاكي كان من أكبر المؤمنين الذين عرفهم العالم وإيمانه العظيم يتجاوز إيمان العامة لينفذ إلى جوهر وعمق الأشياء ليرى فيها وجه الإله كما يعبر في موضع آخر رغم عدم ألتزامه بتأدية أية طقوس تعبدية طيلة حياته , فهو الذي قال ذات بوح " قلت لشجرة اللوز , يا أختاه هاتِ اخبريني عن الله , فأزهرت شجرة اللوز " حتى إن اظهرت بعض نفثاته وشطحاته عكس هذه الحقيقة , ونحن هنا لا نحاول الدفاع عن كازنتزاكي ولكن فقط حكمنا بما التمسناه من كتاباته التي تشي بإيمانه العميق .

نعود لنقول أن العزلة والأنفراد بالذات كانت امنيته التي سعى وراءها بجد وهو المجبول على هذا الفعل الذي لا يجيده البعض ويخشاه البعض الآخر لأنه يتيح الوقوف أمام النفس وجها لوجه بلا أقنعة وبلا حواجز بكل ما تنطوي عليه من عُقد وتناقضات ورواسب , ولا عجب في أن يعتنق كازنتزاكي هذا الطقس ليحاكم نفسه ويمارس تأملاته التي لا يرى لها نهاية ولا يجد لها حدا تقف عنده , وبقدر ما كن يميل إلى الأعتزال والأختلاء بنفسه كان يندفع نحو بناء علاقات إنسانية نوعية ويتواصل مع الآخرين بانسجام وأُلفة وسلاسة وشخصيته المتقلبة تتقبل الحياتين معا .

حتى أن الدارس لسلوك هذه الشخصية المتمردة يجد تناقضا كبيرا وتضاربا بين أفعالها فمثلما تكون في أقصى اليمين مرة قد تنتقل إلى أقصى اليسار في مواقفها هكذا دون مقدمات وبلا تدرج ومرور بالمراحل الطبيعية , وبسبب تأثره بشخصية زوربا , وهي بالمناسبة شخصية حقيقية من لحم ودم وليست شخصية روائية كما يتبادر إلى ذهن القارئ ويعتقد البعض , والتي كانت تحمل بعضا من خصاله التي أشرنا إليها , نتيجة تأثره , أختاره لبطولة روايته الأشهر التي عنونها بأسم هذه الشخصية التي قد تبكي وتضحك في ذات الوقت أو قد ترقص إلى حد الإعياء والسقوط وتقهقه وتطلق عقيرتها بالغناء في قمة يأسها ومعاناتها وتلتقط آلة السانتوري لتستنطق أوتارها عندما يبلغ بها الفشل منتهاه , ولا أعرف كيف استطاع كازنتزاكي احتواء كل هذا التضاد وصنع توليفة رائعة من كل هذا الخليط المتنافر الذي تنطوي عليه شخصية زوربا .

وعلى نبرة الشك وعادة طرح الأسئلة دون انتظار الإجابات الشافية التي أيقن كاتبنا بأنها ستأتي قبل النهاية وذلك في ممارساته اليومية وفي رسائله ومؤلفاته , كان يؤمن بأن الإنسان قادر على اجتراح المعجزات وبلوغ المستحيل إن أراد ذلك وعزم عليه , وذلك تحديدا ما اختزلته مقولته " إذا عرف المرء كيف يريد شيئا فإنه يحصل عليه بل يستطيع أن يسحبه من العدم " .

ولعله لهذا السبب أعتبر أن كل ما يفعله ما هو إلا ترجمة لسعيه المحموم نحو الخلود والبقاء وصراع ضد الفناء والأندثار فهذا هو الشعار الذي رفعه وآمن به على الدوام , وبخلافه تماما هو الذي يعتقد وفي خضم رحلته للبحث عن الإله واليقين والحقيقة وصلاح البال وسكينة الروح , أن ذلك لا يتاح بغير الأعتزال والغرق في القراءة والتأمل والأبتعاد عن الصخب بخلافه كان أبيه ذاك اليوناني الأسمر الذي لفحته الشمس وشكلت قوامه ورسمت ملامحه خلاصة الكروم التي كان يرعاها في أرضه , كان يعتقد بل يجزم بأن الإله لا يمكن العثور عليه والتعرف إليه إلا بالعمل والنزول إلى الشارع بين الناس والتمرس بالحياة واختبار حلوها ومرها وليس بالأنزواء بعيدا وتأملها ومراقبتها بل المشاركة في صنعها والأنخراظ فيها كليا , وكازنتزاكي بالمناسبة لم ينفك يشكر أباه لا لشيء إلا لأنه أورثه جسدا قويا قادرا على تحمل كل إرهاق وتعب تسبب بهما لنفسه جراء تأملاته وتنقلاته الكثيرة .

العام 1917 يسافر كازنتزاكي إلى سويسرا مرورا بفيينا بعد فشل مشروع منجم الفحم مع شريكه زوربا الذي يغادر بدوره إلى صربيا قاصدا مغامرة جديدة ومن هناك يداوم كازنتزاكي على مراسلة أصدقائه وزوجته ولا ينسى زوربا أن يرد عليه ببعض الرسائل التي نقرأ فيها فلسفته ونظرته المختلفة للحياة على ثقافته البسيطة والغريزية التي استفاد منها كازنتزاكي كثيرا واستلهمها في مساره اليومي وفي كتاباته الكثيرة .

يذهب تلك السنة أيضا وقد ناداه هاتف الاكتشاف وتلبسه هاجس انقضاء المهلة في جولة بصحبة أصدقاءه عبر جبال سويسرا .

عُينَ إثر عودته إلى بلاده مديرا عاما لوزارة الأسعاف الأجتماعي , وعلى تكوينه الذي يأبى التنميط والروتيني ويحبذ الأنطلاق والمغامرة , يُجهد نفسه للقيام بمهامه في هذا المنصب إذ ذاك ما تفصح عنه رسائله إلى أحد أصدقائه عن عمله الذي يستغرق كامل وقته ولا يترك له إلا فسحة ضيقة للنوم لمعاودة نشاطه , واضطلع في إطار هذه المهمة بأعمال خيرية كثيرة كان نتيجتها أنقاد الكثير من اللاجئين اليونانيون من يد الأضطهاد والمعاناة في روسيا وأرمينيا وأذربيجان بعد أن ساعدت العلاقات الطيبة لهذه الدول مع اليونان نتيجة لمواقف سياسية سابقة .

وبين زواجه الأول من غالاتا وزواجه الثاني من ليونتشكا أو إيليني عرف كازنتزاكي أكثر من قصة حب صغيرة , إذ أحبته كل امرأة عرفها من جانب معين وأحبت فيه سلوكا محددا قبل أن تفترق عنه نتيجة لتنقلاته أو بسبب غياب الأنسجام والتناغم بعد أن طالبته بعضهن بتغيير نمط تعاطيه مع الواقع فكان يردد " كما لو كان بالإمكان مطالبة شجرة موز بأن تطرح برتقالا " وبسبب خارج عن إرادته كان يرفض لتنقطع العلاقة وتنحصر في نطاق ضيق بعد أن يكون قد عاش كل لحظاتها بكل جوارحه وبكامل عنفوانها وامتلاءها , حدث ذلك مع آلسا الألمانية و راحيل اليهودية وأدوينغ اليونانية وآنَّا الإيطالية وغيرهن , وما كان هدفه من بناء كل هذه العلاقات أن يجني فاكهة الجسد ويقتطف المتع الغابرة بقدر ما كان مبتغاه أن يفوز بالمتع الروحية الخالدة .

وفيما يشبه الأستراحة يلتجئ بعد عودته إلى أثينا إلى أحد الأديرة بجبل البرناس وهناك أكمل كتابة مسرحية هرقل , في العام 1920 يقدم استقالته من منصبه ويتوجه إلى فرنسا مرة أخرى وإيطاليا ثم المانيا التي يجوب مع آليسا معظم مدن العصور الوسطى بها قبل أن يرسل في طلب زوجته التي تلبي طلبه وتلتحق به في برلين التي تغادرها بعد شهرين متذمرة إذ لم تجد فيها ما يشدها كما تقول وكان ذلك بداية تأزم علاقته معها التي انتهت بالأنفصال أخيراً .

وإبرازا للجانب الإنساني من هذه الشخصية نقرأ في إحدى رسائله وصفا لموقف عاشه بأحد الفنادق الكثيرة التي أقام فيها أثناء تنقلاته إذ يجد نفسه يوماً في فندق منعزل أمام عجوز بروسيّ ضامر ومُثقل بالمرارات , بروح هرِمة تقطن جسدا متهالكا ككوخ متداعي حسب وصف الكاتب الذي فجأة يحس بمسئولية كبيرة لإنقاذ البشرية في شخص هذا العجوز المتهالك , فحاول بث الحياة في هذه الروح وبعث الأمل في مفاصلها فصار يحاور العجوز ويستثير ذاكرته ويستنهض همته ليتذكر مسراته ويعانق أحبته ونجح كازنتزاكي في ذلك لوهلة عندما برقت عينا العجوز وشعّت روحه بطيبة ورضا أفتقدهما طويلا , قبل أن يكتشف العجوز أن كل الذين أحبهم وأحبوه يرقدون تحت الثرى لتنكفئ روحه من جديد وتهوي نحو القاع في مجاهل التيه ويعاود الأنطفاء والذبول وتفشل محاولة الكاتب للأرتقاء بالإنسانية , ويعاني كازنتزاكي كثيرا جراء هذا الفشل الغير مسئول عنه والخارج عن إرادته كما لو أنه قصّرَ في سعيه ومحاولته لإنقاذ الحياة متمثلة في العجوز .

وفي نابولي تلك المدينة الإيطالية التي يفتتن بها , يكتشف الجمال القابع في القبح الذي يتراءى له مجسدا في الحياة إذ يسير متأملا مظاهرها الغريزية , في هذه المدينة التي تعرت له وأسفرت عن فتنتها وسحرته إلى الحد الذي قرر أن يبتعد عنها وقد غضَّ بالجمال العفوي التي تكتظ به .

مثلما أشرنا سابقا سعى نيكوس إلى كتابة رسائله بصيغة هي من الشعر ليست ببعيدة وأودع فيها كل فلسفته وأراءه تارة بشكل معلن وصريح وتارة بشكل مضمر ومدسوس وملأها بحكمته ونتائج تدبره , وفيها ظهر عشقه المفرط للحياة واحتفاءه بتفاصيلها الصغيرة والدقيقة التي قد لا يوليها الآخرون اهتماما فمثلما يتأثر بالمشاهد العظيمة قد يشده منظر سُلم مركون أو قرية أو حتى شجرة منزوية وغالبا ما يجد طريقة للنفاذ إلى جوهر الحياة من خلال هذه الأشياء وكشف سر جمالها المخبوء , وهي ذات الرسائل التي وصفتها إيليني ذات كتابة بالأعترافات لأنها إلى ذلك كانت تحمل تفاصيل حياته وعصارة أفكاره , ومن هنا ربما أرادها وثيقة تؤرخ لسيرته التي حرص على تدوينها , واتخذها وسيلة قد تحقق له هدف آخر أوجزه في هذه العبارة الدالة " أكتب كي أُنقد روحي يعد اختفاء جسدي الزائل " , ولم تُكتب هذه الرسائل على عجل أو كيفما اتفق بل روعيت في كتابتها الدقة والإتقان , فهذا ما يكشفه المستوى اللغوي الرفيع الذي دُبجت به , وحينما نقرأ اليوم الرسائل التي كتبها في كل مكان وأرسلها إلى كل مكان كان له فيه أحباب نخاله يكتب وهو في خالة سير لكثرتها بشكل يجعلنا نترحم على ذاك الزمن الذي ازدهر فيه أدب المراسلة ونحن اليوم نشهد نوعا آخرا من التراسل عبر الوسائط الحديثة , فهل هي بداية انمحاء هذا النوع من الآداب ؟

المستقبل وحده من سيجيب عن هذا السؤال .

وفي الوقت الذي كان يستعد فيه لخوض تجربة السفر إلى أفريقيا العام 1925 م سنحت له الفرصة فجأة للتوجه إلى موسكو فتشبت بها ويذهب ليبقى بها شهرين كاملين .

في العام 1926 يصل مدريد وكان لا يزال متمسكاً بحكمته التي تنص على أن " الحياة في منتهى القصر ولا تقدر بثمن ومن العار تبديدها في التفاهات " وكعادته عند زيارته لأي مدينة كانت المتاحف والكنائس والمساجد والأسواق والمقابر هي أول الأماكن التي يتوجه إليها وهذا ما فعله في مدريد وفي القاهرة وفي القسطنطينية , وفي كل جولاته كان لابد أن يكتب ويصف مشاهداته لحساب إحدى المجلات التي يعمل لديها كمراسل وتغطي تكاليف رحلاته .

تمتلئ روحه بالشرق كما يقول فيتوجه إلى القاهرة ويزور الأقصر والنيل وصحراء سيناء ويصعد الجبل المقدس أين يُعتقد أن الوصايا العشر نزلت على النبي موسى , وتسحره نظرة أبو الهول .

إلى ذلك كانت تنتابه لحظات كآبة وسوداوية وخوف على مصير الإنسانية فلا يستطيع الفكاك من ذلك إلا بالمزيد من السفر والتطواف والكتابة والأستغراق في العمل والبحث والتأمل .

أيضا كثيرا ما واجهته المشاكل مع الناشرين واصطدم بالآخرين الذين وصفهم سارتر بالجحيم . فها هو ذا يقول بعد إحدى هاته الأزمات " أحيانا يتملكني هاجس أن أصعد إلى الجبل ولا أعود للنزول منه أبدا ليس لدينا ما نتقاسمه مع البشر ولا نحتاج إلى ذلك وهم لا يحتاجون إلينا بل يحاصروننا بطرق عديدة كي يجعلوننا نستسلم كما لو كنا عينات أولى من نوع مستقبلي "

غير أنه لا يلبث أن يصرخ قائلاً " مبارك هو العائق , مباركة هي المحنة التي تمكننا من محاكمة روحنا والحكم بأنها تتمتع بالجدارة "

في مارس من العام 1932 تتوفى أمه فيترك فيه ذلك الحدث تأثيراً بالغا ويعمق من حضور الموت في نفسه وفي حياته , وصلهُ الخبر وهو بإسبانيا ثم لا يلبث أباه أن يقتفي أثرها أواخر العام ذاته , وبدلا من ان يشعر بالحزن , يحس بالتحرر من شيء كان يشده ويقيده فيحد من انطلاقته ذلك أنه لم يعرف اباه كما عرفه الآخرون كما يقول .

ورغم أنه لم يتزوج أيليني ساميوس إلا متأخرا أي بعد ثمانية عشرة عاما من الرفقة الحرة إلا أنه اتفق معها على أن يلتقيا لمدة عشرة أيام كل عام يعيشانها جنبا إلى جنب وأسميا ذلك ميثاق الأيام العشر , على أن يستعينا بالرسائل باقي أيام السنة , وعن هذه العلاقة الإنسانية كثيرا ما كن يردد .

" ما هذه المعجزة ‘ إذن, الغريب مع الغريبة \ يصيران أهلا \ وحبيبا لحبيبة "

وهي المقولة التي سبقته إليها الآية الكريمة الي في سورة الروم " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة " والسؤال هو هل قرأ كازنتزاكي هذه الآية أم أن الأمر خلاف ذلك ؟

وفي العام 1935 تتاح له الفرصة لزيارة الصين واليابان على ظهر سفينة لصالح إحدى الصحف فلا يتأخر في استغلالها والتعلق بها , منطلقا من البحر المتوسط مارا بالبحر الأحمر والمحيط الهندي وصولا إلى كولومبو وسومطرة التي يصلها بعد شهر من الإبحار , ويصف طبيعتها قائلا " جزيرة واسعة كثيفة الغابات تلبدت السماء بالغيوم وبدأت أمطار استوائية غزيرة تنهمر , لون البحر معدني ثقيل مثل الحديد السائل الغيوم كثيفة وثقيلة "

في المُجمل استغرقت هذه الرحلة الروحية حوالى الثلاثة أشهر , كتب عنها سلسلة من المقالات صدرت بعد ذلك في كتاب بعنوان " بستان الصخور "

يكرر زيارته للصين واليابان أيضا قبل وفاته بأشهر هو الذي يعتقد أن دماً شرقيا يسري في عروقه .

يذهب نهاية العام 1936 في رحلة إلى إسبانيا مبعوثا من صحيفة كاتيميري اليونانية هذه المرة لتغطية جانب من الحرب الأهلية الدائرة هناك .

وها هو أخيرا يحط رحاله في لندن العام 1939 مُحقِقاً رغبة كانت تقض مضجعه لرؤية الأراضي المعشوشبة والمتاحف العامرة , فيزور الريف الإنجليزي ويخلب لبه البساط الأخضر الذي يكسوه ويشاهد الأبقار المتراخية التي لا تنفك تمضغ الطعام وتلوكه بكسل وبروية تُحسد عليها , وتتم استضافته ببعض القصور القديمة فتنتعش روحه بعض الشيء إثر تجهمها بفعل فظاعات الحرب الإسبانية ووقوف العالم على حافة الهاوية التي ستطيح به في أتون الحرب العالمية الثانية .

ولشدة ولعه وعشقه للمعرفة كان يستمتع بالبشاعة ويتذوق القبح كما ينتعش بالجمال , إذ هذا ما عناه عند حديثه عن مدينة مانشستر حينما قال " أطوف هذا الجحيم لا أريد أن يفوتني شيء , أرغب في التمتع بكل هذه البشاعة كي أتوصل إلى المعرفة الكاملة " ويواجه أحد الأيام محنة تمثلت في تسممه بأول اكسيد الكربون , وذلك إثر استغراقه التام في ترجمة أحد الكتب والنار تضطرم في المدفأة , ولم ينتبه إلى ذلك إلا في اللحظة الأخيرة عند سقوط قطته الصغيرة التي كانت تقف على كتفه فيحتضنها ويهرع إلى فتح الباب ليستعيد وعيه صباحا ملقىً على بلاط الممر متجمدا من البرد مع صداع رهيب يكاد يشق رأسه إلى نصفين .

شغل منصب مدير في منظمة اليونيسكو قبل أن يستقيل بعد ستة أشهر في العام 1947 م.

يتفطن نيكوس متأخرا أو يتلاقى مع ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة الحديد " ورهبانية أبتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها " فتحركت رواية الأخوة الأعداء التي كتبها أواخر حياته في هذا الأتجاه وقام من خلالها بفضح ألاعيب الرهبان وأساليبهم التي قد تصل إلى حد الدناءة في استغفال البسطاء من الناس واستغلال السُذج لتحقيق مكاسب مادية ومعنوية . ولم يرى في هؤلاء إلا طاقة معطلة وغير منتجة بإستثناءات قليلة , عبر عديد النماذج التي اختارها لتمثيل هذه الشريحة التي تعتقد أن الله فوضها لتلعب دور الوسيط ما بينه وبين البشر وهي حيلة لا تنفك تتكرر بأشكال متعددة وعند كل الشعوب تقريبا وهي الحيلة التي لا تنطلي إلا على المغفلين كما أسلفنا من أصحاب الوعي المُغيب , حول هذا الموضوع القديم الحديث تدور رواية الأخوة الأعداء .

بداية من العام 1949 بدأت تهاجمه نوبات المرض التي شخصها الأطباء في ألتهاب الأمعاء وعجز جزئي في وظائف الكبد وظهور ورم في الشفه السفلى واحمرار إحدى العينين , إلى إصابته باللوكيميا أو ما يُعرف بابيضاض الدم , وأخيرا يخذله الجسد ويستسلم للعطب ويطاله الخراب وينهار تحت قوة الضربات المتتالية .

وبإحدى العيادات بمدينة فريبورغ الألمانية أثر حمى حادة لم تستجيب للعلاج وبحضور أيليني ساميوس فقط , يغمض نيكوس كازنتزاكي إغماضته الأخيرة ويستنشق هواءه الذي لن يزفره بعد ذلك وتغادر روحه إلى السماء عائدة إلى منبعها الأول عام 1957 م

رحل كازنتزاكي الذي عاش الحياة كما أرادها وأراد الحياة كما عاشها تاركا وراءه أثارا كثيرة لم يُترجم منها إلا العربية إلا النزر اليسير , رحل وهو الذي اعتقد دائما بأنه سيغادر وكتب كثيرة ستظل بداخله رغم أنه تمنى أن يعيش خمسمائة عام , فقط كي يتمكن من ترجمة أكبر قدر من الآداب العالمية إلى اليونانية التي أحبها كثيرا وعمل على إحياء أمجادها الزائلة مع نخبة من رفاق القلم ببلاده آنذاك وأعطاها من وقته الكثير .

*******************

ناصر سالم المقرحي

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ناصر سالم المقرحي

محاسب   / طرابلس , ليبيا

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق