أضيف في 22 دجنبر 2016 الساعة 21:53

الهدر السياسي


رشيد اليملولي

الهدر السياسي .

إن الهدر في بلادي أشبه بعقيدة يومية ، يغتال فيها الإنسان و الوطن كل يوم ، هدر مدرسي ، هدر سياسي ، هدر ثقافي ، هدر في الكفاءات ، هدر في البيئة ، هدر يطال كل سلوك و كل فعل و كل غمزة و همزة و إيماءة .

الهدر في وطني أشبه بتعبد يومي ، يمارس فيه الفرد و المسؤول ، كل الصلاحيات من أجل وأد و قتل النفس و الطاقة و الجهد و الفكرة .

الهدر في بلادي عقيدة و جريمة ، يعلو فيها التسيب باسم النظام ، و يحضر النظام باسم الفوضى المنظمة و الخلاقة .

الهدر في بلادي كل الهدر ؛ الليبرالي ، و الماركسي ، و الشيعي و السني ، و اللاأدري ، و اللائكي ، و العلماني و اللاشيء ، لا معنى فيها يحيل على معنى لوطني سوى أغاليط باسم نحو فصيح و بلاغة موحية ، فلا نحن بعنب اليمن و لا نحن ببلح الشام .

الهدر في وطني ترانيم ترتل كل يوم ، و تشنف مسامعنا بكل ما تجود بع القريحة ، ويشدو به النغم ، و تتقاذفه الآلات الموسيقية في عزف نشاز ، لا قيمة له و لا جدوى سوى ضجيجا منظما يجتاح المكان و الزمان و المجال ، و الأدهى أن الرؤوس تتمايل له و تنصت ، و تدعي أن العزف قلما يجود به الزمان .

الهدر في الزمان عقيدة بلدي ، تتوالى السياسات الفاشلة و المشاريع المتعثرة ، و الطموحات المقتولة على صخرة تدبير الزمان و الاحتكام إليه ، فكم من سياسة و كم من شعار سياسي و اقتصادي و اجتماعي و ثقافي و رياضي ، تهاوى على طاولة الزمن و ذبح معه الأمل حتى في الطموح أن نراه مجسدا و لو بحسن نية .

الهدر في الزمان يصل مداه حين لا تستطيع عقولنا أن تستبين مكامن الفشل و مواطن الخلل ، و تتصدى لها بوعي زمني ، كي تنتج بها المعنى ، و تجسد بها الإرادة ، فالزمن الحضاري لا يرحم ؛ كل ثانية و كل دقيقة ، و ساعة ، هي بمقدار ملايين السنين في عالم العلم و التنمية .

الهدر السياسي في بلادي أشبه بموائد تستطاب فيها اللذة ، يغدو الانتصار على الوطن و قيمه و على المجتمع و طموحاته أعلى المهام السامية ، أرقى الفلسفات لتأبيد القبيلة و الأفق الضيق و العنجهية ، هدر يحتل فيه الفاعل السياسي أكان فردا أو مؤسسة كل الأزمنة و كل الأوقات و كل الصيغ وكل أنواع الخطابات ، ليرتل علينا أنواع فشله ، لا صيغ و بدائل نجاحه ، هدر يصل أحيانا إلى التفنن في الهدر ، تارة باسم المرجعية و أخرى باسم الاختلاف و تارة باسم الظرفية السياسية الحساسة و الحرجة ، و المنعطف الخطير ، و جيوب المقاومة و العفاريت و التماسيح ، وكأن الزمن فيه مواطن السهولة و الرفاه و الارتياح و الطمأنينة .

لقد فشا و طغى و تجبر الهدر السياسي في بلادي ، لدرجة أضحى معها الفراغ عنوانا للسياسة ، فلا السياسة لها معنى ، ولا المجال السياسي له هوية ، و لا السياسي له هدف بناء و مشروع التعايش مع الاختلاف و القوة الاقتراحية ، أصبح معها المعنى تائها ما بين :

هل العطب في السياسة أم السياسي أم المجال ؟، أم هل السياسة في بلادي لا سياسة فيها لا الهدر يعني فاعلينا و لا فاعلونا معنيون بالهدر ، و الهدر أظن بنفسه من أن يموت يوما في وطني ، فآه لو أعطى السلطة في وطني كما قال شاعرنا الكبير محمود درويش .

لقد أضحى الهدر المدرسي عنوانا لمدرستنا .

و أصبح الهدر الثقافي شريعة في وطننا .

و غدا الهدر العلمي غريب في مجتمعاتنا .

و مع كل هذا لا زال الهدر يهدر نفسه في هدرنا المهدور ، فإلى متى سنظل أسرى لهدر هدرنا ؟

و متى تتحول إرادة هدرنا إلى قوة جامحة تدوس سنابك خيلها هذا الهدر الذي يهدر كل أمل فينا أن نكون ؟ .

قد نجانب بعضا من الحقيقة إن حسبنا يوما أننا على حافة الهاوية ، بل نحن الهاوية بالمعنى الحضاري ، مجالنا مرتع لهدر الدم منذ داحس و الغبراء و أعراف الجاهلية ، و حياتنا لقاح تأبى النظام و الوحدة السياسية ، و تأبى قوانيننا أن ترى النور أمام الاستثناء و الطوارئ ، و لا تعترف دساتيرنا بالحقوق إلا لتسويق الخطاب ، و ترى الطاعة أرقى شريعة سنها ديننا .

هدر دم في اليمن و سوريا و العراق و فلسطين و ليبيا و الصومال و مصر .

و هدر في الكرامة و العلم و الثقافة و المعنى ( الهدر الرمزي ) في كل البلدان التي لا يهدر فيها دم ، و إنما تهدر فيها السياسة بمعناها الفلسفي .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق