أضيف في 22 دجنبر 2016 الساعة 19:30

قراءة نقدية : بقلم الاستاذ صالح هشام / المغرب ! في عنوان المجموعة القصصية لمجد الدين سعودي ! ( وصف ما لا يوصف )


مجد الدين سعودي

وصف ما لا يوصف ] عنوان المجموعة القصصية ،للقاص مجد الدين سعودي ، فيه جرأة ، ورجاحة فكر ، ورؤية فلسفية في الحياة ، فضح لما لا يوصف ، عنوان يوقض عش الدبور ، في تلافيف دماغ القاريء المتعطش إلى معرفة هذا الذي لا يوصف ، طرح السؤال والتساؤل والبحث عن الجواب :نصف القراءة ، وخزة إبرة تحفز على المعرفة ، و حب المعرفة يدفع القاريء إلى الإبحار في متاهات هذه المجموعة التي لا أراها إلا رائعة !

فغالبا ما يكون العنوان مفتاح باب شهية القراءة ، فهو ذلك النور الذي يضيء عتمة النص ( المجموعة ) ، ويساعد القاريء على ممارسة فن الاستغوار والإبحار متنقلا بين هذه الجمل أو تلك في سياقاتها ذات الطابع الخاص ، التي أراها تخالف تاما ما تعارفنا عليه في فن القصة القصيرة ، فهناك شكل جديد في هذا المجال يحتاج إلى دراسات نقدية متخصصة !

[وصف ما لا يوصف ]فما هو هذا الذي لا يوصف ؟

فكل شيء قابل للوصف ، قابل لأن ينقل من واصف ( الكاتب ) إلى موصوف له (المتلقي ) وإن تعذر إدراك الموصوف بالحواس الحسية من شم ولمس وذوق وبصر ، وغيرها ، فإن الواصف يطلق العنان لخياله ، فيحدد صورة الشيء ويصفه وصفا متخيلا ، وجعل المنقول له يتصوره على غرار الصورة المنقولة إليه ولكن تبعا لخصائص شخصيته ومرجعياته الثقافية :

صورة هذا الشيء الذي نعجزعن إدراكه بالحواس السالف ذكرها ، غالبا ما تكون صورة متخيلة حسب طاقة المتخيل وبعد نظره ورؤيته للأشياء وطبيعة خلفيته الثقافية والمعرفية ، وفلسفته في الحياة !

أما وأن نجزم ونقر بما [لا يو صف] فهذا أمر آخر ، وهو ديدن هذه المجموعة و إكسير بحرها المتلاطم الأمواج ، يرجع [ما لا يوصف ] إلى مجموعة من العوامل الذاتية والموضوعية التي تعمل جاهدة للحد من وصف هذا الشيء غير المسموح له بالظهورقهرا أو قسرا ونقله إلى المتلقي !

هذا الأمر الذي يكبح جماح الواصف [الذي ما أراه إلا حاملا لهموم إنسانية ] قهرا فتعتم صورة الموصوف وتزور وتعطاه أبعاد ودلالات غير التي هو عليها على مستوى الواقع ، فهو مسكوت عنه بشكل إرادي لإخفاء عيوب المجتمع وتغليف حقيقته ،هو طابو والحديث عنه من المحظورات التي يعاقب عليها قانون المؤسسات المنافقة في الأنظمة الاستبدادية ، أو يعتبر الحديث عن ذلك ووصفه إخلالا بالنظام العام ، الذي غالبا ما يفتقد للمصداقية ومحاولة تثبيت الثقة في نفوس ضاعت منها قمعا وتسلطا ، ، فقد تكون عوامل المنع هذه ، إسكاتا للواصف عن وصف هذه الأمراض غير المرغوب في وصفها أمورقد تكون على المستوى الاجتماعي أو السياسي ، وحتى في الحقل الديني فتؤول وتفك شفراته وفق تصورات مصلحية معينة وجد خاصة !

فواصف ما لا يوصف مقهور، يحمل عبء قهر الناس على عاتقه ويتحمل مسؤولية فضح هذا المسكوت عنه الذي ينخر المجتمعات التي ترزح تحت ظلم الاستبداد والظلم والفساد ، فيعلن نوعا من التحدي من باب مسؤولية المثقف لفضح هذا الذي لا يوصف ، فيصف [ما لا يوصف] ويعري حقائق المخفي و يكشف أسرار ما يتعمد (بضم الياء) إخفاؤه !

وقد نختلف في وصف المستور ونخفيه وفقا لاختلاف المواقف الاجتماعية والثقافية والشخصية ، فإعلان التحدي والغوص في ثنايا هذه الممنوعات لا يخلو من مخاطر ،لأن الواصف يحمل سيفا مسلولا يقض مضجع المفسدين ،وينشر الخوف والرعب في الهواء الذي يتنفسونه والماء الذي يشربونه ، فيترتب عن ذلك قمع حرية التعبير وكتم أنفاس كل من حاول استجلاء حقائق المسكوت عنه ووصف ما لا يوصف ، وقد تكون للواصف القابلية و الاستعداد لتحمل عواقب القهر الفكري و تبعات الظلم ، وأعتقد أنه عبر تاريخ الإنسان ما فتئ [ وصف ما لا يوصف ] من العوامل الأساسية والمبررات الواهية والمطية العرجاء التي تركب ،للزج بهؤلاء المفكرين والأدباء والفلاسفة في غياهب السجون ،فيعيشون مشاكل قمعية مختلفة قد يؤدون في كثير من الأحيان حياتهم ثمنا لها ،فيتهمون بالزندقة حينا وبالكفر أحيانا ، وبالإخلال بالنظام العام أحيانا أخرى ، والمجال في هذه القراءة لذكر نماذج من هؤلاء الذين رفضوا السكوت عن أمراض المجتمع وفساد ذوي الأمر منهم من السياسيين لا يتسع ، إلا أن كشف الحقائق التي تشكل شوكة في حلق أولئك الذين ليس لهم منفعة في فضح أسرارهم ، ليحافظوا على مكانتهم ويزدادوا إصرارا على الفساد في الأرض والعرض والبلاد والعباد أمر محتوم !

فما لا يوصف إذن إجبار على كتمان هذه الحقائق ، و حيلولة دون تعرية أدران الواقع بمختلف أنواعها السياسية والاجتماعية والدينية وغيرها ، فتضارب المصالح الشخصية من أهم أسباب منع الواصف من وصف ما لا يوصف !

والمجتمعات العربية ، أرض خصبة وغنية حد التخمة ،بأسباب هذا المنع ، إذ تقمع الحريات الشخصية ، باسم الأمن العام ، ولعل أبرز ما ذكرناه يتجلى بصفة عامة في إعدام المفكرين كيف ما كانت مشاربهم ، فالتعبير عن الرأي الشخصي ليس بالأمر الهين ، خصوصا وأن الانظمة الاستبدادية تعمل دوما جاهدة على كتمان هذه الحقائق وتكميم الأفواه ، وإجبارالناس على الخضوع للأمر الواقع ،و الرضوخ لمشيئة المستبدين إذ يشجع ذلك على إخفاء الحقائق واجتناب وصف ما لا يوصف !

فتاريخنا خرقة بيضاء، نظيفة لا خدوش فيها ، ونريده كذلك لأننا نعشق البياض من الكفن إلى العمامة ، لكن تزوير التاريخ لا تنتظره إلا مزبلة التاريخ ، فالحقائق لا يمكن أن تطمس ،طال الزمان أم قصر ، فالغربال لا يحجب نور الشمس ابدا !

هذا هو عنوان هذه المجموعة االقصصية ، التي كلما أبحر في بحرها القاريء ، كلما اصطدم فيها بالمسكوت عنه ، هذا الذي لا يوصف ، لكن القاص ، أخذ على عاتقه ، الكشف عن تلك الخبايا التي يتعمد إخفاؤها ، وعلى لسان أبطال ، مأزومين مضطهدين ، خارجين عن قانون التزييف والتزوير ، وإن كانوا يختلفون من حيث الزمان والمكان ! فمجد الدين من حين لآخر يغوص في سراديب أرشيف الذاكرة الإنسانية مستلهما من شخوصها وأبطالها رموزه ، والتي من خلال توظيفها ، يقرأ هذا الواقع الآسن المتخن بالجراح ، على شكل رموز تاريخية أو أسطورية أو طبعية فتتناصص قصصه مع نصوص أخرى ،مختلفة ، و أترك ذلك لتحليل المجموعة !

سلك القاص في وصف ما لا يوصف لغة [شرح ملح ] أي أنه يوظف لغة لا تخضع لأي تزويق او تنميق أو [ماكياج ] وحتى لا استبق الأحداث أترك الفرصة للقاريء الكريم للإبحار في [وصف ما لا يوصف ]، فما لا يوصف ، بحر بلا شطآن ، صحراء بلا رمال ، ربوع بلا حدود !

بقلم الاستاذ : صالح هشام

الاثنين 19 دجنبر 20166.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : مجد الدين سعودي

كاتب واعلامي   / أكادير , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق