أضيف في 19 دجنبر 2016 الساعة 21:40

مكاسب الخيار الديمقراطي وخسائره


عبد الإله بلقزيز

من المسلَّم به عندنا، أنّ تجربة انتقال المعارضات السياسية الراديكالية العربية من استراتيجية الثورة والتغيير بالعنف الثوري، إلى استراتيجية الإصلاح الديمقراطي والتغيير المتدرّج بالوسائل السلمية، انطوت على إيجابيات لا حصر لها انفتحت معها إمكانيات أرحب أمام العمل السياسي. لكنها انطوت في الوقت عينه على سلبيات كثيرة، لم يكن من سبيل لدى المعارضات إلى تلافيها. ومثلما أتت إيجابيات ذلك الانتقال ثمرة للظروف الموضوعية والإرادة السياسية لدى المعارضات تلك، في التمسّك بمفهوم آخر جديد ومختلف للتغيير، كذلك أتت السلبيات تُفصح عن مسؤولية مشتركة (فيها) بين أخطاء المعارضات، التي لم تكن جميعها قادرة على التكيّف الإيجابي مع موجبات الانتقال ذاك، وأوضاع موضوعية ذات علاقة بمستوى قابلية البيئة الاجتماعية والثقافية (والذهنية العامّة أيضاً) لاستقبال ذلك التحوّل والتفاعل الإيجابي معه ومع الخطاب السياسي الجديد.
وسنحاول فيما يلي أن نقدّم باقتضاب شديد صورة لتجاذب نتائج الانتقال تلك إيجاباً وسلباً.
قد يتعسّر على المرء أن يحصي النتائج الإيجابية لذلك الانتقال من استراتيجية لأخرى لوفرة معطياتها. ولكن من الممكن مقاربة موضوع الحصيلة من مدخلين اثنين مترابطين: من مدخل آثار النتائج الإيجابية تلك على صعيد وعي المعارضات وخياراتها، وحظوظ مشاركتها في صنع السياسة. ومن مدخل آثار تلك النتائج في الحياة السياسية والاستقرار الاجتماعي والسياسي. وبعبارة أخرى، آثار النتائج تلك على صعيد تعزيز الشروط الذاتية لعمل المعارضة السياسي، وتعظيم موارده؛ وآثارها على صعيد تحسين الشروط الموضوعية لذلك العمل السياسي.

من الآثار الإيجابية للانتقال ذاك أنّ المعارضات السياسية باتت تفهم السياسة والعمل السياسي فهماً واقعياً وتاريخياً، وتنفصل بالتدريج عن تصوراتها «الطوباوية» له. السياسة في هذا الفهم الجديد، تعبير عن تدافع المصالح الاجتماعية، وهذه ليست واحدة؛ بل متباينة ومتناقضة، ودور السياسة ليس فقط التعبير عنها (أي عن المصالح)؛ وإنما أيضاً ضبط إيقاع تعارضها حتى لا يكون تناقضها مدعاة إلى صدامات اجتماعية عنيفة تخرج عن السيطرة، فتُلقي بنتائجها على الاستقرار الاجتماعي والسلم المدني، وقد تطوح بكيان الدولة والجماعة الوطنية ووحدتها. إذا كان مقتضى الثورة حيازة السلطة والاستيلاء عليها بالقوة واحتكارها (ديكتاتورية البروليتاريا، مثلاً، عند الماركسيين أو الاجتثاث والعزل عند عربِ اليوم)؛ فإنّ مقتضى استراتيجية التغيير الديمقراطي هو المشاركة السياسية في صنع المصير عن طريق المشاركة بحصة يقررها التمثيل والاقتراع الحرّ في إدارة السلطة أو في اقتسامها، توافقياً، مع شركاء آخرين. .
ومن أمثلة آثار ذلك في المعارضات إيجاباً، كانت آثار الانتقال في الحياة السياسية والأمن والاستقرار الداخليين إيجابية، في البلدان العربية القليلة التي شهدت شكلاً ما من ذلك الانتقال (من استراتيجية الثورة إلى استراتيجية الإصلاح). على هذه الحقيقة قرائن عدّة؛ خُفُوت حدّة الصراعات السياسية الداخلية وميلها التدريجي إلى «الترشّد»، بما في ذلك الانتقال من الشارع إلى المؤسسات، ومن المضاربات الإيديولوجية إلى الجدل السياسي؛ تراجعُ معدّلات استخدام العنف من جانبي السلطة والمعارضة، التحسن النسبي لأوضاع الحريات العامة وحقوق الإنسان، انتظام المواعيد الانتخابية وانتظام الحياة التمثيلية، التحسين النسبي للمنظومة الدستورية والقانونية، المشاركة الجزئية للمعارضة في المؤسسات (وصلت إلى إقرار مبدأ التناوب في المغرب)، تفعيل سياسات التوافق على القضايا السياسية والسيادية الكبرى.. إلخ. وبكلمة، أصبح في الإمكان جزئياً ممارسة السياسة كحقّ عمومي، دون تعريض المجتمع لحال من الفراغ قد تكون حبلى بالمفاجآت الدراماتيكي


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الإله بلقزيز

كاتب وأستاذ جامعي   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق