أضيف في 18 دجنبر 2016 الساعة 12:19

أسد مزيف


المصطفى سالمي

                                      مسرحية من مشهدين:

****************

   المشهد الأول:

     ـ الشخصيات: ثعلوب ـ غدار ..

      ـ المكان: غابة الشرق.

      ـ الزمن: عصور بائدة.

                                ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ ثعلوب: أمر خطير قد وقع يا وزير الحرب!

ـ غدار: ماذا وراءك يا صديقي المستشار "ثعلوب"؟

ـ ثعلوب: لقد هلك قائدنا المفدى (ضرغام) يا زعيم الذئاب!

ـ غدار: ماذا تقول؟ .. قائدنا هلك!

ـ ثعلوب: اخفض صوتك! فلا أحد يعرف بهذا المصاب إلا أنا والطبيب، وها أنت الآن ثالث من يعرف!

ـ غدار: ولماذا أخفض صوتي؟! اتركني أعبر عن حزني وحسرتي! يا ويلنا، ستهاجمنا الأسود الضارية المتربصة وتقضي علينا، أو تجعل منا نحن السادة مجرد عبيد في مملكتها!

ـ ثعلوب: لا ينبغي للخبر اللعين أن يتسرب قبل أن نتصرف بالحكمة اللازمة.

ـ غدار: إلى متى يا سيد زمرة الثعالب تريد للخبر أن يبقى سرا؟ سيعلم الجميع عاجلا أو آجلا بهذه الحقيقة؟

ـ ثعلوب: لا، لن يعلم أحد بأن القائد مات، (ضرغام) سيبقى حيا !!

ـ غدار: هل أثر المصاب الأليم على عقلك يا صديقي؟!

ـ ثعلوب: اسمع يا عزيزي! نحن معاشر الذئاب والثعالب أبناء عمومة، ونمتاز بصفات مشتركة هي الذكاء والمكر وقوة البديهة..

ـ غدار: أنا أبدو أمامك سيدي غبيا للغاية، هلمّ أفصح عن مقاصدك!

ـ ثعلوب: اسمعني جيدا، سنتخلص من الجثة بسهولة، الطبيب السيد (قندس) تخلصت منه منذ قليل، وأنت ستحل محل القائد، سترتدي جلد الأسد، وسنضع عليك رأسه بعد تحنيطه، ثم إنك ستحكم دون اتصال مباشر بالرعية، أنا من سيتولى كل شيء نيابة عنك سيدي!

ـ غدار: ما هذه الهلوسات يا ثعلوب؟!

ـ ثعلوب: ليست بالهلوسات، إنها ما ينبغي أن يكون، ستجلس كتمثال على كرسي الحكم، وتأتي الطرائد إليك دون تعب أو مشقة.

ـ غدار: إلى متى يستمر هذا الأمر يا صديقي؟!

ـ ثعلوب: سيستمر هذا لأطول مدة ممكنة، إن القائد كان مجرد اسم يحكم، ألم نكن نحن من يقوم بكل شيء نيابة عنه بعد أن شاخ وكبر؟! لقد كانت هيبته وخوف الآخرين هي سر استمرار سلطته.

ـ غدار: صدقت! لكني خائف..

ـ ثعلوب: ممن تخاف؟! من قطعان البقر والخرفان، أم من الضباع المعتوهة؟ حقا هناك (نَمُّور) المتربص، ولكنه قليل الحكمة والمكر ويسهل خداعه، أما (بطّاش) زعيم الفيلة فهو لا يفكر في الحكم بعد زهده في الحياة.

ـ غدار: هيا يا صديقي (ثعلوب) نتدبر أمورنا بواجب الدفن السري للقائد العظيم.

ـ ثعلوب: (ساخرا) نعم، فإكرام الميت دفنه يا عزيزي غدار!

************************

         المشهد الثاني:

ـ ثعلوب: ها قد مر عامان على توليك الحكم يا صديقي (غدار)!

ـ غدار: إننا نتقاسم الحكم يا صديقي، لا تنس ذلك، فإسناد السلطة إلي مجرد تسمية في حقيقة الأمر، بينما تستولي أنت على معظم المكاسب من طرائد وهدايا..!

ـ ثعلوب: ولكنك أصبحت أسدا وتربعت على كرسي الحكم، ماذا تريد أكثر من ذلك؟!

ـ غدار: إنني أسد بلا أنياب الأسود ولا مخالبها، أنا مجرد ذئب داخل جبة أسد!

ـ ثعلوب: وهل ستخرج عن طبيعتك! إننا نتقاسم الأدوار يا صديقي، أنا بدوري أخطط وأحشد جماعتي للصيد وترويج الدعاية عن سطوتك وجبروتك يا "ضرغام"، وأنسج كل يوم حكايات عن انتصاراتك في معارك من بنات خيالي ضد وحوش ضارية تريد البطش بأرضنا، وذلك حتى يستتب الوضع دائما.

ـ غدار: نعم، نعم! المهم أن يبقى الحكم مستمرا لنا، وحبذا لو أورثه لولدي (عقور).

ـ ثعلوب: ولدك أرعن قليل الخبرة، ثم إن الوقت ما زال طويلا قبل التفكير في المستقبل، ولا تنس أن السر العظيم لا ينبغي أن يخرج عنا نحن الاثنان.

ـ غدار: لا تقلق، أسرتي لا تعلم الحقيقة، إنني أدخل من هذا الباب ذئبا، وداخل هذا العرين أصبح أسدا، وحين أخرج مساء أعود لطبيعتي!

ـ ثعلوب: لقد بسطنا بالأمس فقط سيطرتنا على أطراف الغابة، فمجموعة من الحيوانات المخربة كانت تروج لفكرة "الحرية" و"التمرد" على الكبار والسادة، ولكننا أخمدنا حركتها في مهدها، كلمة مثل "الحرية" هي أمر مرعب مخيف، فإذا تحررت الحيوانات عن سلطتنا، فذاك يعني خراب حكمنا وهلاكنا الأبدي.

ـ غدار: هل انتهيت منهم تماما أيها المستشار الحكيم!

ـ ثعلوب: أحتاج بعض الوقت للتخلص النهائي من خطرهم.

ـ غدار: تُرى، من هؤلاء الأوغاد الذين يريدون الثورة والتمرد؟!

ـ ثعلوب: كالعادة هم قطعان الخرفان والأرانب، بدأوا يروجون أننا لم نعد نهاجم سواهم، ونتجنب الثيران الضخمة ذوات القرون الحادة، وهذا بيننا أمر حقيقي بعد رحيل (ضرغام).

ـ غدار: سأتصل بأصدقائي الضباع في الناحية المجاورة ليساعدونا في استتباب الأمن إذا احتجنا لذلك يا صديقي!

ـ ثعلوب: وإذا اتهمنا بعضهم بأننا نستعين بالغرباء عن غابتنا، ووصفونا بالعجز؟!

ـ غدار: سنقول لهم وقتها إننا أنشأنا اتفاقيات تعاون بين غابتنا والغابات المجاورة.

ـ ثعلوب: لقد تأكد لي الآن أنك أسد حقيقي عزيزي غدار.

ـ غدار: إنه الحكم وكرسي السلطان يعلم المعجزات، ويحقق المستحيلات!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق