أضيف في 18 دجنبر 2016 الساعة 07:49

من يوميات مدير مزرعة ـــ الجزء الأول


نورالدين الطويليع

توافد الناس على المزرعة لاستقبال مديرها الذي تتشرف بتعيينه بها لأول مرة، بعد سنين طوال من الإهمال، تحولت معها إلى مرتع للصوص يتوافدون عليها تباعا، ويعيثون فيها فسادا، ثم يقفلون راجعين مطمئنين بما كسبت أيديهم، تاركين وراءهم أشواكا فقط، نمت وترعرعت وانتشرت في كل ربوعها، دون أن يعمد أحد إلى اقتلاعها وتخليص أهلها من أذاها البليغ.

لم تكن المزرعة مسيجة بأي سياج، وقد كانت ملكا لأحد المعمرين الفرنسيين قبل أن يغادرها بعد حصول المغرب على الاستقلال، مخلفا أنواعا شتى من الأشجار ومنازل بناها وأَقْرِبَاءَهُ وفق الطراز الفرنسي، خَلَفَهُهُمْ عليها فلاحون كانوا يعملون بالمزرعة لدى المعمر الفرنسي، وما هي إلا سنوات قليلة حتى نبتت الأكواخ كالفطر بالمزرعة وروابضها بعد أن تحولت إلى قبلة مفضلة يؤمها الناس من كل حدب وصوب.

في عهد المعمر الفرنسي كان العمال يشتغلون بحيوية ونشاط منقطع النظير، تمر عليهم الساعات، دون أن تظهر عليهم علامات الفتور، ودون أن يجدوا فرصة لشرب الشاي المعبإ في قارورات زجاجية وأكل كسرة الخبز اليابسة، وكلما بدا الضعف على أحدهم تفاجأ بحجارة من سجيل تنزل على ظهره مصحوبة بكلمات الزجر والتأنيب، ومع ذلك كانوا راضين بواقعهم، يغبط القاعد منهم العامل، ويمني النفس ليكون مكانه حتى يحظى بالقرب من المعمر وآله وصحبه، وحدث مرة أن صدر حكم بسجن أحدهم، فتوافدوا على بيت أهله لتهنئتهم على المقام الجديد الذي حظي به ابنهم، خصوصا حينما عرفوا أن السجن مجاور لإقامة المعمر، وأن السجناء تشملهم رعاية هذا الأخير، يمكنهم من تنظيف مرحاضه وغسل ثيابه، ويعطيهم فرصة الاحتكاك بأبنائه الذين يتسلون بهم، يمتطون ظهورهم ويحثونهم على الجري كما يفعلون مع بغالهم وحميرهم، وقهقهاتهم تتعالى وتتصاعد، فتتصاعد معها فرحتهم وإحساسهم بالنجاح في مهمة الترفيه عن أبناء المعمر الذين سيحدثون والدهم عن براعتهم وقدرتهم الفائقة على الركوض والقفز ومضارعة الحُُمُرِ في الركل والنهيق، ولذلك كانوا بعد أن ينهوا دورهم يستلقون على الأرض استلقاء المنتشي، مُتَمَلِّينَ في اللحظة ذاتها بأنهم موضوع حديث عظيم المزرعة مع أفراد أسرته، وبأنهم سينتزعون منه ومنهم ابتسامات عريضة، لا ينالها إخوانهم العمال مهما شقوا وكَدُّوا.

وبرحيل المعمر دب الفتور في نفوس العمال وتهاوت عزائمهم كما تتهاوى حجارة رميت في بئر شطين، وخلدوا إلى الكسل والراحة، وقبعوا في أكواخهم، ورضوا بالقعود مع الخوالف والاقتيات من مخلفات المعمر، مكتفين بِأَََمَانٍ وأحلام وردية كانت تقدم لهم في أطباق من ذهب، يقضون أطرافا من النهار وزمرا من الليل في مداعبتها وانتظار قدومها، حتى إذا طال عليهم الأمد، واكتشفوا أن ما تراءى لهم ماءً لم يكن سوى سراب بقيعة، جاء من يبني على أنقاض أحلامهم المنهارة أحلاما أخرى في حلة جديدة سرعان ما تبلى بدورها، ليعيشوا في دوامة تتقاذفهم فيها أمواج آمال تأبى أن تتحول إلى حقيقة، فسكن اليأس قلوبهم وانقطعوا عن إدمان الأحلام، ومنهم من هجر المزرعة إلى غير رجعة، ومنهم من ظهرت عليه سلوكات جانحة، فراح يعترض الناس ويسلبهم أشياءهم ويمارس القتل في حقهم تحت ذريعة خروجهم عن منهج الإسلام، وثمة فئة فضلت الانطواء على نفسها متأبطة حقائب الانكسار والخيبة والشعور بالخذلان.

اهتز سكون المزرعة المميت بعد انتشار خبر تعيين مدير على رأسها، انبعث الأمل من جديد في نفوس عذبها قحط السنين وأماتها جفافه، عاد الحديث من جديد عن العناية الفائقة التي ستحظى بها مزرعتهم الذابلة على يد سعادة المدير الذي تواترت أخبار تقول بأنه سيحيي أرض المزرعة بعد موتها. ــ يتبع

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين الطويليع

, المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق