أضيف في 15 دجنبر 2016 الساعة 20:15

تيه وضياع


المصطفى سالمي

جلس الأستاذ (كبور) في قاعة الأساتذة يتأمل وقائع مرت عليها أربعة عقود من الزمن، كان وقتها في مقتبل العمر، باله مشغول ومهووس بعوالم القراءة الساحرة وليس أي شيء آخر، لقد استعار في ذاك الزمن من صديق له كتاب تفسير يشكل جزءا من مجلدات أخرى، وكان يميل في تلك الفترة لهذه العينة من الكتب، أُعْجِبَ الفتى بمضمون الكتاب وأسلوب الكاتب، وانهمك في القراءة ليلتين متتاليتين، ولكن الصديق لم يمهله حتى ينتهي منه، وحتى يكتمل السحر والبهاء، فالكتاب ليس كتابه هو نفسه. شعر (كبور) بالحسرة والخيبة، وقرر شراء الكتاب بأجزائه الأربعة، لكن الكتبي صدمه وهو يخبره بالثمن الباهض: "ستون درهما"، إنه ليس بالمبلغ اليسير، توسل الفتى إلى والده أن يشتري له الكتاب إن نجح في امتحان السلك الإعدادي وانتقل للسلك الثانوي، لكن الوالد ردّ عليه بأنه أعلم من باقي إخوته بظروف الفقر والحرمان التي تعيشها الأسرة، وأنه بالكاد يتدبر أمور المعيشة والملبس.

نجح (كبور) وحصل على شهادة السلك الإعدادي وبتميز، لكن مرارة عدم امتلاك أجزاء كتاب التفسير تغلبت على حلاوة النجاح، ولم يكن الفتى ينتظر لا سفرا ولا أية مطالب من هذا القبيل، وخلال بدايات العطلة أخبره صديق له أن شركة لمدّ أنابيب مياه الشرب تحتاج عمالا، وأنه سيشتغل معهم، كان صديق (كبور) قوي البدن مفتول العضلات، متعودا على العمل الشاق باعتباره ذا أصول بدوية وأنه يعمل باستمرار مساعدا لوالده في أعمال الحقل..

نظر المسؤول في الشركة إلى الفتى (كبور) بنوع من التشكيك في مقدرته على العمل، وبادره قائلا:

ـ أنت مجرد طفل صغير لا تقوى على العمل أيها الصغير!

لكن الفتى توسل إليه مبديا الصبر والتحمل مهما كانت صعوبة العمل، وأنه لن يجده مشتكيا متبرما أبدا.

مر أسبوعان قاسيان على الفتى، انطلق بعد اكتمالهما وهو بثياب العمل المتسخة باتجاه المكتبة وهو يتحسس جيبه الذي يضم أوراقا مهمة لتحقيق حلم كبير، تذكره الكتبي باعتباره كثير التردد عليه، وتعاطف معه بخصم عشرة دراهم من مبلغ البيع الحقيقي للأجزاء الأربعة من كتب التفسير المطلوبة، وقام بوضعها داخل علبة من الورق المقوى.

انطلق الشاب وكأنه يطير عبر بساط الريح نحو منزله، صُدِم أفراد الأسرة وهم يرون (كبورا) قد اشترى ركاما من الأوراق، ولم يشتر لنفسه ولو بدلة أنيقة تستر جسده النحيل، أو حذاء لائقا وهو على مشارف مرحلة جديدة من الدراسة الثانوية، وكأنما الأبوان تناسيا مسؤوليتهما في كسوة ابنهما ومأكله ومشربه... بينما كان خيال (كبور) يحلق في عوالم السعادة وهو يقلب الصفحات باحثا عن تفسير لهذه الآية أو تلك!

تمر السنون، ويصبح (كبور) مدرسا لمادة الإسلاميات، وها هو يقدم لابنه هدية ثمينة بمناسبة حصوله على شهادة السلك الإعدادي، لكن الابن أصيب بالخيبة وهو الذي كان ينتظر من والده أن يشتري له حاسوبا محمولا، أو جهاز هاتف ذكي مثل أقرانه، حاول الأب أن يشرح قصة كتب التفسير التي قدمها كهدية، لكن ابنه صمّ أذنيه وكأن الأمر لا يعنيه!

انتبه الأب من غفوته، وحين سئل من زملائه المدرسين أين ذهب عقله، لم يتردد في سرد الحكاية كأنما يتخفف من وطأتها الصاعقة عليه، لكن حسرته بدأت تذوب حين استهان زملاؤه بتهويله، وشرعت زميلته الأستاذة (فاطمة) مدرسة اللغة الفرنسية تحكي حكايتها مع الكتاب، لقد كانت في طفولة الفقر والدراسة والمعاناة التي مرّت منها تقطن بالقسم الداخلي، وكانت تشتري الكتب الأجنبية القديمة بدرهمين أو ثلاثة، والحقيقة أنها كانت تبخل على نفسها بتلك الدراهم التي يقدمها لها والدها لشراء أرغفة لسد رمقها من أجل قصص بلغة موليير لتحسين مستواها بهذه اللغة التي كان يقال لها إنه لا يتخصص فيها إلا أبناء طبقة أخرى غير طبقة البؤساء والمهمشين أمثالك، لكن الفتاة صاحبة الضفيرتين لم تكن تأبه لكلام هؤلاء، وواصلت دراستها بنجاح، وذات يوم وهي على وشك أن تجتاز امتحان التخرج من مركز المدرسين، وجدت كتابا مرميا في سلة نفايات المكتبة، تناولته وتأملته، كان قد فقد دفتيه وتمزقت حواشيه، إنه كتاب مرجع في تاريخ الأدب الفرنسي. احتضنته كشيء عزيز عليها، وكتبت بحثا على ضوء استراتيجية الكتاب، وكان سببا في حصولها على نقطة ممتازة في امتحان التخرج..

ردد الأستاذ (صلاح) وهو يستمع لحكايات زملائه بأن هذه الأجيال أكيد ستسخر من مثل هذه الحكايات، فالكتاب ليس في أولوياتها، خاصة بعد أن حققت ما يشبه الإشباع المادي من أجهزة تتهافت عليها.

وخالفه زميله الأستاذ (سمير) مرددا:

إن المشكل ليس في الأجهزة التقنية الحديثة، بل في غياب الحرمان لدى معظم هذه الأجيال، إن الإحساس بالحرمان هو الذي ولد الدافع عند تلك الأجيال البئيسة التي عانت وقاست، بينما يخطئ هؤلاء الآباء حين يدللون أبناءهم لمحو تاريخ من الشقاء عاشوه.

وردت عليهم الأستاذة (فاطمة) قائلة:

ـ ربما الذي ذكرتم يعد صحيحا، لكن الكتاب فعلا فقد بريقه بحكم وفرة المعلومة، فقديما كان للمرء نافذة وحيدة يطل منها على العالم، فكان ذلك كافيا للتدافع على كوة الضوء تلك كما كانت تفعل جداتنا وهن يتأملن العالم من الشقوق الخفية في الأزمنة الغابرة، واليوم تعددت أبواب ونوافذ المعرفة، ولكن لا واحدة منها يشفي الغليل، وربما حالة التعدد التي تعيشها الأجيال الحالية هي سبب التيه والضياع التي تعيشها.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق