أضيف في 11 دجنبر 2016 الساعة 12:17

يرحم أميمتك ...


د موسى أبومحلولة

يرحم أميمتك ...

 

إن لم تتعلم شيئا أثناء إقامتك الطويلة أو القصيرة في بريطانيا وبين أهلها اﻹنجليز فحتما ستتعلم كلمة شكرا Thanks فهي تجري على ألسنتهم كما لم تجري كلمة أخرى على اﻹطلاق يبادرونك بها في الصباح وفي المساء وفي مناسبة أو بدونها يعلمونها للطفل مباشرة بعد كلمة ماما Mummy وربما قبل كلمة بابا Daddy ...

"ثانك يو" يقولها الطفل اﻹنجليزي شاكرا أمه بعد رضعة حليبه اﻷولى وربما يكون قد رضعها في حليب أمه ويقولها وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة شاكرا خادمته التي تولت العناية به في دار عناية المسنين في آخر أيام عمره المديد، وإذا أصابه داء الخرف "الزهايمر" وهو في أرذل العمر يكون قد نسى إسم زوجته وإبنه وإبنته وحتى عشيقته دفعة واحدة لكنه ﻻ ينسى كلمة "شكرا" ...

وﻷن من عاشر قوما تعلم شيئا من طباعهم فقد تعلمت بالطبع كلمة "ثانك يو" وصرت أبالغ في إستعمالها وباللغتين اﻹنجليزية والعربية وأذكر أني كنت أتحدث مع صديق عربي ليبي تعرفت عليه عن طريق الفيسبوك وكان متحدثا لبقا ومثقفا مستنيرا فأمطرته بشكرا دون وعي مني وﻷن المسكين لم يتعود على هذا السيل العارم من كلمات الشكر شعر بشيء من الحرج وفي نهاية الحديث قال: أشكرك أستاذي وأرى أنك تبالغ في شكري وأنا ﻻ أستحق كل هذا فما كان مني إلا أن شكرته ثانية وودعته شاكرا إياه ...

هذا الصباح إختلف اﻷمر عندما أجريت عملية جراحية لمريض ظننت أنه إنجليزي ينحدر ربما من أصول فرنسية أو هكذا أوحت لي ملامحه ... لم أدقق في تفاصيل اسمه الذي لم يكن إنجليزي ولم استغرب ذلك تمشيا مع حدسي الذي أوحى لي بأن أصوله فرنسية أو ربما أسبانية وتم الحديث وشرح تفاصيل العملية كالعادة باللغة اﻹنجليزية وأمطرني وكما هو متوقع من أي مريض في هذه البلاد بوابل من الثانك يو وأردفها بفري ماتش very much معبرا عن إمتنانه العميق.

 

إنتهت العملية بسلام ونجاح والحمد لله وأستفاق المريض من التخذير وعاد لكامل وعيه وعدت بدوري ﻷتفقد حالته وأوزوده ببعض التعليمات والنصائح ودار الحديث هذه المرة أيضا بالإنجليزية الفصيحة وبينما كنت أهم بواداعه دون أن أصافحه كما هي عادة اﻹنجليز الذين يكتفون عادة بكلمات الوداع الشفهية فؤجئت بالرجل يبسط يده ليصافحني بحرارة ويقول: يرحم أميمتك ... لم أصدق ما سمعت فأعادها مرة أخرى وما أجملها من عبارة أشتقت كثيرا لسماعها وتمنيت أن أسمعها من كل مريض ... أجبته بتلقائية وعفوية: بارك الله فيك ورحم والديك ... إبتسم بسعادة ﻻ تفوقها إلا سعادتي وقال: أنا من الجزائر ... فأجبته: وأنا من ليبيا ... وكان الحديث بعدها بلغة الضاد وغابت "ثانك يو" Thank you عن الحديث ولو إلى حين .


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : د موسى أبومحلولة

طبيب وكاتب ليبي   / مقيم في لندن , ليبيا

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق