أضيف في 9 دجنبر 2016 الساعة 20:50

الاحتفاء بالفن لا يتم بالبهرجة والمظاهر الزائفة


المصطفى سالمي

دأب المسؤولون في مغربنا السعيد على الاحتفاء بالفنانين العالميين بطريقة خاصة مثيرة للاستغراب، فكلما بزغ نجم عالمي أجنبي (شرقي أو غربي )في التمثيل أو الغناء، إلا وسارع هؤلاء إلى استدعائه إلى مهرجان من المهرجانات والحفلات ـ وما أكثرها ـ ويستقبل استقبال الأبطال الفاتحين، وتنثر عليه الورود، ويحمل على الأكتاف، وتسلّط عليه الأضواء، وتلتقط معه الصور، حتى ولو كان نكرة في وطنه، ويتذكر الناس في أرضنا المعطاء كيف تمّ استدعاء عديد نجوم التمثيل في المكسيك وتركيا، وكيف استغرب هؤلاء الممثلون أنفسهم الحفاوةَ الكبيرة التي وصلت درجةَ التقديس والإكبار، وكيف حرص أحد الوزراء أن يلتقط صورا شخصية مع ممثل أمريكي شاب، فانتظره لساعات طويلة بالمطار فقط من أجل هذه الصورة التذكارية..!

إن الفن والثقافة في هذا البلد يعني عند مسؤوليه مجرد استحضار لوجوه براقة، مع أن الأصل أن هؤلاء النجوم هم مجرد أدوات فنية لتمرير رسائل ثقافية وتنويرية وأدبية ـ مع التحفظ على القيمة الفنية لأغلبهم ـ بينما محتوى تلك الأعمال على المستوى الفني/ الثقافي أبعد ما تكون عن أذهان هؤلاء المسؤولين عندنا. إنهم يظهرون أحيانا مثل أطفال صغار يعجبون ويغرمون بهوس وجنون بلعب عاشوراء البديعة الألوان والأشكال، وسرعان ما يبحثون عن لعب غيرها أشد إغراء، رغم أن تلك اللعب هي فقط مجسمات غير حقيقية، ولكن يظهر أن هؤلاء المسؤولين أشبه بحاكم مرّ على تراب هذه البلاد كان قد تقلد المسؤولية وهو صغير السن، وكان مهووسا بالمخترعات التقنية، حريصا على جلبها لهذه البلاد السعيدة، ومن ذلك حرصه على استقدام قطار من البلاد الأوربية، والحديث هنا عن قطار حقيقي، وحين تم شراؤه بمبالغ كبيرة ـ في ذلك الزمن ـ كلفت البلاد ديونا طائلة، اكتشف الحاكم بعدها أن البلاد ليست بها سكك حديدية حتى يسير عليها القطار، فتم تركيب العربات الحديدية الضخمة ووضعها على الأرض مباشرة، وبقيت تتآكل بفعل الصدأ في مشهد مثير للسخرية!

إنه نفس المنطق الذي يحكم مسؤولينا الصغار في يومنا الحاضر، سواء على مستوى السلوك والممارسة أو المنطق المعتمد، فهم يبددون ثروات البلاد طولا وعرضا من أجل استقدام نجوم التمثيل والسينما والغناء الأجانب، في مهرجانات لا طائل منها، في حين تتوفر البلاد على طاقات فنية شامخة ربما لا تثير انتباه هؤلاء، وربما لن تثيرهم إلا إن أصبحت دمى لامعة براقة خادعة مزيفة مثل "لعب عاشوراء المزخرفة" التي يتعلقون بها ويحرصون على استقدامها بمناسبة وبدونها، إنه السفه الذي يفعل فعله، فكيف لمن يفتقد ذوقا فنيا أصيلا وحقيقيا أن يميز بين غث وسمين، وكيف لصغار في الثقافة والفن أن يعرفوا أن استدعاء مغنين أو ممثلين أجانب ـ على حساب مال الشعب إقامة وتذاكر سفر وتعويضات خيالية ـ ليشاركوا في لجنة تحكيم، أو للدعاية لمنتوج "ما"، أو المشاركة في حفل غنائي.. لن يغير من واقع الحال ببلادنا، ما دامت سكة الإبداع غير متواجدة بغياب تكافؤ فرص العمل، وآليات الاشتغال الحقيقية عند كل فناني الشعب، وغياب دعم الأعمال الأصيلة، في حين يذهب الدعم للتفاهة والإسفاف والتدجين والانتهازية والاحتيال والبهرجة!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق