أضيف في 7 دجنبر 2016 الساعة 19:56

الخطاب الايديولوجي الإعلامي


رشيد اليملولي

 

فشا في الساحة السياسية و الإعلامية موت الايديولوجيا ، و تنامى معها استصدار حق الإنسان في التعبير عن ميولاته و اختلافه ، و خروجه عن لغة الإجماع المزيفة ،و التي تستبطن " تسلطا " هو بالمعنى المضاد تعبير عن ايديولوجيا الوهم و الزيف ، أو بمعنى أدق ايديولوجيا السلطة ـ التسلط و الإجبار و القهر . و لا حاجة للتذكير في هذا المجال من انتشار خطاب التنويم " الليبرالي " ، و مفاده موت الايديولوجيا و اندحارها مع سقوط جدار برلين ، و تفكك الجمهوريات السوفياتية ، بالإضافة إلى ما ساد من اعتقاد بنهاية الأفكار المعبرة عن الذات و في منحاها المختلف ، بفعل الثورة العلمية و المعلوماتية المتعلقة بوسائل الاتصال .

إن الميديولوجيا بتعبير ريجيس دوبري ؛ تنطوي على العديد من الأقانيم الايديولجية التي يتم بوساطتها تسويق " نظام القيم " المرغوب فيه ، عبر الصورة و الخطاب لتعميم أحكام و تمثلات و أيقونات خفية تخدم التوجهات الأساسية لايديولوجيا محكمة البناء ؛ فانطلاقا من المادة الإخبارية يتم التعامل مع بناء نسقها وفق ما تقتضيه الخلفية النظرية و القيمية ، لتقديم خبر و تأخير آخر ، و تأثيث هذه العملية بكل صيغ التبجيل و التقديس و الأهمية القصوى المعبر عنها بالمحطة التاريخية ، و إهمال وقائع و ظواهر و إن كانت بسيطة ، فهي حبلى بقيم لا يحملها الخبر العاجل أو المباشر ، و قد تحيل على معاني و دلالات تفوق ما تم رصده باعتباره الحدث المهيمن ، هذه القصدية السياسية تتغذى على مرجعية إعلامية غير متحررة من السلط الرسمية و الهواجس الأمنية الراغبة في بناء ذاكرة فردية و جماعية ، تهتبل كل الفرص من أجل الذوذ عن البعد الغريزي للخوف فقط ، دون البعد التنموي ، و يحضر هنا بالخصوص الخطاب المكثف و المحمل بدلالات التخويف من الإرهاب ، و تجاهل الإرهاب الداخلي في صمت غريب ، و المتجلي في الهجومات المتكررة على المكتسبات الاجتماعية و الحقوقية و المدنية ، بإيعاز من الايديولوجيا الإعلامية القائمة على غربلة الوقائع و الأحداث ، و إعادة ترتيبها وفق سلم أولويات موجه على المقاس و المنطق الايديولوجي للمؤسسة السياسية الرسمية الوصية على القطاع ، حيث أن الأحداث والظواهر الخاصة سواء بالأعياد أو المشاريع الرسمية ، تعلو على الأحداث المعبرة عن الحركية الاجتماعية و الحقوقية ، و يجري هنا مثلا التطبيل للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية في مشاريعها ، و يتم التغاضي عن الوجه الحقوقي سواء في قمع الحركات الاحتجاجية ، أو في تجاهل القضايا المستعجلة دستوريا و ثقافيا و علميا ، كما أن حضور الأنشطة الملكية بشكل رئيس في جميع المواعيد الإخبارية ، يفيد رغبة جامحة في تكريس دورها الفاعل ، و ترسيم خيريتها و " أسطرتها " و يتم التعامل مع الخطابات الملكية و كأنها نصوص أزلية لا تخضع لتأويل ما خفي و ما تم السكوت و التغاضي عنه ، و بالمقابل تقزيم و تهميش باقي الفاعلين و في أحسن الأحوال تأكيد دورهم الثانوي ، و تقويض سلطتهم و قرارهم و امتدادهم الاجتماعي ، فلا يتعلق الأمر هنا بالبنية الدستورية ، و لكن الأهم تأبيد تفوق سلطة ما و غرس مقومات استمرارها في التمثل الذهني قبل الاجتماعي ، و ترسيخ السيادة في العقول و النفوس بالصورة و الرمز ، قبل النص و القاعدة الدستورية أو الإجماع الوطني ، الذي يأتي تتويجا لمسار تربوي محكم البناء ، تشكل أدوات اشتغال الايديولوجيا منطقه الداخلي العميق ، فإذا كانت هذا الايديولوجيا باعتبارها وعيا زائفا تؤسس لتراتبية الدلالة و المعنى ، من خلال إغناء دور المؤسسة الملكية و تفقير باقي الفاعلين ، فإنها كوعي اجتماعي ينضد مصالح فئة معينة على مستوى الأحكام و التمثلات و التصورات و القيم الثقافية ، تخدم صناعة رأي عام وفق مقاسات الهدف السياسي المحدد من قبل الفئة المهيمنة ، و يحضر هنا مثلا سياق الوثيقة الدستورية لسنة 2011 ، الذي أبان عن قدرة كبيرة على امتصاص الحركية الاجتماعية بتواطؤ مع" فاعلين " سياسيين ، أفضت في مرحلة موالية إلى تحديث آليات التضييق و الالتفاف أكثر من تحديث العملية السياسية و الثقافية و الحقوقية ، إذ ظل المخزن بأسلوبه " الموحدي " مستمرا في اشتغال النسق و تذويب كل الحركات و تطويعها لما يقتضيه استمرار السلطة بمعناها غير المنتج ، دون تجديد قنوات المشروعية السياسية و الاجتماعية ، لهذا عملت الايديولوجيا المهيمنة عن طريق الإعلام في غالبيته على تحصين النسق و ضمان استمراريته ، و طبيعي أن لهذه الوظيفة دوران؛ ضمان مصلحة الفئة المهيمنة التي تعبر عن الايديولوجيا الرسمية ، و إقناع الفئة المهيمن عليها بالقبول و الانصياع لهذه السيطرة ،و أداء أدوارها على أفضل وجه باعتباره تعبيرا عن مصلحتها أيضا ، ليستمر مع ذلك الأرق السياسي ، و هو أن السياسة من اختصاص الحاكم فهو الراعي و الناس الرعية و هو السائس و الناس موضوع سياسته ، و ليس من حق أحد أن يخوض في السياسة ( و نقصد هنا التغيير السياسي بناء على ضرورة التغيير ) ، إلا بإذن هذا النظام ، و هؤلاء الذين يأذن لهم هم الأتباع و الندمان ، و لا حاجة للتذكير أن التخلف هو قاعدة القمع الاحتجاجية ، و الذي يفرز أنظمة القمع و يوطد المفاهيم و القيم و المؤسسات المرتبطة به ، و يجعل المواطن مجرد عضو في الرعية ، و المثقف مجد موظف بلا حقوق و داعية بلا عقل ، و عادة ما تسعى البرامج الهامشية ـ من خلال نوعية الخدمة و القيمة ـ إلى تعميق الوعي الزائف عبر مختلف الوصلات و المواضيع الهادفة إلى تركيع الوعي و الحس النقدي ، و لا أدل على ذلك من برامج الاستهلاك الرث على المستوى الفني ، و على مستوى الطبخ ، و رياضة كرة القدم ، بغرض توجيه بوصلة الاهتمام و نحت تمثلات قائمة على تسريع الخدمة و الصعود الاجتماعي ، و صناعة الأطر الخلفية لتسهيل و تيسير الغزو السياسي .

إن تطوير و تحديث وسائل الاتصال ؛ لا يؤدي بالضرورة إلى التفاعل و التواصل ، كما أن تطوير تقنياته لا يطور بالضرورة سيرورة الفعل الديمقراطي ، فالنزعة الايديولوجية الثاوية خلف مرجعياتها مهما علت و استفحلت ، لا تستطيع أن تستأصل الاختلاف و تؤبد الخنوع و تفني المقاومة ، ففي ظل ذلك ومع تنامي وسائلها و أساليبها ، تأخذ المعارضة السياسية أشكالا شتى ، تعبر عنها بالخصوص وسائل التواصل الاجتماعي ، التي استعاضت عن الخطاب الرسمي و تجاوزته ، و استطاعت تكوين " كتلتها " الخاصة ، و التعبير عن بعض من اهتماماتها الدالة على طبيعتها ، و أعادت صياغة مفاهيمها في التعبير عن ذاتها ، و لعل مفهوم " الحكرة " واحد من المفاهيم الدالة في هذا السياق ، بالرغم من افتقارها إلى التنظيم و التأطير ووحدة الكتلة التاريخية .

من جانب أخر عرت هذه الوسائط عن وهم السلطة الرابعة ، الذي عادة ما تم التغني به ، حيث أن الإعلام الرسمي الايديولوجي لم يبلغ بعد مرحلة ممارسة الرقابة الفكرية الموضوعية على السلطات الأخرى الاقتصادية و السياسية و القضائية ، لذلك تناسق تطور وسائل الإعلام مرهون بحضور الديمقراطية ، ينتفي أداءه النوعي بانتفاء حضورها ؛ إذ الأزمة في عمقها و شمولها تتكثف في المستوى السياسي الذي هو دائما المستوى النوعي الذي تتركز فيه سمات و خصائص و مستوى تطور المستويات الأخرى ، فالرؤية السياسية بالمعنى الواسع للكلمة تنطوي على مضامين اجتماعية و ثقافية و اقتصادية و حقوقية و إدارية و تربوية ، و إطالة أمد ضعفها أو إضعافها يعني تأبيد الفشل الحضاري .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق