أضيف في 5 دجنبر 2016 الساعة 17:21

الناقدة التشكيلية خيرة جليل : .سعيد أيت بوزيد : لوحات واقعية بتقنية عالية ترسم معاناة الكادحين بألوان البهجة فتنسج حكايات تحملنا إلى أعماق عبق أزقة مراكش العتيقة


خيرة جليل

 

كما سبق وان ذكرت في تقديمي سابقا لبعض الأعمال التشكيلية بالوطن إن الحركة التشكيلية المغربية تتميز بطابع الجديد المنضبط الذي يخول لها اعتلاء مكانة مرموقة، فهي تجارب وإن اختلفت في مضامينها وتصوراتها والرؤى،إلا أن التقنيات الجيدة والأساليب التعبيرية تلفت الانتباه لتعبر عن وعي هؤلاء الفنانين ونضجهم ، مما ساعدهم على صنع حيز إبداعي مغربي صرف ،يمتح من الثقافة المغربية الأصيلة ومقوماتها الأساسية وألوانها التي تعبر على بيئتها ومناخها الحار ، ومن الموروث الحضاري بأسسه المعرفية والقيمية ليطفو على الساحة التشكيلية الوطنية خاصة و العالمية عامة بشكل يستوعب المورث الفني والحضاري المغربي في شموليته بل انه يستحضر القيم الفنية والجمالية الصرفة مما يفرض علي التقديم لكل تجربة على حدة

إن قانون القراءة يفرض حسب الكاتب موليم العروسي :" تحمل اللوحة خطابا معينا وللوصول إلى ذلك فإنها تستعمل وسائل وطرائق نسميها التقنية أو اللغة التشكيلية، علينا إذن أن نميط اللثام عن هذه اللغة " .1 وللنفاذ إلى ذلك يجب التوقف عند ثلاثة مواضيع جمالية مغربية : مشكلة الجدار أو المعمار ،ومشكلة الجسد ومشكلة اللون عند الفنان التشكيلي سعيد أيت بوزيد كانطلاقة أولى لدراسة لوحاته .

فكيف تعامل الفنان ايت بوزيد مع هذه المقومات التشكيلية ؟

منذ العهود الإغريقية كان للحائط معنى تشكيلي لأنه يمثل الأثر البدئي لأنه بواسطته استطاع الإنسان الفنان أن يعلم أماكن مراكش ويحددها حسب منظوره للعالم ،لان فضاءه هذا هو منفتح على العالم بأسره، مما جعله يمثله باللون البرتقالي الممزوج بالون البني الخفيف كرمز للذاكرة الجماعية للمدينة وعلى أنها مركز ذاكرته التي ترسل الضوء لباقي المناطق الأخرى .وهو بذلك يحيلنا على الحمولة التاريخية للمدينة وما لعبته عبر التاريخ من أدوار ريادية في تاريخ المغرب والعالم العربي والغربي ككل منذ العصور الوسطى إلى العصور الحديثة . ولهذا كان يربط هذا الجدار التاريخي في علاقته بفئة عمرية معينة كالعجزة وفي نفس الوقت يربطها بالجيل الحديث وهمومه من مستجدات الحياة وإكراهاتها .وبهذا جاءت أعماله بصيغة الجداريات، وهذا يعتبر التوفيق بين الأصالة والمعاصرة بين الموروث الثقافي وتطلعات هذا الجيل.

سأستعير قول صديقي عبود سليمان : وأقول:" أعماله المنحدرة أصلا من فوضى تجسيد الواقع في لوحته . وفي العديد من أعماله الفنية لتشكيلية التصويرية.... وفق تعرجات الضوء واللون...". 2 من عالم واقع الإنسان المراكشي ...خصوصا أن هذه مدينة المتقاعدين العسكريين و السياح والحركة والشمس والنخيل وإزالة كل الشوائب التي تراكمت عبر قصص الجمالية . حكايات اختار لها العقل الباطني لتولد بلغة الفن والتشكيل. بحضور اسمي آياته الفنية في واقع جماليات جسد الإنسان في لوحته وملمس مساحة تكاوينه التصويرية التي يشتغل عليها بشغف العاشق الجمالي . وهو الفنان الملون و المصور وفق ضرورة الفن .انه الملون الذي يسكن هندسة الروح بمعمارية جمالياته المتوسطية. مستعملا الأزرق بجميع تدرجاته اللونية وهو له دور وظيفي في سياق وظيفة الفن وجدليتها و في نبض روح الفنان لرسم بحور ومحيطات أرواح المراكشيين الدافئة والباذخة والزاخرة بروح النكتة لغسل مرارة إكراهات الحياة اليومية في علاقاتها مع الأفواج البشرية التي تحج من جميع جهات العالم بحثا عن الشمس وظلال النخيل، فعلا إنه دفء الشمس والعلاقات الإنسانية في أرقى تجلياتها....هو يرسم معانات الشيخوخة اليومية سواء في استرجاع ذكريات أيام الطفولة في مداعبة طيور الحمام ليعبر على الأرواح الجميلة التي تسكن كومة العظام الهرمة هذه والمستلقية بجانب الجدران الأثرية لقصر البديع والمتأملة للمارة المهرولين دون التمتع بجمالية اللحظة أو أيام الشباب والصحة مستعملا اللون البنفسجي القاتم واللون الأسود ، كما يرسم معاناة الأطفال في رحلتهم اليومية للبحث عن الماء الصالح للشرب بالأحياء الهامشية لمراكش ، ببراءة طفولة تحمل وعاء استعمل سابقا للزيوت الطبخ النباتية لجلب الماء بألوان برتقالية كلون للوعاء وللباس الأطفال لتعبر عن الرغبة في غذ مشرق يغير الواقع اليومي ..... مما يحيك لنا قصة إنسانية راقية لمعالجة واقع مر للطفولة المغربية والمتوسطية ككل ، يمكن تحويلها إلى فلم وثائقي يحكي عن معانات الشخص اليومية بشكل استيتيقي جميل يبعث المتعة في عين المشاهد العادي ويفتح المخيلة لتصور فلم تحسيسي يروي حكاية من حكايات مراكش البسيطة أو كما يقول الناقد السينمائي والأستاذ الجامعي بالدار البيضاء حمادي كروم في إحدى دراساته النقدية للأفلام المغربية " . تشتغل هذه الرؤية على محاولة البحث عن التوازن بين تشخيص الواقعي البروفيلمي والوساطة الاستثيقية للفيلمي ، بمعنى السعي إلى تحقيق الواقعي من خلال ذكاء الانجاز التقني والفني أو من خلال حقيقة الحياة كما هي ....."3 لأنه التكوين السينمائي يشترك من الناحية الشكلية مع تكوين اللوحة المرسومة في الاعتماد على الكُتَل والأشكال والتوازُن والخطوط والإيقاع والألوان والنسيج والضوء والظلمة.

كما " ا ستعمل أساليب مختلفة لجعل الألوان مثلا كوسائل أسلوبية لتعبر بأشكال مختلفة عن الانسجام والتضاد فاستخدم الألوان الدافئة لتعكس الشغف والسعادة والحماس والطاقة. وتتضمن:

• الأحمر والبرتقالي والأصفر ومتدرجات منها. وهي ألوان النار، أوراق الخريف، الشروق والغروب وبشكل عام توحي بالطاقة.

• الأحمر والأصفر كلاهما ألوان أولية والبرتقالي يقع بينهما، مما يعني أن الألوان الدافئة دفئها أصيل ولا ينتج عن الجمع بين لون دافئ ولون بارد." 4

• • في مسألة الضوء : أمامنا تاريخيا تياران أحدهما يرجع إلى أرسطو ومعناه أن الضوء الأبيض متجانس وينشأ من تحويره للتجانس، والثاني يرجع إلى غريمالدي ومعناه أن الضوء غير متجانس وأنه يتحلل إلى ألوان متجانسة. ومَثَّل غوته التيار الأول وتبنته فلسفة الطبيعة الألمانية والفلسفة الظواهرية، ومثل نيوتن التيار الثاني الذي تبنته الفيزياء الحديثة والمعاصرة .إن الاختلاف بين هذه التيارات تعترف بآثار المعنى الرئيسية التي تخصّ تشكيلية الضوء. ويبدو أن أتباع غوته هم أكثر تأثرا باللون والمادة وتصوروا الضوء كمبدأ للتشتت والانتشار، أما أتباع نيوتن فركزوا على البريق والإضاءة واعتبروا الضوء أساسا للتحرُّك الإشعاعي. وتبدو الخلافات العميقة بين هذه التيارات عموما وكأنها تتفق حول آثار المعنى الرئيسية التي تخصّ تشكيلية الضوء" 5 فكيف تعامل فناننا مع مسألة الضوء ؟

هذا الانتماء المتوسطي والحركية والتوالد الروحي جعل لوحاته غنية بالضوء الموزع من مركز اللوحة نحو جميع الاتجاهات مما يوحي بان الفنان يؤكد على أن هذه الطفولة المشرقة ببلده المتوسطي هي رمز الإشعاع المستقبلي لمراكش واضعا إشكالية مهمة : أي مستقبل ينتظر هذه الفئة العمرية إن لم نسلط عليها الضوء الآن ونبرمج لها حياة أفضل ؟ ومن هنا " تسمو الروح متخطية كل ماهو عابر وتتجلى الرؤية . وتزول كل الحجب . حيث تتبلور أفكارنا ، فتتضح رائحة المأساة بين ثنايا البشر . فتثور علينا وكأنها براكين إحساس لا ينتهي 1" كما يقول الناقد التشكيلي العربي السوري : عبود سلمان ( بيروت)

وهذا راجع لتنشئته الاجتماعية بأحياء المدينة العتيقة و من خلال مشاركته وتأطيره للأنشطة الاجتماعية والتضامنية بقرى الأطفال وبالمراكز الاستشفائية لمدينته ..... فتنظيم التظاهرات التشكيلية العالمية لخدمة قضايا التشكيل صقل موهبته الفنية مما جعله يحمل هم التشكيل المغربي بمدينته ليحاول جاهدا إيجاد تموقع جيد للحركة التشكيلية لمدينته بين باقي مدن المغرب والعالم ككل ...." فتصبح اللوحة وسيلة تواصل وتقارب قادرة على خلق لقاءات وتبادل وعلاقات، وهذا من خلال المهرجانات التشكيلية أو المعارض الفردية والجماعية .لأنه في اطار هذه المهرجانات التشكيلية حيث يجتمع المنظم والفنانين للاحتفاء بالفن التشكيلي فتصبح اللوحة نقطة مركز تقاطع والتقاء جميع محاور خطوط الاهتمام والحوار. وهنا يكمن سحر اللوحة في حد ذاتها لتصبح عنصرا حيا وخالقا لبعض أجواء التقارب والتواصل " كما يقول الباحث في هذا الميدان السيد نديم رشيق6

فتتم المساهمة في إثراء النقاش الاجتماعي والثقافي ......من خلال النقاش التشكيلي

عموما إن الفنان سعيد أيت بوزيد اختار المدرسة الواقعية لتعبير عن إشكاليات الفن معاصرة التي تهم الفن التشكيلي خاصة وربطه بطرح الإكراهات و الارغامات الحياتية اليومية للإنسان المراكشي باختلاف فئاته العمرية من العجوز إلى الشاب ثم، الطفل فكانت لوحاته واقعية بتقنية عالية ترسم معاناة الكادحين بألوان البهجة فتنسج حكايات تحملنا إلى أعماق عبق أزقة مراكش العتيقة بحركيتها وصخبها وفرجتها وعلاقاتها الاجتماعية ....

.

 

 

 

 

 

 

1- كما يقول الناقد التشكيلي العربي السوري : عبود سلمان ( بيروت)

2: الناقد التشكيلي العربي السوري : عبود سلمان ( بيروت): قراءة نقدية في تجربة الفنان التشكيلي العراقي المغترب فاضل الحسين: بيروت- لبنان

3- موليم العروسي وادموند عمران المليح وطوني مريني : الفن التشكيلي المغربي على موعد مع التاريخ :

4- . جاك فونتاني. سيمياء المرئي. دار الحوار. اللاذقية/سورية. 2013 ترجمة. دز علي اسعد.

5- قيس الزبيدي لوحة "الحقول الصفراء" لفان جوخ

-6 L’art vecteur du mieux vivre ensemble

: Rédacteur art: Nadim Rachiq

Secrétariat rédaction: Fatima Chbibane

Pluton-Magazine Facebook Page

7- حمادي كروم في إحدى دراساته النقدية للأفلام المغربية " أستاذ جامعي وناقد سينمائي بجامعة الحسن الثاني بعين الشق بالدار البيضاء

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق