أضيف في 2 دجنبر 2016 الساعة 20:09

قصة ''بطبوطة''


المصطفى سالمي

كانت البطة "بطبوطة" من أشد طيور (المزرعة السعيدة) حبا لنفسها، والحقيقة أنها تتصف بشدة الاكتناز لفرط التهامها للأرغفة وحبوب الذرة وغيرها من محاصيل الجد "عزوز"، كان الأخير يحابيها كثيرا على حساب باقي أعضاء (المزرعة السعيدة).

اكتمل نضج رغيف جماعة أصدقاء (بطبوطة)، أعجبها منظره المكتمل حمرة ونضجا وهو موضوع بين الأرغفة في الفرن، فكاد يطير صوابها، ستدّعيه لنفسها دون غيرها، هكذا كان يقول لسان حالها، قد تحتج الدجاجة (سندس)، والإوزة (لولي)، وهما تتكلفان بخبزه وعجنه، وستحتال أيضا على الديك (نوري) الذي يأتي بالدقيق، ويذهب بالعجين للفرن من أجل إنضاجه. انتفخ ريش البطة (بطبوطة)، وتوجهت نحو السيد (عزوز) صاحب المزرعة لتعلن له أن الرغيف لها وحدها، ولن يشاركها مخلوق فيه، استغرب الرجل تصرفها الجديد، والحقيقة أنه كان يعرف أنانية (بطبوطة)، وكان هو نفسه يحابيها على حساب الحقيقة والواقع، كان يخاف أن تكتئب وتسقط فريسة المرض، سألها أين الرغيف الآن؟ فقالت له: "إنه في الفرن، وقد اكتمل نضجه!"، رباه! هل يزيف الرجل الأحداث، هو يعلم أن تنكره لأصدقائها سيجلب له ولها نقمة الآخرين، عليه إذن أن يستجيب لطلبها بطريقة لا تقحمهما في عداوات مع (نوري) و(سندس) و (لولي)، سيعلن لهم أن صاحب الفرن: السيد (كرمل) أرسل إخبارا مفاده أن الرغيف لـ (بطبوطة)، وأن على الآخرين البحث عن مأكلهم وسط الحقول، حيث يتناثر الحب وبقايا السنابل، لا أحد غالبا سيكلف نفسه سؤال السيد (كرمل) المهيب الذي لا يجيب أصلا عن تساؤلات الآخرين بعد أن ثقل سمعه.

فرحت (بطبوطة) بالنبأ السعيد، كانت مشغولة فقط بإرضاء معدتها بالرغيف الأحمر المستدير ذي الرائحة الطيبة، لم تكن تحس بالاكتفاء والشبع حين يشاركها أكله (نوري) و(سندس) و(لولي)، إذ تغيب لديها المتعة الحقيقية المكتملة التي تهفو نفسها إليها.

قدّم السيد (عزوز) الرغيف الناضج لـ (بطبوطة) وهو يعلن النبأ الجديد، ولكن (نوري) هو من يتكلف بإحضار الدقيق للأرغفة كل يوم، و(سندس) و(لولي) من يخبزان الرغيف في حلته الجذابة؟! و(كرمل) لا يحق له وهو مجرد صاحب فرن أن يعين أصحاب الحقوق، هكذا احتج الثلاثة..

انزوى الأصحاب بعيدا مكتئبين، ثم ـ بعد لحظات ـ تناسوا الأمر، وبدت السعادة عليهم وهم يتناولون مأكلهم وسط الحقول الزاهية، لقد تأسفوا على خيانة (بطبوطة) لصداقتهم، فالأخيرة لا تملك سوى لوحٍ يوضع عليه العجين في رحلة نقله إلى الفرن، وهي تسمي نفسها: "مخرجة مشهد الرغيف اليومي".

انفردت (بطبوطة) بالرغيف الذي كانت تنتظره جالبا لكل السعادة المنتظرة اللامحدودة، لكنها وجدت نفسها وحيدة، فليكن!! ستلتهم وتلتهم، ثم تغني: "بَطْ، بَطْ، بَطْ.."، لكن الأكل فقَدَ معناه وإحساسه، كان الشعور باللذة يتم فقط في حضور الجماعة، إنها وهي تأكل وحيدة لا تشعر بأي إحساس بالمتعة المعتادة. هل تُراه الندمُ على التسرع؟! أبدا، "فلْتَعُمَّ اللعنة عليهم جميعا" رددت أعماق (بطبوطة)، هل كانت لتتركهم يسرقون رغيفها، الرغيف لـ (بطبوطة) و(بطبوطة) هي صاحبته.. هذا وقد طمع (خنفوس) الحجل الرومي في نصيب من الرغيف، فجعل من نفسه نصيرا للبطة (بطبوطة)، وزعم لها أنه شاهد أنه رغيفها، لكنهما اختلفا سريعا حين كشف عن أطماعه وسرق كسرة منه، فزادت هذه الخصومة الطين بلّة، وانكشف انتهازي آخر.

مرّ ذلك اليوم بسرعة، وتلته أيام اخرى، تُرى من سيشارك في إعداد رغيف جديد؟! مَنْ يأتي بالدقيق؟، مَنْ يقوم بخبزه وعجنه؟!، كانت جماعة (نوري) و(لولي) و(سندس) قد عرفت حقيقة (بطبوطة) الأنانية الجشعة، لقد خسروا رغيفا وصداقة زائفة، ولكنهم تعلموا أن لا يعاشروا أمثال (بطبوطة) الانتهازية، وأسسوا لعلاقات جديدة قائمة على تبادل الأدوار، واقتسام الرغيف بالمساواة والعدل، فالمزرعة السعيدة لا ينبغي أن يحتكم أصحابها سوى للصداقات الدائمة ورح المحبة والوفاء.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق