أضيف في 2 دجنبر 2016 الساعة 12:23

إعجاز الخالق سبحانه وتعال في خلقه


مجدى الحداد

لازلت أتذكر وانا فى عامي الخامس تقريبا  ؛ أن والدي كان قد أرسل كموظف مدني في القوات المسلحة ــ وكان رحمه الله يعمل بمعسكر الجلاء التابع للجيش ــ ضمن بعثة عبد الناصر لليمن لتدعيم الثورة اليمنية ضد حكم الإمام . وكنت قد ألححت على والدتي رحمة الله عليها ، وفي أثناء سفر والدي ، أن تسمح لي بشراء دود القز من أسرة قريبة من منزلنا ، و متخصصة تقريبا في تربية وتسويق دود القز بكميات كبيرة . فأرسلتني والدتي مع شقيقتي الكبرى ، ومع كل منا علبة كرتونية صغيرة ومثقوبة فى أعلاها لكي يتنفس منها الدود الذي سوف نضعه فيها مع بعض أوراق التوت التي سوف يقتات منها ويتغذى عليها .

وكانت سعادتنا لا توصف حتى ونحن أثناء سيرنا لشراء الدود ومع كل من تقريبا قرش ونصف القرش ــ أي ثلاث تعريفة ، والتعريفة كانت عملة سارية فى ذلك الوقت ، وهي نصف القرش ، وحيث أن الجنيه الواحد به مائة قرش . وكان رغيف الخبز فى ذلك الوقت ، وبحجم كبير جدا قياسا حتى بأفخر العيش الشامي الآن ، ومصنوع من أفخر أنواع الدقيق ، بتعريفه ..!

وبعد أن اشترينا دود القز أنا وشقيقتي لم أصبر حتى الذهاب إلى البيت لمداعبته وملامسته وهو متمدد ومنتشر في علبتي الخاصة . ففتحتها أثناء سيرنا في الشارع وصرت ألامسه بأصبعي ، وكان حتى ملمسه ناعم وفريد ورطب وبارد قليلا . وقد كان ذلك في حد ذاته كفيلا بأن يغمرني بسعادة لا توصف في ذلك الوقت .

لكن ؛ من قال أن سعادة حتى الأطفال فى عمر الزهور يمكن أن تكتمل حتى ولو لبضع لحظات معدودات . .؟! .. حيث قد حدث أثناء سيرنا بالشارع أن فوجئنا بطفلة أخرى في نفس عمرنا تقريبا تمشي بمفردها ــ وربما لهذا السبب ولحكمة والدتي رحمة الله عليها أرسلت معي شقيقتي الكبرى ــ وتسبقنا قليلا ، و معها أيضا ليس علبة مثلنا ، ولكن فقط ورقة توت وعليها بضع دودات قز ؛ وإذا بأحد البلطجية ؛ وكان شكله وهيئته بالنسبة لنا كالمارد الضخم المشرد القادر على افتراس و تحطيم وتدمير ودهس أي شىء فى طريقه حتى ولو لم يؤذيه . وكان أن استوقف بالفعل تلك الفتاة بالفعل وخطف منها ورقة التوت وما عليها من قز ؛ والذي وقع الآن على الأرض فدهسه بقدميه اللعينتين .. ! .. وكان ذلك المشهد من أقسى المناظر المؤذية والمؤلمة ، والتي حفرت أخدودا في نفسي وأنا في ذلك العمر ، والتي لم أنساها حتى الآن . لأنه ربما لم يتكرر بنفس الكيفية مرة أخرى في حياتي وإلى الآن بفضل الله .

لكن ، ربما ، وبسبب خراب النفوس وانتزاع روح الحياة والرحمة ذاتها من النفس البشرية ، وإلى جانب أشياء أخرى كثيرة ــ ليس هذا مقام حصرها وذكرها وسردها الآن ــ أنزل الله علينا جميعا كارثة و هزيمة يونيو 67 حيث أخرجنا ، وهُجرنا من ديارانا لبضع سنوات .

و لكن حتى بعد عودتنا إلى ديارنا ؛ فلم تكن تلك العودة بأية حال بأفضل من ديار وسنون ؛ أي زمان ومكان ؛ الهجرة ذاتها ، والتي سبقت ما قيل أنه نصر ، بدليل أن العديد من العائلات ، وحتى الأقارب ،أثروا البقاء في محافظات ــ وربما أيضا دول ، وفى حالات أخرى عديدة ..! ــ المهجر عن العودة إلى الديار .. وربما يتماثل ذلك تماما ، ويكاد حتى يتماهى هذا الوضع حقيقة مع سنوات التيه التي ابتلى بها الله سبحانه وتعال بني إسرائيل ، عندما عصوا الله فى عدم الامتثال لما أمرهم به نبي الله موسي عليه السلام ..!

ومهما يكن من أمر ؛ فعندما شاهدنا ذلك المشهد المؤلم أنا وشقيقتي الكبرى عدونا كالريح المرسلة وهي ممسكة بإحكام بيدي ولم نتوقف إلا ونحن ندق بعنف على باب منزلنا لكي تفتح لنا والدتنا ؛ والتي كانت بانتظارنا بالفعل وتراقب وتترقب مجيئنا ؛ وحتى دلفنا بسلام وفضل الله إلى منزلنا .

وأتذكر اننى كنت قد تركت كل شىء وتفرغت تماما لمراقبة ومداعبة وملامسة دود القز الخاص بي . وأراقب كيف كانت الدودة في دورة حياتها تبخ الحرير من فمها لتنسج شرنقتها ، والتي كانت ؛ سبحان الله ؛ سبحان الخالق ؛ تأخذ أحجاما وألوانا مختلفة بين الأصفر والأبيض والذهبي ، وربما أيضا غير ذلك ، وبدرجات متباينة متجانسة مجتمعة أو منفردة ، من ذات الألوان الآنفة الذكر أيضا . لكن ما إن اختفى الدود داخل الشرانق حتى صرت أبكي بحرقة ، وأشكو لوالدتي اختفاءه . وكانت رحمة الله عليها تضحك عاليا ، وكثيرا ، من فعلي هذا ، وكانت تقول لي سوف يعود مرة أخرى وبكثرة بعد أن تبيض الفراشة .

وهنا في حقيقة الأمر المعجزة الإلاهية الربانية الفريدة ، والتي كفيلة بحول الله ، أن تحرك حتى الجماد بله الملاحدة من بني الإنسان .. فسبحان الله الذي جعل الدودة ، وأثناء دورة حياتها ، تنسج بنفسها قبرها ، ومن غير تملل أو تردد أو اعتراض أو حتى امتعاض ، وحيث سوف تذهب فيه إلى الأبد وتتحول فيه بعدئذ إلى كائن أخر ، وهو اليرقة ثم الفراشة ، والتي سوف تموت أيضا بعد أن تضع البيض الذي سوف يفقس بعدئذ دودا أخر ، أو بالأحرى جيلا أخر جديدا من دود القز ، وهكذا دواليك في استمرار وتكرار هذه الدورة الفريدة والعجيبة والمعجزة من الحياة ، والتي لا يتكرر فيها دود القز ذاته ؛ ولكن أجيالا جديدة منه ، أو من نسله ..!

ولا أعتقد هنا ؛ أنه مهما أُتي الإنسان من علم وتكنولوجيا ، ومنذ بدأ الخليقة ، وحتى قيام الساعة ، وحتى ولو اجتمعت كل تكنولوجيا العالم ، وفي أية وقت من الأوقات ؛ بقادرة على أن تقوم مجتمعة ، أو منفردة ، بما تقوم به دودة واحدة فقط من دود القز .. فسبحان الله ربي الخالق الخلاق المبدع البديع العظيم الواحد الأحد المحيي المميت الواجد الماجد الصمد .

ولكن أليس من الغريب هنا أن نجد الدود يمتثل لأوامر الله ولا يتمرد على خالقه ولا يعصيه ؛ ويرفض مثلا عمل الشرنقة التي سوف يتحول فيها إلى كائن أخر سوف يموت أيضا هو الأخر بعد أن يفقس بيضا ، والذي سوف يخرج دودا أخر سوف تتكرر معه ، وكما أسلفنا ، دورات الحياة الخاصة به دورات ومرات أخرى وإلى يوم القيامة ، لكنه مع ذلك لا يتمرد مع تكرار تلك الدورات من الحياة ؛ لكن الإنسان العاقل المكلف يفعل ذلك وأكثر ويتمرد على خالقه ؛ بل حتى ، وفي أحيانا كثيرا ينازع الله سبحانه وتعال ــ أستغفر الله العظيم ، أستغفرك ربي وأتوب إليك ــ في ألوهيته ، وكما فعل فرعون سابقا ، والولايات المتحدة والصهيونية العالمية الآن ..؟!

وأكثر من ذلك فإننا قد رأينا كيف أن بشرا يدهس ويسحق بشرا أخر تحت جنازير الدبابات في سوريا والعراق ، كما رأينا كذلك كيف أن بشرا يحرق بشرا أخر في بورما وغيرها ، كما رأينا كذلك كيف أن بشرا وفي كوكبنا هذا التعيس يأكل بشرا أخر ومن ذات الجنس الذي ينتمي إليه ــ أي الجنس البشري .. !

لكننا فى المقابل لم نجد فى عالم دود القز الغير عاقل ، والذي يبدو في كل دورة حياته انه يعمل وفق منهج ومنهاج ونظام محكم ودقيق وصارم لا يقبل حتى أية هامش من الخطأ ــ بله الخطيئة والخطايا في دينا البشر ــ دودا يقتل دودا ، أو دودا يأكل دودا ، أو دودا يحرق دودا ، أو دودا يحتل شرانق دود أخر ويستولى عليها ،  وهي ليست له ؛ لكن الإنسان العاقل المكلف يفعل ذلك وأكثر ..!

أيها السادة ، أعتقد أن فلسفة وقصة الخلق بأسره موجوده هنا ، و ربما مختزلة كذلك ؛ في دورة الحياة الخاصة بدودة القز ، والتي ينبغي أن نتعلم منها أداء المطلوب من كل منا في حياته ــ وحتى في مماته ــ ؛ على الأقل لكي تستمر الحياة ذاتها ، وكما علمنا الله سبحانه وتعال كذلك ؛ ومن طريق الغراب ، وفي قصة قابيل وهابيل ؛ كيف يوارى الأول سوءة ما فعله بأخيه ..!

مجدي الحداد

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : مجدى الحداد

, مصر


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق