أضيف في 2 دجنبر 2016 الساعة 00:40

تراب واغتراب


المصطفى سالمي

                                      1 ـ بداية الحكاية

بدأت ترمق تحركاته بكل الكره والمقت الذي يمكن تصورهما في زوجة الأب، كان (عبد السلام) وقتها في العاشرة من العمر، يتردد على الكُتاب منذ ثلاثة أعوام ، وتلك كانت وصية أمه التي ماتت وتركته في السادسة من عمره، كانت تريده أن يصبح فقيها مثل والدها يـنعت بـ "فقيه الدوار". ماتت البتول وهي توصي قدور زوجها بتعليم عبد السلام، لم تكن تريده أن يمتهن مهن البادية : رعي الأغنام في الصغر أو احتراف بيع الأغنام في الأسواق الأسبوعية في أحسن الأحوال ، أو مزارعا كما هو شائع في أرجاء بادية "عبْدة" المترامية السهول.

كانت "فاطمة" زوجة الأب قد رزقت بولد وبنت: "الحفيظ" و"رقية"، وكانت تكره أن يذهب عبد السلام كل صباح ومساء إلى الكـتّاب يحفظ القرآن ويصبح فقيها، في حين تقوم هي على خدمته، ولما غادر "سلاّم" راعي أغنام السيد قدور البلدة دون سابق إعلام وجدت فاطمة الفرصة مواتية لمطالبة زوجها بدفع (عبد السلام) للرعي ريثما يجدون راعيا بدلا من "سلاّم" خصوصا وأن أغلب شباب الدوار ما عادوا يرتضون لأنفسهم مهنة اسمها : "راعي الأغنام" . ويفضلون عليها التوجه للمدينة وامتهان مهن ولو كانت صعبة ـ كالبـِناء ـ إلا أنها مربحة وفي أجواء الحرية دونما معاناة حر الصيف وانهمار أمطار الشتاء وقسوة حشرات البادية خصوصا بعد أن تذوقواـ أو بعضهم ـ ليونة العيش بالمدينة حينما تشتد وطأة الجفاف فيمتهنون بيع بعض الفواكه الموسمية لبعض الوقت قبل أن يعودوا لحياتهم الصعبة بالبادية.

لكن السيد " قدور" كان رده حازما قاطعا:("عبد السلام" سيبقى في الكتّاب حتى يحفظ ستين حزبا كاملة ويصبح فقيه هذه الناحية ). تجمع الحقد والغضب والكره وكل إحساس أسود دفين في نفس فاطمة، وانتظرت الفرصة المناسبة ليتفجر كل ما بداخلها براكينَ وعواصف.

بدأ "الحفيظ" يكبر ، وكذلك أخته رقية، وبدأت فاطمة أمهما تنهرهما عندما يلعبان مع (عبد السلام) وخصوصا عندما يغيب قدور في الأسواق البعيدة لممارسة بيع الأغنام والأبقار، كانت حينها تـفرغ بعض غلّها على عبد السلام من خلال انفرادها وولديها بأكل الطعام ورمي عبد السلام بالعظام.

كان عبد السلام يكتم تلك السلوكيات من زوجة أبيه مخافة أن تزيد من بطشها اتجاهه، وكان من عادة طلاب الكتاتيب أن يأتوا بمبلغ مالي زهيد للفقيه مرة في الأسبوع يسمى:"لاربعية"، و عبد السلام حين يطالب والده بهذا المبلغ تسارع زوجة أبيه إلى مطالبته بمساعدة أخيه "الحفيظ"في الرعي قائلة : "الحفيظ الطفل الصغير يرعى الغنم وعبد السلام ولد البتول يذهب للكتاب ويأخذ فوق هذا مالا للفقيه، يا له من عدل ! عليه بالاشتغال ولو ليوم أو يومين بالأسبوع ".

ووجد عبد السلام نفسه يمتنع ـ لهذا السبب ـ عن مطالبة والده بالواجب النقدي مكتفيا بدفع واجب المحصول للفقيه ، وهو عبارة عن مثقال من الزرع يأخذه معه للكتاب بضع مرات في العام. لكن فاطمة فطنت لهذا الأمر ومنعت عبد السلام من هذا الواجب أيضا بدعوى حاجة البهائم له في ظل الجفاف وتناقص البذور .

اضطر عبد السلام للتوجه إلى دوار "العْجاين " عند "حسناء" شقيقته الكبرى المتزوجة هناك . كانت فاطمة تكره حسناء كره العمى لأنها تزوجت مباشرة عند ولادة الحفيظ، ولم يتسن لها أن ترهقها بأشغال البيت كما كانت تود وتخطط، وخطط لها القدر شيئا آخر، كانت ستستفيد منها أكثر من عبد السلام باعتبار أشغال البيت التي لا أول لها ولا آخر ، فضلا عن أعمال الحقل وكثرة الأبقار والأغنام وما يتطلبه ذلك من عناية، لكن زواج حسناء التي كانت اسما على مسمى وفي سن مبكرة ـ على عادة أهل البادية ـ مثل خلاصا لها.

حكى عبد السلام لأخته بعضا من معاناته وكيف تلح زوجة أبيه في خروجه من الكتاب لمساعدة الحفيظ في الرعي، وأنها تمنع عنه واجب الفقيه، اقترحت حسناء على أخيها أن يجمع السنابل المتناثرة في الحقول في هذه الفترة من الصيف ويشكل منها المقدار المطلوب ويضعه في كيس صغير ولن ينتبه أحد لهذا الأمر ولن تفطن له حتى زوجة أبيه ، وأبدت حسناء أنها لا تمانع في أن تعطيه المقدار المطلوب من محصول زوجها ، ولكنها تخاف ردة فعل زوجة أبيها اتجاهها ، أو أن توغر صدر زوجها عليها وتسبب لها في متاعب هي في غنى عنها .

                               2 ـ صوف وغزل

تمر الأيام عصيبة على (عبد السلام)، وتشتد وطأتها مع مرض والده، إذ أصبحت القسوة علنية بل وأحيانا على مسامع السيد قدور نفسه.

كان فقيه الدوار السيد "الهرواكي" على علم ببعض ما يتلقاه أحد أفضل طلبته من زوجة أبيه، ولم يعد يلح في طلب الواجب، ولكنه لا يريد أن يُعرف عنه أنه يتراخى في "لاربعية" أمام باقي الطلبة فيتنصلوا واحدا بعد الآخر من أداء الواجب، خصوصا وأنه لا يتلقى راتبا من الدولة ، وإنما هي أشياء عينية مثل إحضار وجبات الأكل بالتناوب بين الطلبة وتقتصر في الغالب على الأرغفة المدهونة بالزبدة الطرية والشاي، أو صحن (الكسكس) خاصة يوم الجمعة .

أصبح الفقيه يتعاطف أكثر مع عبد السلام وخاصة مع اقتراب امتحان نهاية الحفظ أو ما يسمى بـ:"عرس الطالب"، ولكنه كان يتألم وهو يرى طالبه ـ الذي يساعده في إعداد الألواح وتحفيظ باقي الطلبة المبتدئين ـ وهو يرتدي جلبابا ممزقا ، في حين يشار لوالده "الكسّاب" بالبنان . لقد قام والده بدزّ الأغنام منذ أسابيع فقط، ويكفي أن يطلب من إحدى نساء الدوار أن تنسج ثوبا من الصوف ويذهب بابنه للسوق عند الخياطين ليأخذ مقاسه وفي أقل من أسبوع يصبح الجلباب جاهزا، أو تُراه لا يبصر ولا ينظر إلى ابنه كل هذا الوقت ؟ !

كان قدور فعلا كثير الأشغال، يتتبع الأسواق التي هي بعدد أيام الأسبوع، وحين ذكّره عبد السلام بحالة جلبابه رد الوالد في تصميم: "مأكل الأولاد تجارة وملبسهم خسارة ".

وفهم عبد السلام حينها أن الناس في البادية يعلفون الأولاد كما البهائم للاشتغال في أعمال الحقل بإنتاجية ، أما اللباس فالقديم والممزق يفي بالغرض.

وتوجه عبد السلام عند شقيقته الكبرى التي طالبته بالإتيان ببعض الصوف من بيت والده وأنها ستقوم بنفسها بنسج جلباب يليق بمشروع الفقيه المنتظر . لكن زوجة الأب عوض أن تعطي عبد السلام الصوف الذي تم دزه حديثا أعطته صوفا قديما استهلكته الأَرضة ولم يعد يصلح لشيء .

كان السيد قدور وأخوه المكي من أكبر وجهاء تلك الناحية، وكان الكل يتداول قصة قدومه مع أخيه من ناحية "دكالة" واستقرارهما بجانب القنطرة بعد أن اشتريا أرضا وقيل وقتها إنهما كانا مطاردين من المستعمر وأعوانه ، وقيل كذلك إنهما باحثان عن الثروة واستغلال تجاربهما في التجارة وطرق تجفيف التين والعنب. وقبل قدومهما كانت هذه الفاكهة تستهلك طرية وما يتبقى يصيبه الفساد أو تأكله الماشية أو الديدان، لكنهما حين قدومهما أدخلا تقنية تجفيف التين بالخصوص، حيث كانت جهة "جزولة" تشتهر بأجود أصنافه، وفجأة أصبحت أسطح البيوت ـ في فصل الخريف ـ مفروشة بالتين المجفف والذي ما يلبث أن يستقر في حبال الدوم المفتول ويباع في الأسواق بأثمان مرتفعة. ولم يبخل قدور والمكي بأسرار التجفيف التي تعلماها في سهول "دكالة" عن أحد . بل استفاد الكل واغتنت البلدة وسارع وجهاء المنطقة إلى التقرب منهما أكثر . فعرض السيد "أدحيم" على قدور تزويجه ابنته "البتول"ـ وهي أم عبد السلام ـ وحين ماتت البتول أراد الشريف الجزولي أن لا تفوته الفرصة خصوصا وقدور صاحب كثير من الأبقار والأغنام ، وهو تاجر كساب، فتوسط له أهل الخير ليزوجه ابنته فاطمة.

كان أهل "عبدة " يهتمون بالأجنبي أكثر من ابن الدار ، لاسيما وأن البدو منهم أغلبهم فقراء يعتمدون فقط على فلاحة الأرض وليست لهم اهتمامات تذكر بالبيع والشراء لأنهم متحفظون يخافون المغامرة، والتجارة تحتاج إلى جرأة ومخاطرة.

وأما المكي شقيق قدور، فقد ألمّ به وباء احتار الناس في تصنيفه ومات وهو في ريعان شبابه.

ومن كثرة ما كان يلقب قدور في المنطقة بـ:"القنطري" نسبة إلى القنطرة التي كان مسكنه يجاورها ، فقد اختار لنفسه هذا اللقب والذي أصبح بالتالي لقب ذريته ـ بعده ـ في الأوراق الرسمية.

ها هو السيد قدور قد اشتد عليه المرض، وأمنيته الوحيدة أن يرى ابنه عبد السلام يجتاز امتحان الحفظ ويشهد له الجميع بأنه أصبح فقيها حتى وإن كان ما زال فتى لم يكمل الرابعة عشرة من العمر، وجاءت حسناء لزيارة أبيها المريض، وما إن لمحت شحوب عينيه الغائرتين حتى انهمرت عيناها بالدموع ، وجاءت فاطمة بالشاي وبعض الأرغفة المدهونة، وانصرفت إلى أشغالها لأنها ما كانت تطيق مجالسة من تمثل صورة من شبح ضرتها.

وبعد حديث وشجون، وقبل أن تعود "حسناء" إلى بيتها طلب منها والدها أن تأتي له بشيء ملفوف في ثوب، فأحضرته وفتحته بعد أن أشار لها بذلك، فإذا به صوف مغزول بعناية فائقة ثم تمتم الأب : "هذا الصوف اشتريته من السوق وأريد منك أن تنسجي منه جلبابا لأخيك الذي سيجتاز قريبا امتحان الحفظ وأريده أن يرفع رأسي عاليا، لا تتأخري في هذا الأمر يا ابنتي !"

كانت "حسناء" تحني رأسها تاركة أباها يتكلم ولم تقاطعه، وكأنما كانت تستمع لألحان عذبة، أو كأنها ترتوي من منبع تعلم أن الزمن سيحرمها منه عما قريب.

قبلت حسناء يد والدها وهي تنصرف منتشية بكلمات الرضا ودعوات الخير تنهمر على مسامعها . 

3ـ فرح وحزن

كان الحفيظ ورقية يحبان أخاهما عبد السلام، ولكنهما كانا يخافان عواقب عدم الامتثال لأمهما، لذا كانا يلعبان معه في الحقول البعيدة عن مرمى بصر الأم، وفي البيت يوهمانها بعداوة مصطنعة. وقد ندما في تلك الليلة المشؤومة عندما شاركا أمهما في رمي العظام باتجاه عبد السلام بعد أن انفردا بالأكل دونه.

كان أسوأ شيء يمكن أن يتعرض له عبد السلام هو حرمانه من أكل اللحم، يستطيع تحمل أي حرمان إلا هذا النوع القاسي من العقاب. كان كأبيه وعمه يحبون اللحم حبا جنونيا لدرجة أن الآخرين كانوا يرجعون ذلك لجذورهم (الدكالية) المهووسة بالأكل عموما.

كان أهل " عبدة " حين يشاركهم الغريب أو الضيف الأكل يتصنعون في مأكلهم ويأكلون بأطراف أصابعهم حتى ولو كان الجوع يقطع أمعاءهم ، بينما أهل "دكالة" حين يحضر الأكل، لا يهتمون لأحد ولو كان " القايد سي عيسى "واقفا على رؤوسهم، ويروون في البلدة أن قدورا وأخاه كانا يأكلان بصوت مسموع كأنه الشهيق والزفير مختلطين بالمضغ، وحيث اللقمة ممزوجة باللعاب والأسنان التي تصطك وتطحن الأخضر واليابس.

"العبديون" يتساهلون في الأكل ويقبلون اليسير منه ، بينما "الدكاليون" إذا تأخرت الزوجة في إحضار وجبات الإفطار أو الغذاء والعشاء فالويل لها كل الويل. ويروي أهل "عبدة" و "دكالة" الحكايات الكثيرة في هذا الشأن ، من ذلك أن امرأة حسناء اسمها "دنيا " ضربت موعدا مع "العبدي "، ولكنه تأخر منهمكا في الاهتمام بمظهره ووضع العطور وارتداء أحسن جلابيبه وأجمل نعاله، وحين خرج لم يجدها فقيل له: ( إن "الدكالي" كان يقف متسخا حافيا ملطخا بروث البهائم فرافقته المسماة "دنيا")، ويشار بذلك إلى أن الدكالي تأتيه الدنيا ولو لم يضرب معها موعدا وأنه يأكل رزقه في السوق وفي بيته بينما يهتم العبدي بالمظاهر الخادعة والمسكن الأنيق وهو لا يجد ما يقتات به.

لقد كان (عبد السلام) يحب الأكل حبا كبيرا، وكانت زوجة أبيه تعرف هذا الأمر وتسعى دائما لأن تعاقبه من نقطة ضعفه، لكنها كانت في الحقيقة تكره أمه البتول التي كانت معروفة في المنطقة كلها بالجمال الباهر ، كانت النساء في كل الدواوير المجاورة يتحدثن عن سحر هذا الجمال، وكانت البتول تنتمي إلى جهة البحري المعروفة بطيبة أهلها وصفاء نفوسهم، بينما فاطمة تنتمي إلى جهة القبلي التي يتصف أهلها بالشح وحب جمع المال وانعدام الوسامة. وقد اكتشف قدور بعضا من صفات فاطمة، ولكن متأخرا، وصعب عليه إصلاح ما يمكن إصلاحه، ولم يشأ أن يدخل مع الزوجة الجديدة في صراع ومشادات تنتهي بأن يعادي الشريف الجزولي صاحب المكانة الرفيعة في المنطقة وهو أيضا صديق القايد السعيدي.

كان عبد السلام ـ كأخته حسناء ـ يشبه أمه البتول في جمال العينين واقتران الحاجبين، واستدارة الوجه ودقة الشفتين، وكانت فاطمة تعيره باستمرار بأنه مجلب النحس لأنه مقرون الحاجبين، وكأن الحسن هو من سوء الطالع .

حل اليوم الموعود . إذ بعد رمضان مباشرة حدد الفقيه (الهرواكي) بالتنسيق مع السيد قدور موعدا لاجتماع رجال الدوار لحضور عرس الطالب عبد السلام.

أعدت النساء طعام الكسكس وأطباق التمر والحليب والحلوى وترددت أصداء الزغاريد في أرجاء المكان، ورفرفت الفرحة في القلوب إلا قلبا واحدا كان يتميز غيظا، وكان (عبد السلام) يلبس جلبابه الجديد ويمسك بذراع والده السيد قدور الممسك بعكازه على غير العادة بسبب الوعكة الصحية التي ألمت به.

وفي (الجامع) تهلل وجه الوالد وهو يسمع صوت ابنه يتلو كلام الله. كان عبد السلام يمتلك صوتا رخيما نفاذا في النفوس، وقد منحه الله ملكة الحفظ والاستيعاب، وهذا ليس متاحا للجميع، فقد حاولت فاطمة الضغط على ابنها (الحفيظ) بكل وسائل الإغراء والترغيب للذهاب للكتاب، ولكن دون جدوى، فهو يريد اللعب واللهو فقط.

وفي المساء أحس قدور براحة كبيرة وكأنما انزاح عن صدره جبل أحد، وفي الصباح تعالى صياح مزعج، لقد انقشع فجر يوم جديد عن جثة باردة بلا حراك لرجل كان سيدا من سادة الناحية كلها.

4 ـ نحو المجهول

قبل أن يصبح ذلك الصباح المشئوم، كان قدور قد طلب من ابنه عبد السلام أن يرافقه عائدين من الكتاب بعد حفل تخرجه فقيها. وفي المساء انفرد به بعد تفرق الطلبة ورجال القرية، وبعد طعام "الكسكس" بالدجاج في وجبة الغذاء ووليمة أخرى في المساء إذ ذبحت فيها الذبيحة وكانت عبارة عن أكبر كبش في حظيرة السيد قدور.

وقبل أن يخلد الوالد للنوم الأبدي طلب من ابنه عبد السلام أن يقترب منه، وكان أكبر اقتراب تلاه أكبر ابتعاد، وهنا أعلن له ما لم يسبق أن أعلنه لأحد من قبل، تحركت شفتا السيد قدور:

ـ أتعرف يا بني أن جذورك الحقيقية تمتد في قلب بلاد (دكالة).

وانتظر الأب أن يصل مفعول كلامه للحظات قبل أن يردف:

ـ هنا أيضا أهلك وبلدتك . لكن أصولك في بلدة : "أولاد عمران" جئت إلى هنا بعد موت جدك وقبله جدتك. أنا وعمك المكي رحمه الله كنا نقاوم المستعمر بالسلاح، ولما اشتدت عملية تصفية المقاومين جئنا إلى هنا في هيئة كسّابَين يتاجران بالأغنام، وأقمنا هنا. لا تنس هذا الأمر يا ولدي.

لم يكن عبد السلام يريد أن يوقف كلمات الوالد وهو يسرد قصة حياته، ولم يكن في نفس الوقت يريد أن يثقل عليه بالأسئلة الملحة التي كانت تشغل باله بل وتستفزه تُرى لماذا لم يعد الوالد إلى بلدته بعد الاستقلال ؟، ولِم لا يسافر البتة إلى هناك؟، وهل هناك أهل أو أقارب؟

أسئلة كثيرة يطرحها عبد السلام على نفسه فقط ولا يريد أن يثقل على والده، وربما جاءت مناسبات أخرى لطرحها.

ولكن المناسبة لن تأتي أبدا، فقد رحل قدور إلى بارئه في تلك الليلة وابتسامة ارتياح بادية على محياه.

مر الأسبوع الأول وزيارات التعزية لا تكاد تنقطع. وفي بدايات الأسبوع الثاني ، وفي المسجد بعد صلاة العشاء ، وقبل العودة للبيت نادى " الفقيه الهرواكي" على عبد السلام وهمس في أذنه بصوت لا يسمعه باقي الطلبة:

ـ أعرف أن هذا ليس وقت الحديث في أي شيء، ولكني أرى أنك الآن رجل تفهم، والدك رحل وأنت ينبغي أن تعتمد على نفسك.

ـ نعم أفكر في هذا الأمر.

ـ لدي رسالة ينبغي أن تحملها لفقيه (الجامع الأبيض) بالقرب من قبّة ضريح (سيدي سعيد)، فهو يريد أن ينيبك عنه في الصلاة، إنه مريض ما عاد بمقدوره أن يؤم الناس ولا أن يشرف على تحفيظ الطلبة القرآن .

مد الرجل الطاعن في السن الرسالة وبدت يده المرتعشة وقد اخترقتها عروق وتجاعيد تراءت على ضوء الشمع كبقايا نهر جاف نضب ماؤه منذ زمن .

أمسك عبد السلام الرسالة المطوية ودسها في غطاء جلبابه الجديد، وأرخى الغطاء على ظهره.

انصرف الشاب إلى بيته، فوجد زوجة أبيه و الحفيظ ورقية يتناولون العشاء، فتمتم:

ـ مساء الخير (أمي فاطمة).

وهي من المرات القليلة التي ينادي فيها زوجة أبيه بهذا الشكل، كان يحس بتأنيب الضمير أحيانا اتجاه أمه وهو ينادي زوجة أبيه بشيء لا تستحقه ولو كان مجرد كلمة. ولكنه كان يأمل أن تحس به وكأنه ابنها، وكأنه (الحفيظ) يناديها. لكن الرد كان هذه المرة مختلفا من جانبها، كان ردا سريعا وقاسيا:

ـ الله يعطيك "الغمة" أيها العدو.

وما كاد يستفيق من صدمة هذا الرد حتى تلقى عظمة في وجهه أصابت عينه اليسرى مباشرة.

صرخ عبد السلام متأوها وعاد أدراجه باتجاه المسجد، تمنى أن لا يجد أحدا به، وفعلا كان الأمر كذلك، فقد كان الطلبة يجمعون الألواح بعد صلاة العشاء مكتفين بقراءة الحزب مباشرة بعد صلاة المغرب. دفع الباب الموارب، وكان هذا الأخير لا يتم إغلاقه، وفي الظلام تمدد على الحصير وانهمرت دموعه حارة ساخنة بلا انقطاع، وارتمى في ما يشبه الموت، وفي سطوة هذا النوم رأى صورة والده، كان المشهد في منتهى الوضوح وصداه يقول له:

ـ رغيف الخبز هناك يا ولدي، ووسطه قطع اللحم التي تحب!

هب الفتى من نومه متحسسا ما حوله، لم يكن قد نام سوى ساعتين من الزمن، شعر بأنه من الأنسب له أن يغادر المسجد قبل الفجر وقبل أن يأتي المصلون لأداء صلاة الصبح، وانتعل نعله وانطلق في الظلام الدامس. وبدأ يفكر في الرؤيا. "الرغيف" هو لقمة العيش التي تنتظره هناك بعيدا، بعيدا جدا، وتراءت له الأضواء في بلدة (جزولة) المسماة: "الفيلاج". هي مدينة صغيرة تبعد عن مدينة آسفي بما يزيد عن عشرين كيلومترا، لكن الأنوار خادعة، تقرب المسافات، فهل يقطعها ماشيا؟، ولكن لا مفر من ذلك، وحتى لا تتقطع نعله حملها بين يديه وسار ماشيا على ضوء القمر. وأحس فجأة بالألم في عينه اليسرى المنتفخة ، وكانت حمراء كالجمرة، فعاودته الذكرى الأليمة بكل تفاصيلها. لم يفكر في الذهاب إلى شقيقته ولا عند أخواله حتى لا يدخل في متاهة الصراع حول الإرث وقسمة التركة وهو الشخص المسالم الذي لا يريد خلافات أو التسبب في أية مشكلات عائلية. وكانت صفة "سلميته" أو "سلبيته" هي أكبر صفة وسمت حياته وحياة ذريته بعده.

في جزولة تتجاور المقاهي الكثيرة . فلا تتوقف حركيتها ليلا أو نهارا باعتبار البلدة تمثل طريقا رئيسيا بين مدينتي مراكش والدر البيضاء .

الناس على الكراسي يشربون الشاي أو المشروبات، البعض يدخن السجائر بينما أصحاب الحافلات ينادون بأسماء مختلفة : آسفي أو البيضاء..

توجه دون أن يدري إلى واحدة منها وكأنما كان منوما مغناطيسيا. سأل بائع التذاكر:

ـ إلى أي مكان تتوجه هذه الحافلة؟

ردد الآخر بآلية وبصوت مرتفع وكأنه يريد أن يُسمع سكان (جزولة) أجمعين:

ـ سطات ، سطات ..!

صعد أدراج الحافلة حتى وهو لا يدري معنى (سطات) أو موقعها أو مدى قربها أو بعدها .

استقر في مؤخرة الحافلة وأرخى على وجهه غطاء الجلباب فسقطت الرسالة المطوية بين الكراسي دون أن ينتبه لها. وبعد هدير امتد لدقائق انطلقت الحافلة تطوي المسافات باتجاه سهول الشاوية .

5 ـ لقاء وتعارف

انطلقت الحافلة قبيل صلاة الفجر، أحس الفتى أنه سيفوت على نفسه صلاة الجماعة وهو الذي يحرص عليها باستمرار منذ أمد ليس باليسير، اعتدل في مكانه ليؤدي صلاته وهو على كرسيه الضيق. أحس بدبيب النمل في قدميه، وتذكر المسافة الطويلة التي قطعها ماشيا حافيا من دوار (القناطرة) إلى بلدة (جزولة) لمسافة عشرة كيلو، تيمم بحجر صلب كان يحمله معه، ثم غاب بوعيه عن دنيا البشر، وأصبح كل العالم الدنيوي طيفا من خيال.

توقفت الحافلة بثلاثاء (بوكدرة) للحظات، ثم بلدة (أسحيم)، ثم (الزمامرة)، وسيدي بنور . وفي كل مكان من هذه الأمكنة كانت تصعد أفواج وتنزل أخرى. ومن هذه الأخيرة التي هي قلب سهول (دكالة) صعد شاب يرتدي جلبابا صوفيا أبيض اللون، تبدو عليه حمرة البادية وبهاؤها، ترك أماكن فارغة كثيرة وأقبل نحو الفتى طالبا منه أن يفسح له المجال ليجلس بجانبه، كان نور الشمس قد بدأ يغمر الوجود بالضياء، وما لبث حبل الحديث أن امتد بينهما. وحين أكثر (عبد السلام) من سؤال الرجل عن مدينة سطات حيث تتجه الحافلة، سأله الأخير عن سر توجهه إليها، فحكى له الفتى قصته مع زوجة أبيه القاسية وكيف أنها كانت تنفرد بالأكل مع ابنيها، وترميه بالعظام، وماذا وقع في هذه الليلة الأخيرة، وكيف قطع تلك المسافة الطويلة في الظلام الحالك على قدميه بدون هدف محدد. وكأن الفتى بهذا الحكي كان يريد أن يتخفف من حمل ثقيل كعادة البعض الذين يسردون للغريب تفاصيل قصة حياتهم مطمئنين إلى أن لا شيء سيتسرب منها وأن لا أحد سيكشف أسرارهم ما دامت خفايا حياتهم ستتناثر مع وداع الغريب، لكن ما يخفيه القدر عن الفتى سيكون شيئا آخر مع لقاء ذاك البدوي ذي الجلباب الأبيض.

اكتشف الفتى أن الشاب يحمل هو بدوره اسم: "عبد السلام"، يا للأقدار الغريبة العجيبة! الفتى العبدي ذو الجلباب الأسود عبد السلام، والشاب الشاوي ذو الجلباب الأبيض هو كذلك عبد السلام. كأنما هما توأم مع فارق الزمان والمكان والانتماء. كان الشاب ينتمي لبلدة تسمى (الزاوية) مجاورة تماما لمدينة سطات. وكشف له أن بلدته تحتاج لفقيه يؤم الناس بالصلاة ويعلم الصبيان القرآن. لم يتردد (العبدي) في الموافقة.

نزل الرجلان بالمحطة الطرقية بسطات، من يراهما يعتقد أنهما صديقان أو أخوان لشدة التآلف بينهما وانبساط أساريرهما في الحديث والتواصل . توجها إلى أقرب مقهى، وتناولا الشاي مع بعض الفطائر، كانت المحطة محاطة بالمقاهي، تتوسطها مجموعات بشرية تسمى الواحدة منها (الحلقة)، والمَحطّة ككل تحيط بها مبانٍ تسمى (الأقواس).

رائحة المازوت مازالت تؤثر على مزاج الرجلين، وأصداء وجلبة المسافرين وباعة التذاكر لا تتوقف. البعض يُنزل الأمتعة من على الحافلات، حقائب ودواجن وسلال.. تنتظرها عربات يد صغيرة. كانت الحافلات مقدمتها تشبه مقدمة الشاحنات. المكان يعج بالمتسولين وباعة الماء في القلل والقرب وأجراس تقرع، رناتها لا تنقطع في ذهاب (السقائين) ومجيئهم على طول المحطة وعرضها.

انطلق الرجلان باتجاه شرق المدينة ـ حيث كانت عربات تجرها الدواب ـ بانتظار المتجهين إلى الزاوية، كانت هذه البلدة تُسمى أيضا (زاوية عين نزاغ). انطلقت العربة في أرض مستوية ، وكانت الطريق متربة تكاد تخلو من الحجارة، في حين أن بلدة العبدي كلها أحجار. ووجد الأخير نفسَه يقول لذاته: "تحجر في الأرض وتحجر في القلوب يا بلدتي !"

في الطريق بدأ الصديق الجديد يحكي للعبدي قصة ذهابه لبلدة سيدي بنور حيث يقطن أخوه محمد الذي تزوج منذ سنوات بسهول دكالة واستقر هناك. لقد كان محمد كثير التجوال والأسفار، وكان له صديق يتاجر في الأسواق، وتَقوّتْ العلاقة بينهما، وتزوج هناك بأخت صديقه، وآثر البقاء خاصة بعد مرض صديقه الذي لم يكن له أولاد، وتكفل بتجارته. وهنا بدأ الشاوي يسرد أهمية التجارة:

ـ إنها حتى في سنوات الكساد وضعف الرواج لا يصيبها ما يصيبنا نحن الفلاحين، إننا في سنوات الجفاف نفلس بعد أن تموت قطعان الماشية كما وقع منذ ثلاث سنوات، لقد هزلت وما عادت تقوى على الوقوف، شحت الأرض والسماء، وما عاد يجدي التفكير في بيعها وبدأت تموت أمام أعيننا الواحدة بعد الأخرى.

وكأنما أراد أن يبعد ذكرى أليمة، استطرد قائلا:

ـ أما التجارة فربحها مضمون إذا كانت سلعا في دكان كما يفعل أخي، لقد رددت له بعض المال كنت استدنته منه في سنوات الجفاف، هو لم يكن يستعجلني، ولكنني الآن وبعد الحصاد علي أن أتخفف من بعض الديون قبل أن تتسرب النقود من بين أصابعي.

كان العبدي يستمع لصديقه الجديد كأنما يسمع معزوفة موسيقية، خاصة مع إيقاعات صوت العربة وحوافر الفرس، يتخلل كل ذلك تلويح خفيف بالسوط اتجاه الأخير من طرف مرافقهما الصامت، وكأنما هو مستغرق في العالم الآخر. وأضاف الشاوي: "لقد أمضيت في دكالة أسبوعا كاملا، لقد حضرت هناك عرسا من أعراسهم. ما كنت أود الحضور، لقد تلقى أخي الدعوة وأراد الاعتذار متعللا بوجودي، فألح هؤلاء على حضورنا نحن الاثنان".

ولما لاحظ صمت العبدي استطرد قائلا: "عجيب أمر هؤلاء (الدكاليين) ترقص البنات والزوجات والرجال والأولاد دون خجل، الكل مختلط، حالهم كحال نساء الدار البيضاء في قلة الحياء".

وهنا قال له العبدي: "وهل سبق لك الذهاب للدار البيضاء؟"

ـ نعم كثيرا ما ذهبت عند أختي المتزوجة هناك، وألاحظ تبرج النساء اللواتي يخرجن للشوارع دون جلباب ونقاب.

كانت نساء آسفي و(جزولة) يرتدين "الحايك" في الغالب، وهو ثوب كبير تلف فيه المرأة نفسها، ولا يظهر منها إلا وجهها، ولا يكون معه نقاب على الوجه. أما في سطات والمناطق المجاورة فالجلباب مع غطاء الرأس يغطي كل الجسد، ثم فوق ذلك النقاب الذي يغطي الوجه، ولا يبقى ظاهرا إلا العينان.

وفجأة تباطأت حركة العربة، وظهرت بنايات قليلة بيضاء يتوسطها مسجد بصومعته الصغيرة. كانت هناك أسئلة كثيرة تستفز عبد السلام العبدي، ولكنه كان ينتظر الفرصة المواتية لها.

في بيت متوسط عليه حصير وكساء وبعض الوسائد. كان الرجلان يحتسيان الحساء، ثم تناولا الشاي والخبز وعجة البيض البلدي المقلي على الطريقة البدوية التقليدية.

وبعد الانتهاء وغسل اليدين، خرج الصديقان للتجول في البلدة، كانت الأخيرة أقرب لطابع البادية وسماتها منها كونها حاضرة. امتيازها الوحيد هو القرب من مدينة سطات عاصمة الشاوية، ثلاثة كيلو هي الفاصل، بل إن المدينة تُرى بالعين المجردة من هنا. كانت البلدة تسمى : "عين نزاغ" لأن بها عينا من الماء، ولأنها كثيرة الآبار، ولا أحد يعرف لماذا سميت هذه العين بهذه التسمية.

وبالاقتراب من مسجد البلدة وجد العبدي الفرصة المواتية للسؤال:

ـ تُرى، ألم يكن لهذا المسجد (فقيه) بالمرة؟

أجاب الشاوي:

ـ كان له كثير من الفقهاء، ولكنهم جميع ذهبوا إلى سطات، لقد أصبحوا يعلمون الأولاد في المدارس الحكومية، ويتلقون أجرا شهريا حسّن من أحوالهم المعيشية كثيرا، وربما تذهب أنت أيضا بعد أن أخبرتك بهذا الأمر..

ولما لم يعقب العبدي إلا بالابتسام، انصرف الحديث إلى أمور أخرى. كان الشاوي يعيش مع أمه بعد أن تزوجت أخته بابن عمها في الدار البيضاء، وتزوج أخوه الأكبر في دكالة، بقي مع أمه العجوز التي تلح عليه كل يوم في أن يتزوج على عادة أهل البادية الذين يبكرون بالزواج.

جلس الرجلان حول مائدة الغداء يتناولان الكسكس بالدجاج البلدي مع جارين للشاوي، استدعاهما لخلق التعارف مع عبد السلام العبدي. والاجتماع حول الطعام يعني استحضار ما يسمى بـ: "عقد الوفاء" ـ أي في المفهوم الشعبي: الملح والطعام ـ الذي لا يزيغ عنه إلا هالك في عرفهم ومعتقدهم. لم يكن ذلك لانعدام الثقة في العبدي من قِبلِ صديقه الشاوي، ولكن لبث الثقة والطمأنينة في أهل الزاوية وتمتين روابط الألفة والمودة بينهم وبين الرجل الغريب الذي أصبح واحدا منهم.

كان عبد السلام العبدي قوي البنية مفتول العضلات، وقد كانت زوجة أبيه تسميه : "بغل دكالة" في إشارة لقوته العضلية التي استمدها من أصوله وجذوره (الدكالية) التي عُرف أهلها بأن الله أعطاهم بسطة في الجسم . وكان إلى جانب ذلك رخيم الصوت ذهبي الحنجرة، دافئ النبرات أثناء تجويد القرآن وتلاوته، وهذا ما شد إليه أسماع المصلين واستقطب مزيدا من الناس للمسجد في وقت قصير جدا. وكانت جنبات مسجد الزاوية تمتلئ عن آخرها في صلاة التراويح خلال الشهر الكريم. الجميع معجب بصوت هذا الشخص القادم من بلاد عبدة. كان الشاب الفقيه يقوم أيضا بتحفيظ الفتيان كتاب الله بدءا من الفجر ونسمات الصباح الأولى، وبعد طلوع الشمس وانصراف طلبته، يبدأ في تأمل الأقدار التي جاءت به إلى هنا، ويلتقي بفعل قدر محكم برجل يشبهه في الاسم والميول إلى حد كبير. تُرى، كيف كان قدره في ظروف أخرى؟ استغفر ربّه الذي لا راد لقدره وحكمته، وفجأة أطل رأس الشاوي من بعيد، كان يحمل معه الشاي وبعض الأرغفة المدهونة، جلس الرجلان و شرعا يحتسيان كؤوس الشاي ويغمسان قطع الفطائر في الذهن الساخن. كان الشاوي مولعا بالفلاحة وقطعان الأغنام كوالده العربي، ولكن كانت له هوايات أخرى. كان يشتري الدوم من السوق الأسبوعي ويصنع منه القفاف والأطباق وسروج الدواب وغيرها مما يحتاجه أهل البادية. وكان يبيع هذه الأشياء لأصدقائه الذين يتاجرون بها في الأسواق. واقترح على صديقه العبدي تعلم هذه التي يسمونها " الوْظيفة" لعلها ترفع من مدخوله المادي، مادام أن (لاربعية) ـ وهي قطعة نقدية أو بعض البيض والأرغفة ـ لا تسمن ولا تمثل قيمة كبيرة لمن هو مقبل على حياة واعدة مثل العبدي، وخاصة أن له متسعا من وقت الفراغ، كان عبد السلام يستفيد أيضا من سكن مجاني عبارة عن غرفة مرفقة بالمسجد، وفي الخارج بئر ماؤها قريب بأربعة أمتار فقط. والمسجد مرتبط بشبكة الكهرباء لقرب البلدة من مدينة سطات، وفي امتحان تخرج كل طالب ـ بإكماله حفظ كتاب الله ـ كان أولياؤه يكرمون الفقيه بكسوة عبارة عن جلباب ونعل تقليدية وبعض المحاصيل الزراعية. وكان أهل الزاوية وناس الشاوية عموما أهل كرم ونخوة، وخاصة ناس البوادي الذين اشتهروا بالسخاء حتى في فترات الجفاف والقحط.

كان الشاوي يجمع كل ما يحصله من نقود عند صديقه الشاوي، سواء مردود تحفيظ القرآن لطلبته أو مردود "الوظيفة"، لكن أعداد الطلبة بدأت تتناقص بفعل التحاق العديد منهم بالمدارس الحكومية لقربها وتشييد مزيد منها في مدينة سطات. كان خريجو المدارس يجدون فرص عمل حكومية بعد الحصول مباشرة على الشهادة الابتدائية. كانت الدولة المغربية تحتفل هذه الأيام بالذكرى الخامسة للحصول على الاستقلال، وكانت تحتاج لأطر في المؤسسات والدوائر الحكومية، وقد أثار تناقص الطلبة الكبير قلق العبدي، فاشتكى لصاحبه توجه الفتيان للمدارس ولو كلفهم ذلك قطع المسافات الطويلة مشيا على الأقدام. فرد عليه الشاوي:

ـ الصغار يفكرون في مستقبلهم، وعلى الكبار أن يقتدوا بهم، فرد عليه العبدي متعجبا:

ـ و ماذا ينبغي أن يفعل الكبار؟

ـ فكر في التجارة ، مدينة سطات هي كنز بالنسبة لأمثالك من المتعلمين الذين يجيدون الكتابة والحساب.

ـ وماذا يمكن أن أفعل فيها؟

ـ لقد أصبح رأسمالك ثلاثمائة وخمسين درهما، وتستطيع أن تؤجر دكانا في موقع محترم، وهذا المبلغ كاف لشراء ما يكفيك من السلع المختلفة. وفي أوقات الصلاة تؤم الناس، المال يخدم العلم، والعلم يسند المال وينميه. ولا تعارض بينهما.

هكذا وجد العبدي نفسه يخوض مغامرة جديدة....

وبعشرة دراهم أجّر العبدي دكانا في شارع المقدم المعطي، وكان واسعا بحيث يمكن أن يجعل من نصفه مسكنا له ونصفه الثاني مستودعا لسلعه. لكنه آثر أن يبقى يتنقل بالعربات المجرورة بالدواب باتجاه الزاوية ريثما يتآلف مع الأجواء الجديدة.

جهز العبدي دكانه بكل اللوازم من رفوف وسلع مختلفة: دقيق وسكر ومشروبات وزيوت وتوابل...

وانطلقت مغامرة جديدة في وسط حضري هذه المرة، كانت أولى الأشياء التي طرحت عليه في المدينة هي الأوراق الرسمية، وعلى رأسها بطاقة التعريف الوطنية. وقد لعب الشاوي ومعارفه الدور الأكبر في حصول العبدي عليها، وخاصة عند كتابة عقد الإيجار مع صاحبة العقار التي كانت تسمّى البيضاوية نسبة لمدينتها: الدار البيضاء، والتي مات زوجها وترك لها عدة أملاك في مناطق مختلفة، وكانت تديرها بكفاءة وحزم.

كانت مدينة "سطات" تشهد رواجا تجاريا كبيرا خاصة في يومي السبت والأحد، حيث يأتي أهالي البادية كأنما هم في موسم الحج إلى المدينة، فيتبايعون ويشترون في الدواب والمواشي، وكان هذا يوم السبت. أما يوم الأحد فكان لتجارة الخضر والفواكه والسلع بالنسبة لأهل المدينة. وخلال هذين اليومين تكون المناسبة مواتية للعبدي ليجني أرباحا لا يحققها في باقي أيام الأسبوع مجتمعة.

في تلك السنة ـ التي شهدت تساقطات مطرية فاقت كل السنوات السابقة ـ عمّ الخير العميم، وهو ما انعكس إيجابا على التجارة، فقد حقق العبدي أرباحا كبيرة، وعند اقتراب الصيف زار الشاوي صديقه في دكانه، واشترى كثيرا من اللوازم أكثر من المعتاد. ولما أبدى العبدي استغرابه لكل هذه المشتريات التي تفوق المألوف، بشّر الشاوي صديقه بأنه قرر إكمال نصف دينه كما يقال، احتراما لرغبة والدته التي تحتاج أيضا لمن يساعدها في أشغال البيت.

أبدى عبد السلام فرحة غامرة لهذا النبأ السعيد، وأخبر صديقه بأنه سيسافر لعبدة في منتصف هذا الصيف لزيارة الأهل والأحباب، وأنه سيعود قبل موعد العرس.

حمل عبد السلام معه كثيرا من السلع، من فواكه يابسة وسكر وزيوت وألبسة ولعب، كأنه يتهيأ لمشروع تجاري بأحد الأسواق.

نقد عبد السلام أصحاب الحافلة بسخاء على تلك العلب الثقيلة، انطلقت الحافلة الحمراء في الصباح الباكر، وتحرك الحنين برعشة الفضول والرغبة في مسح ماض من المعاناة، لعل الإحسان يستعبد النفوس المنحرفة متمثلا الآية القرآنية:(ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)، وهو الذي لا يحس ضغينة ولا يحمل عداوة أو كرها اتجاه أي من المخلوقات. كان يؤمن بأن المحبة تنتصر دائما، وأنه يمكن كسب مودة الكل بصنيع الخير والإحسان.

في بلدة (جزولة) التقى ببعض المعارف الذين تعرفوا عليه بصعوبة، لأنه أصبح أشد بياضا وبهاء، وامتلأ وجهه لحما، وفي الحقيقة ليس وجهه فقط، لقد ازداد وزنا وبريقا وأناقة، من يقول إن هذا الشاب العملاق الوسيم هو الفتى عبد السلام؟ لقد مرت ستّ سنوات على غيابه حتى كثرت الشائعات بين من يزعم انتحاره، ومن يزعم أنه فقط في أحد الدواوير المجاورة، أو في بلاد (الشياظمة).

وضع السلع في عربة الشعيبي التي يجرها حصانه الأسود. وانطلقا إلى دوار (القناطرة) لرؤية أخويه أولا، وذلك حتى يدفع أي سوء فهم، حيث سيقال في حالة ابتدائه بزيارة أخته إنه يحمل أحقادا اتجاه زوجة أبيه التي هي في منزلة والدته، تلقى حفاوة لا يخفى تصنعها من زوجة أبيه التي كادت تُصعق لرؤيته، لكنها تمالكت نفسها، وعانق عبد السلام أخويه: الحفيظ ورقية بحرارة. لقد كبرا ولكن النحافة هي ميزتهما. قالت له زوجة أبيه:

ـ الحمد لله على سلامتك.. يا ولدي، لماذا أتعبت نفسك بكل هذا (في إشارة لمشتريات عبد السلام).

أصابته كلمة "ولدي" في مقتل، تذكر تلك الليلة المشؤومة وهو يقول لها "أمي" ويتلقى منها عظمة على عينه مباشرة.

كان عبد السلام قد طلب من الشعيبي أن ينقل بعربته علبتين كبيرتين لأخته "حسناء" ويخبرها بأنه سيأتي في المساء.

جلست فاطمة تقلب الأثواب والهدايا لها ولولديها وهي تقول بحسرة:

ـ هذه هي فائدة التعلم، لقد كنت ألح عليك دائما من أجل أن تدرس وتكسب العلم، فهو يُكسب المال و المكانة، كم كنت أود من الحفيظ أن يحفظ القرآن مثلك، ولكن رأسه متصلب كالحجارة.

ولما لزم عبد السلام سلاح الصمت الحكيم أضافت:

ـ لقد مرضت يا ولدي ولم أجد ما أشتري به دواء يخفف من السعال.

تململت في جلستها ثم تنحنحت وسعلت سعالا خفيفا، دسّ عبد السلام يده في جيبه وأخرج ورقتين نقديتين وضعهما في يدها، فتمتمت بصوت خافت:

ـ الله (يخلف عليك) يا ولدي!

كان كل همّ الحفيظ ورقية هو غرابة اللعب التي جاء بها أخوهما.

خرج عبد السلام مطوقا بأخويه في جولة بعد الغداء، كان يتأمل كل رقعة من المكان الذي شهد طفولته وذكرياته، ولما همّ بالتوجه نحو شقيقته ، رجع الحفيظ ورقية و كأنما خافا من ردّة فعل أمهما التي ربما ستوبخهما على ذلك، كان هذا الأمر وغيره مما سمع وسيسمع كافيا ليثبت له أن بعض الناس لا يتغيرون بابتعاد الآخرين عنهم، وأن القلوب مازالت طافحة بما فيها.

كانت فرحة لقاء حسناء بأخيها لا تُتصور، إنها تعتبر هذا اليوم بمثابة ولادة ثانية له، ذرفت من شدة الفرحة دموعا حارة غزيرة، ولامته على طول غيابه. لقد كانت الشائعات تنهشها صباح مساء، ودخلت في مشادة كلامية مع زوجة أبيها واتهمتها بالمسؤولية على كل مكروه يمكن أن يصيب شقيقها. ذبح السيد الجيلالي زوج حسناء كبشا ودعا رجال الدوار للحضور في ذلك المساء البهيج.

سرد عبد السلام على مسامع أخته كل كبيرة وصغيرة بدءأ بالعظمة التي تلقاها على عينه في الليلة المشؤومة وانتهاء بتجهيز متجر للسلع والمواد الغذائية في قلب مدينة سطات.

كانت حسناء لا تفوت أية لحظة دون أن تبدي ضرورة أن يحذر من كيد زوجة أبيه، فلا ينبغي له أن يأمن شرها. وفجأة وكأنما جال في خاطرها أمر ، فاجأته وهي تقول له:

ـ كل ما قلته لي يا أخي أثلج صدري، ولكني كنت أتمنى أن تكون أكملت دينك. وإذا فكرتَ في هذا الأمر، فلتكن العروس من بلاد الشاوية أو دكالة، إنهن لا يعرفن أساليب السحر و دس السموم في الأكل كبنات (عبدة).

ضحك عبد السلام من أعماقه وأحس بفرحة الأحاسيس الأخوية، لقد كان يود فعلا أن يعود قبل هذا، ولكنه كان مصمما أن يعود و هو في موقف أكثر قوة. واستمر الحديث وتشعب متناولا أخبار الدواوير المجاورة والأغنام والمحاصيل، كان عبد السلام لا يكف في تلك الأيام الصيفية عن التجول في الحقول وجني التين أو ثِمار الصبار.. مسترجعا ذكريات الطفولة، وكان يلبي دعوات بعض الأقارب، فأهل البادية من شيمهم دعوة الضيف وإكرامه. وأثناء زيارة عبد السلام لدوار (الباليين)، لمح سحرا وبهاء غير معهودين، رباه أهذه هي الطفلة اليتيمة (حليمة) التي ماتت والدتها وربتها جدتها؟! ولأن عبد السلام ـ كشأن أهل البادية ـ لم يكن يعرف الالتفاف، فقد طرق الموضوع مع أخته في اليومين المواليين. فقالت له حسناء وكأنما تناست اتهاماتها ونعوتها السابقة لبنات عبدة:

ـ نِعم الاختيار أخي، إنها يتيمة، لها أخت وحيدة هي "ميلودة"، عمتهما "هنية" صديقتي، و هي المفتاح لهذا الأمر.

أمضى عبد السلام أسبوعا كاملا ، تارة مع أخويه، وتارة مع السيد الجيلالي في البيدر يتأمل أعمال الحقل حيث تمّ تجميع المحاصيل في عملياتها النهائية. ألح عليه الرجل للبقاء فترة أطول، وذلك حين لاحظ عليه الاستعجال والتلهف للعودة لبلاد الشاوية، كان عبد السلام يعرف أن هذه الفترة من السنة تعرف رواجا تجاريا كبيرا لا ينبغي أن يفوته بالكامل، ثم إن عرس صديقه اقترب كثيرا، وقبل أن يمتطي عبد السلام طريق العودة، بشرته أخته بموافقة أهل العروس المنتظرة، وأن يأتي في عطلة الربيع لإتمام كل شيء.

عاد عبد السلام منتشيا بالفرحة والسعادة، شتان ما بين سفره الكئيب منذ ست سنوات حيث كان يحرق المسافات على قدميه ليلا بين دوار (القناطرة) وبلدة (جزولة)، واليوم حيث يمتطي عربة السيد الشعيبي محملا بالبيض والسمن والدجاج... كانت هذه هي الهدايا المعهودة التي يتلقاها كل شخص يزور أهل البادية المغربية. لوّح الشعيبي بالسوط في الفضاء، فأحدث صوتا كان كافيا ليرهب فرسه الذكي، فتحركت العجلات تلتهم المسافات نحو "جزولة"، ثم منها إلى مدينة "سطات" قلب الشاوية المهيبة.

في سطات، وبمجرد خروج العبدي من المحطة، صُدم بخبر كاد يطير له صوابه. لقد تعرض متجره للسرقة، سرقت النقود من الصندوق. كانت صدمة كبيرة خفف منها إيمانه بالقضاء والقدر، ولعب صديقه دورا كبيرا في التخفيف من آثارها. حمد الله أن السلع لم يتم نهبها. لقد تنبّه بعض الجيران مما اضطر اللصوص المجهولين للهرب تاركين باب الدكان مُشرعا، وتكفل أصحاب الخير بإحكام إغلاقه.

في أجواء عرس الصديق، نسي عبد السلام كل الخسارة المادية التي ألمت به، فالله جعل لكل مصاب حكمة يعلمها هو وحده. فهو الذي يعطي وهو الذي يعوض.

مرّت الأيام والأسابيع ، وحرص العبدي أن يكون أكثر حزما في ترشيد نفقاته وعدم التعامل بأسلوب الدّين إلا لمن هو أمين في تعاملاته، لقد تعرض سابقا لكثير من عمليات استغفال له، نظرا لطيبته وسذاجته أحيانا، اعتبر الحياة معلما كبيرا للإنسان.

في نهاية ذلك الصيف من سنة الخير وقبل انهمار أمطار الخريف الأولى، طلب العبدي من صديقه الشاوي مساعدته في إحصاء أرباح الدكان لإخراج الزكاة قبل متم السنة. أحصى الصديقان مبلغ ستين ألفا. حمد العبدي ربّه على البركة التي شملت تجارته، تداول الصديقان مسألة شراء سلع جديدة كالأغنام أو الأبقار وتكون شُركة بينهما، لكن الشاوي كان له رأي آخر، لقد اقترح عليه سلعا لا تتعرض للتلف أو الهلاك، وحتى لا يُصعّب الأمور على صديقه أفهمه بأن العقار هو أيضا رأسمال ينمو ويكبر مع الزمن. اقتنع العبدي بسهولة بهذا المقترح وخاصة بعد تجربة السرقة التي تعرض لها والتي جعلته يؤمن بالمثل القائل: "لا تجعل بيضك كله في سلة واحدة"، واتفق وقتها أن منزلا قريبا كانت صاحبته تودّ بيعه، وتمت عملية البيع دون تعقيدات تذكر. وأصبح العبدي يمتلك بيتا التهم جزءا ضخما من رأس ماله. وكان البيت يحتاج لإصلاحات كبيرة باعتبار أسقفه كانت خشبية، كما أنه كان يشتمل على بئر في الركن الأيسر للمنزل. كان ماؤها باردا صيفا دافئا شتاء. ومن مزايا المنزل تواجده القريب من الدكان. وهكذا هيأ العبدي المأوى الجديد استعدادا للحياة الزوجية المرتقبة، بعد أن كان ينام في متجره في أكثر الأحيان بعد زواج صديقه، وكان يضطر لاستنشاق روائح المواد الغذائية وخاصة قنينات الغاز والزيوت التي كانت تباع بالكيل وقتئذ.

في ذلك الربيع المشهود ، والبلاد تحتفل بالذكرى الخامسة لاعتلاء الملك الحسن الثاني عرش البلاد، توجه العبدي وصديقه الشاوي إلى بلاد عبدة. كانت الشوارع مزينة بالأعلام والمحلات الرسمية محاطة بواباتها بجريد النخل، والأغاني الوطنية تُسمع في كل مكان. وفي سهول عبدة تم حفل آخر بسيط حيث عُقد القران في أجواء عادية نقيضة للأجواء الصاخبة في أعراس دكالة أو الشاوية. وتم الاكتفاء بقراءة القرآن وسماع أهازيج النسوة وزغاريدهن. وكان الاختلاط بين الرجال والنساء في عبدة من سابع المستحيلات.

تتحرك عجلة الزمن على حياة آمنة ساكنة هانئة، وفي مدينة تتمدد وتكبر ، كانت أقدام كبيرة وأخرى صغيرة تتحرك مع أذان الفجر، عبد السلام وحليمة يحملان حقائب كبيرة، والسعدية والمصطفى يرتديان أجمل ملابسهما وهما يحلمان بالبادية، أذان الفجر يحمل للأسماع شعورا بالخشوع والرهبة، والوالد يدير المفتاح في القفل لإحكام إغلاق الباب، في هذا الصمت الموحش لا تُسمع إلا أصوات وقع الأقدام على الإسفلت. تتحرك الأشباح الأربعة باتجاه المحطة الطرقية. وفيها حركية وأضواء وأصوات هي مزيج من هدير الحافلات والمسافرين، يتوجه عبد السلام إلى إحدى المقاهي ويحضر معه أواني الحساء الساخن، ويمسك كل واحد بمغرفة ويتناول حساء ساخنا ، بينما يتباهى كل من المصطفى والسعدية بأن آنيته تشتمل على كمية أكبر من الحمص.. بينما الوالد يحثهما على ترك الكلام والإسراع في تناول إفطارهما قبل مجيء الحافلة الحمراء التي يقودها السائق بوشعيب، لقد حفظ الولدان اسمه من كثرة أسفارهما في نهاية كل سنة دراسية باتجاه بلدة عبدة حيث يقضيان شهرا كاملا أو أكثر. بينما يعود الوالد إلى متجره بعد إيصالهم بأسبوع تقريبا، لأن فترة الصيف تشهد رواجا تجاريا كبيرا بسطات.

كانت العطلة تتوزع بين مدينة آسفي حيث عائلة الزوجة، وبين البادية عبق الأجداد وحيث إرث الوالد الذي يحافظ عليه ولا يقبل بيعه، لأن من يبيع أرض آبائه يبيع في الحقيقة جذوره وأصوله.

كانت الحافلة الحمراء هي ـ وقتها ـ الوحيدة التي تتوجه نحو ذلك الاتجاه، كان كل من المصطفى والسعدية لا يفكران إلا في طول الطريق التي تسبب لهما الدوار وما يستتبعه من تبعات. ولكن عند الوصول ينسيان كل شيء، ويبدأ اللعب وتسلق الأشجار حيث أعشاش الحمام وفراخ الطيور، ومنظر الخراف وقطعان الأبقار ... كل هذا يخرجهما من روتين المدينة وتعب الدراسة. ولكن الأهم بالنسبة للأخوين هو العودة محملين بالكثير من الدجاج الذي يوضع في قفص كبير حيث تبدأ المعارك بين الديكة، وقبلها يزعم كل منهما أنه مالك هذا الديك أو ذاك، وحين تبدأ المعارك لا تسمع سوى: "ديكي أقوى من ديكك" أو "ديكك اعتدى على ديكي على حين غفلة".. بل ويتعالى صوت البكاء إذا عمد الوالد إلى ذبح الديك القوي المعتدي.

لكن في خلفية وكواليس كل هذا، كانت هناك أمور أخرى لا تتراءى للولدين، إنها أمور الكبار حيث مردودية الأرض الفلاحية تثير الخلاف بين الزوجين، فالزوجة تطالب زوجها بالحصول على حقوقه كاملة من أرض أبيه المستغلة من إخوته. وفعلا يكبر الولدان، ويصبح العدد أربعة ثم خمسة. وتزداد المطالب المادية، وتطالب صاحبة المتجر بالرفع من واجب الإيجار، ويضطر عبد السلام لتحويل إحدى حجرات منزله إلى متجر للتخلص نهائيا من واجبات الإيجار.

تتوالى السنوات بين مدّ وجزر، وتتحسن الحالة المادية لعبد السلام، ويأتي عنده أجوه الحفيظ يستدين بعض النقود بعد أن ضاق ذرعا بالجفاف وتبعاته وموت الماشية ومرض الأم، كان عبد السلام يقدم العون لأخيه خلسة عن زوجته التي تعرف تفاصيل معاناته وطفولته مما حكى بعضه ويتداول الأقارب بعضه الآخر.

ولأن الأيام لا تدوم حال واحدة، حين أوشك عبد السلام على جني ثمار ما زرعت يداه ، يتعرض الرجل لمرض لعين احتار فيه الطب والأطباء، واستبد الألم بالرجل الطيب وبالجسد القوي، وأحاله إلى هزال، إنه نفس مرض عمه المكي، المرض الذي لا يترك صاحبه إلا شبحا. ويأتي الأهل والأقارب، ويطالب الأخ أخاه ببيع نصيبه من الأرض الفلاحية لشراء ما يلزمه من الأدوية، لكن أصدقاء عبد السلام من تجار ومعارف ووجهاء يحتجون على الرجل قائلين:

ـ لا يصح أن يبيع أخونا أرضه وأرض أجداده، نحن أهله ونحن من سيتكفل بكل مصاريف علاجه وأدويته.

هنا فقط أدرك المصطفى سر تفضيل أبيه لأرض الشاوية على عبدة، وكيف كان ينصحه بعدم التفريط في الدكان، وكان هذا من ضمن وصاياه الأخيرة له حين ردد على مسامعه:

ـ الدكان يا ولدي هو الذي جعلني أشتري المنزل، والعكس ليس بممكن.

كان الوالد يؤكد له باستمرار على أهمية التجارة في كسب المعاش وتأمين الرزق الحلال. وكان يحثه عليها إذا ضاقت به السبل الأخرى.

في أعماق عبدة كان هناك شبحان متجاوران:

ـ ها هو عبد السلام له دار في سطات وأرض فلاحية هنا في عبدة.

ـ لا تنسي يا أمي أن له ولد وأربع بنات أيضا.

ـ نسيت الأفعى أمهما، لولاها لأصبحت الأرض لنا ولجعلنا كل ما يملكه لنا وحدنا، هذه الأرض نحن من سقاها بعرقنا ، وأخوك الحفيظ تشققت قدماه في حرثها، في حين يدرس أبناء عبد السلام ويتوظفون.

يجلس المصطفى متأملا حكايات والده المسائية حين يعود من دكانه، ليحدثه عن الأرض والاغتراب والأهل والأحباب.. ويترحم على روح والده سائلا ذاته: "ما السر في استعادة الوالد نفس الحكايات بأساليب مختلفة؟ وهل كان يسعد بتكرار ذلك التاريخ البعيد ويستمتع به أم يتألم وهو يستعيده؟"

لقد ذهب والده مرة واحدة لمنطقة أولاد عمران للسؤال عن أجداده وأصوله، فوجد العشرات ممن يتوافق اسمهم مع اسم قدور وأخيه المكي ممن اختفوا زمن الاستعمار في منطقة شاسعة كثيرة الامتداد، واعتبر كل ناس هذه البلاد أهله وذويه. وتوقف عن البحث من أول خطوة.

وتساءل المصطفى ثانية: "هل كان الحفيظ يكرر على مسامع ابنه ـ أيوب ـ قصة مأساة الوالد واغترابه بأمانة تاريخية دون تحريف؟ هذا إن قصها أصلا".

يطوي الزمن عقده الأول من القرن الواحد والعشرين، حيث يتوجه المصطفى وصغاره إلى بلاد الأجداد، لقد أصبحت مباني (دوار القناطرة) مجرد أطلال آيلة للسقوط، ماتت فاطمة تحت وطأة المرض والأنين والسعال، وهاجر الحفيظ إلى مدينة الدار البيضاء حيث أصبح بائعا متجولا.

لقد أصبحت المباني هنا كالأشباح شاهدة على حكايات الآباء والأجداد، وغير بعيد من هنا، أقام المصطفى ضيعة كبيرة وحفر بئرا قريبا من الجامع الذي بات فيه والده باكيا في تلك الليلة المشؤومة، ليلة الهروب الكبير، كانت الضيعة تضم مسكنا محاطا بسور وبنبات الصبار وأشجار التين والزيتون. وكان في كل عطلة صيفية يأتي بصغاره، وعلى ضوء الليالي المقمرة كان يحدثهم عن قصة الأجداد، عن التراب والاغتراب!

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق