أضيف في 27 نونبر 2016 الساعة 15:34

متناقضات الدولة في المغرب


رشيد اليملولي

متناقضات الدولة في المغرب .

ارتبط ميلاد الدولة تاريخيا بالمقومات التي جعلت الإنسان محور و مركز التفكير و الاهتمام، و سعت هذه الدولة دائما ، إلى إيجاد السبل الكفيلة بتوفير مستلزمات الاستقرار ، و تهيئة الظروف الكفيلة بصناعة المؤسسة الإدارية و الاجتماعية ، التي تخدم الفرد و الجماعة على حد سواء .

و إذا كانت هذه الفترات التاريخية مشوبة بالعديد من الاهتزازات الناتجة عن الحالات الشاذة ، التي أعاقت المسيرة و لو إلى حين ؛ فإن الثابت أن تنوع التجارب كان يصب في إطار إيجاد كل الصيغ القادرة على تجاوز السلبيات ، و بناء النموذج الحضاري للدولة ، غير أن الذي يثير الانتباه هو خاصية العنف و القهر و القوة ، التي ظلت ملازمة لبنية و نسق تشكل هذه الدولة ، حسب ما تجسده الحروب ، التي غالبا ما تغذت على مقولات حاولت التخفيف من وحشيتها و دمويتها ، و عرت عن بربريتها ، إلا أن المنحى الذي تخطه الدول التي حاولت تطليق هذا الداء ، يسير في اتجاه تنموي يكفل لها الفرادة و التميز في الثقافة الحضارية ، و السلوك المدني الدال و المعبر عن التنمية بمفهومها الشامل ( اليابان ـ ألمانيا ـ أندونيسيا ـ ماليزيا ، سنغافورة ) .

بالموازاة مع نماذج الدول السائرة في طريق التميز ، تنتصب علامات الشذوذ و الاختلاف لدول لازالت تعيش ألما تنمويا داخليا ، ينحدر بها إلى مصاف الدول الفاشلة تنمويا وسياسيا ، و يفهم هذا الفشل بالأساس على القدرة في صناعة الذكاء و الثروة و الإنسان ، و الخروج على الأقل من مستنقع الاستهلاك ، و التعبير عن موطئ قدم دال في بناء الحضارة الإنسانية ، و الإسهام في صيرورتها النوعية ، عوض الاكتفاء بالتفاعل السلبي ، و تبرير هذا التفاعل بسلسلة طويلة من الأوهام الإيديولوجية و الخطابية ، التي تعبر عن انتفاخ الذات أكثر من التعبير عن واقعها ، و لا أدل على ذلك من التكلفة الباهظة في أنواع الأمن الواجب توفرها في هذه الدولة .

لا زالت العديد من الدول و في مقدمتها المغرب ، تعيش لاوعيها التاريخي بالارتكاز على مقومات الشرعية التاريخية ، و الارتباط بها إلى حد القداسة و التقديس ، و إذا كان هذا الأمر يعبر عن حالة حضارية و خصوصية ثقافية ؛ فإنه لا يكتسي أي معنى حين يتحول إلى عائق ثقافي و اجتماعي يحول دون القدرة على بناء نموذج حضاري بالمعنى المعاصر للحضارة ، إذ لا زالت مختلف مناحي الحياة السياسية مطبوعة و مختومة بالولاء للقبيلة و الحزب و الارتباطات و الولاءات الشخصة و الرمزية ، و بتعبير أدق مقومات الاستعلاء ، دون التعلق بمفهوم الوطن و البلد و القيمة الحضارية لهما ، حيث أن المشاركة في المسيرات أو الأعياد الوطنية و اللحظات الحرجة التي يمر بها البلد ، لا تعكس في حقيقتها مفهوم المواطنة ، ما دامت أسيرة تفاعل " عاطفي " تجاه قضية معينة ، أو سمي عند الأستاذ محمد أركون " ايديولوجيا الكفاح " ، و محكومة بنسج صورة معينة " خيرية " أريد لها أن تكون على المقاس و بعيدا عن تمثلها في صيغتها الاجتماعية و التاريخية ، في وقت تغيب هذه المواطنة أثناء المطالبة بحق مهما قل أو هزل ، فهو يعبر عن الآدمية و يعني المواطنة .

لا تدخر مختلف أجهزة الدولة أي مجهود في الدفع بالمواطنة الهشة إلى أقصى تجلياتها ؛ فهذا خطيب مسجد يرتل علينا أقاويل المواطنة الحقة فقط بالاستجابة لكل ما تدعو له السلطة ، و هذه وزارة تسخر كل إمكانياتها من أجل مسيرة مليونية تحضر فيها كل رموز الوطنية ، و بالمقابل لا يهتز للخطيب و لا التلفزة و الإعلام المرافق لها و الداخلية من وراءهم جميعا ، جفن من نسب أمية عالية ، و من أسرة لا تزال تفترش العراء ، و من مسؤول يعلو على القانون و يهرب أموال البلد ، و من قائد أو شيخ أو والي يرى في الدولة زقا و قينة .

لم تنفك الدولة من عقال تفوقها منذ سنوات رصاصها ، فقد تفوقت على كل القوى ، و أضعفت كل المبادرات و سفهتها فقط لأنها تختلف معها من القيمة و الأسلوب ، و ذلك من أجل فرض نظامها الخاص و هو اليد الثقيلة ، و إنتاج اقتصاد الخوف و الرهبة من الفكرة و الاختلاف ، و استطاعت أن تعفن المجال السياسي بالكائنات السياسية التي تفتقر إلى كل مقومات القيمة المضافة ،بل وظلت تعرقل كل بادرة تلوح في الأفق ، و لا زالت هذه اليد الثقيلة تمتد في عصر المعلومة ، و تنوع وسائل الاتصال و التنمية المستدامة ، في وقت ظلت دولة المخزن مستمرة في الانصياع إلى أسسها التقليدية ، التي لا تتورع في استعباد الإنسان ؛ إذ لا يعقل مثلا أن تزاوج في نظامها السياسي بين السلطة الشرعية المستمدة من الشعب ، و السلطة التي تعلو على الشعب باسم المقدم و الشيخ و الباشا و الوالي ، و هذه السلطة تملك سلطة القرار ، و تنفصل عن سلطة المحاسبة النابعة من المجتمع ، و هذا ما أفرز مجتمعا سياسيا " أميا " ، من خلال تهميش مبادراته و التقليل من قيمته في ممارسة السلطة بمعناها الحقيقي ، بل أن هذا النظام يمارس سلطة التخويف و الخوف من أي بادرة احتجاجية ،أو حركة اجتماعية لها أفق سياسي هادف و دال ، بذريعة الفتنة و الفوضى المدعمة دينيا من خلال سلسلة المواريث الفقهية التي أجادت في الدفاع عن العروش ، و أهملت عن قصد النتائج المترتبة عن سلطة أصلها فتنة كما قال الأستاذ محمد عابد الجابري ، و لا نرى سبيلا لقتل هذا " المرض " غير التنموي ، إلا بتقوية الثقافة الحقوقية و الإنسانية في مختلف أجهزة الدولة و مؤسساتها ، عبر مشروع مجتمعي دال ينتصر للقيم الكبرى و هي الحرية و العدالة و الحق و الواجب و القانون و التنظيم و التنمية ، بدل الانصياع إلى تزويد النظام السياسي بوسائل المناعة من أجل استمرار النسق دون الدولة ، و من أجل الالتفاف على المطالب و تأجيل الحقوق الأساسية .

إن الملمح الذي تؤشر عليه التجربة المغربية فيما بعد الوثيقة الدستورية لسنو2011، هو الهدر غير المبرر لعامل الزمن ، في الإنصات إلى معاطب و ثقوب الدولة الواضحة ، و هي الأمن العلمي و الثقافي و الحقوقي ، و الأمن التنموي ، و الأمن الفردي ، و الذي يعني صناعة مواطن مركب هوياتيا ينتصر للمغرب في قيمه الصغرى ، و للإنسانية في قيمها الكبرى ، و لا نرى في كل المشاريع التي تحاول الدولة أن تتخلص فيها من مسؤولياتها إلى التعجيل ببلقنة الخريطة السياسية ، و توفير شروط ميلاد القوميات و الإثنيات ، في فتنة مؤسسة على مستوى السلوك و الفعل ، و لا أدل على ذلك من كل القرارات التي أصدرتها السلطة السياسية و الأمنية ، انطلاقا من صندوق المقاصة و ملف التقاعد ووصولا إلى القرار غير التنموي المتعلق بتوصية المجلس " الأعلى " للتعليم القاضي بإلغاء مجانية التعليم ، و لا ندري بأي معنى يمكن أن نصدر قرارات تضرب العمق الاجتماعي و تهدد مسألة الأمن الاجتماعي ؟ ، ووجه الاستغراب و التقزز في هذه القرارات هو تغييب الامتدادات و الآفاق التي قد تحيل عليها هذه الإجراءات ، فعوض أن تعتبر القوة الاجتماعية و الرأسمال البشري دعامة للانتصار على مفهوم الدولة العميقة ، و من ثم بناء التنمية الذاتية ، تصدر قرارات و إجراءات تنطوي على إشكالات مفاهيمية حول طبيعة و جدوى المؤسسة التي تنبع من المجتمع لتتعالى عليه ، و ما الدولة في هذا السياق إلا إشباع مادي و رمزي لقيم المجتمع التنموية ، و خدمة لمصالحه ، عوض اعتباره حطبا حضاريا و مطية لتحقيق مآرب آنية لفاعلين لا فعل لهم ، و كل ما نرجوه في هذا المقام أن تكون المشاريع الكبرى للدولة من اختصاص الشعب ، و ذلك بعرضها على أنظاره في استفتاء شعبي يختار ما يناسبه ما دامت " المؤسسات " الوطنية ترفل في نعيم الأجور السخية ، و أفراد المجتمع ينعمون في الشقاء ليقولوا " العام زين " و لله الحمد ؛ فماذا استفاد المغربي البسيط و المتوسط من تحرير المحروقات ؟ و ماذا استفاد الحقوقيون و المجتمع المدني من الوثيقة الدستورية ؟ و ما ذا استفاد المغاربة من الأموال المهدورة على الرياضة دون نتائج ؟ و ما القيمة المضافة التي يقدمها المجال السياسي لحياة المغاربة و معيشهم اليومي ؟ و ماذا استفادت القوى الحية من نضالها الطويل سوى التهميش و الازدراء و تأجيل المشروع السياسي الدال ؟ و ماذا و ماذا و ماذا ظ و إلى متى ومتى و متى ؟ .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق