أضيف في 22 نونبر 2016 الساعة 14:35

موسيقى الضؤ


فتحي نصيب

موسيقى الضؤ

 فتحي نصيب

 

الفن – من وجهة نظري – كل عملية تدفعنا إلى التفكير ، وتبعث فينا المتعة ، وتزيد من رصيد تصوراتنا ، وتمنحنا القدرة على الحلم.

وبهذا المعنى فكل مظاهر الحياة من حولنا جوقة فنية مذهلة تعزف لحنا أبديا ، في تناسق وتناغم ساحر وخلاب.

تأملوا أية نبتة أو زهرة ، راقبوا طيرا سابحا في الفضاء ، استمعوا إلى معزوفة مطر أو قصف رعد ، أو انفجار بركان ، أو انسياب نهر ، أو هدير شلال ، أو رقرقة ساقية ، وباقي تجليات الطبيعة في عنفها وصخبها وفي هدوءها ودعتها.

أنصتوا مرهفين لسيمفونية الأصوات من صهيل وثغاء وخوار وهديل وزقزقة.

راقبوا بتمعن ضؤ الشمس ونور القمر ومواشير قوس قزح ، ألوان الشفق ، سكون الصحارى ، تشكلات الجليد ، تغير الفصول ، بلورات الثلج.

تمعنوا وميض النجوم والكواكب في سماء صحراوية ( المدن لاتظهر سوى نجوم الظهر ) ، تناسق ألوان الفراشات ، زخارف الشعب المرجانية ، فرق النمل ، هندسة النحل ، هجرة الطيور ورحيل الأسماك عبر المحيطات ، دقة حركة الإلكترون والمجرات السابحة في الفضاء اللانهائي.

إننا نقتل الفن إذا اختزلناه في نص شعري أو عمل قصصي أو قطعة موسيقية أو لوحة تشكيلية أو عرض مسرحي . هذه ( بعض ) تجليات الفن.

وإذا حصرنا الكلام حول الفن الإنساني فالفنون التعبيرية سبقت مرحلة الكتابة ، فالرقص والغناء والرسم هي الأشكال الأولى التي عبر من خلالها الإنسان الأول عن مشاعره وعواطفه وحيرته وتساؤلاته وحزنه وخوفه وفرحه وتأملاته.

على الصعيد الشخصي فان أول لقاء لي كان مع الخيالة.

فقد عرفت طريقي إلى صالات العرض ( السينمائي) قبل أن امسك قلم الرصاص في الفصل المدرسي.

كان والدي يرتاد الخيالة ويصطحبني معه ، ولا استطيع وصف مشاعري المختلطة وانفعالاتي المتضاربة حين دخلت – لأول مرة – صالة العرض.

كان القدر حفيا بي ، فقد عمل والدي في فترتي الظهيرة والمساء في إحدى دور الخيالة ، وكان منوطا به تشغيل آلة العرض ، وكنت أشاهد الأشرطة من خلال الفتحات الصغيرة المستطيلة في حجرة الآلات ، تعلمت كيف أعيد تهيئة الشريط في البكرات وبشكل يدوي ، وكيف امرر الشريط داخل تروس آلة العرض وكيف الصق الشريط إذا انقطع ، وهكذا..

فتحت الخيالة أمامي عالما سحريا وأفاقا بعيدة ، شاهدت كما هائلا من الأشرطة : التاريخية وأشرطة الحركة و( البوليسية ) والعاطفية والاستعراضية والخيال العلمي.

من الأشرطة التي علقت بذاكرتي شريط ( سبارتاكوس ) أو محرر العبيد ، أذهلتني ضخامة الإنتاج وكثرة المجاميع من فرسان وخيول ومعارك ، وترسخ في ذهني إن الحرية أثمن مافي الوجود.

أفادتني الخيالة في كتابة القصة وتوسيع مداركي وشحني بقدرة كبيرة من التخيل ، ولا اعرف هل ثمة علاقة لغوية بين ( الخيالة ) و( خيال الظل ) و(الخيال ) ،أعطتني الخيالة فكرة ( الاختزال ) وكيف أقول فكرتي بأقصر الطرق ، تعلمت تقنيات مثل الاسترجاع أو ( الفلاش باك ) أي استدعاء حدث في الزمن الماضي إلى اللحظة الراهنة ، والحوار الداخلي ( المونولوج ) لإظهار مكنونات الشخصية ، وتعلمت أيضا التعبير بالصورة ، ( فالسيناريو ) هو فن تحويل القصة المروية إلى صورة مرئية ، واستفدت من الخيالة في طريقة تقديم الشخصية الأساسية والفكرة الرئيسية وفهم الوضع الدرامي.

هذا على الصعيد الحرفي أما على الصعيد الحياتي فقد علمتني الخيالة آلية لتكوين الانطباعات عن الناس ، من خلال ردود أفعالهم ومن صمتهم أو إيماءاتهم ، من طرفة عين أو ارتعاشه وجه أو حركة الأصابع ، حتى قبل أن يتكلموا ، وهذه اللمحات تأتي من قدرة آلة التصوير على استثارة الانتباه من خلال اختيار زوايا اللقطة والتكوين وحجم الصورة وكمية الضؤ.

الخيالة هي ( موسيقى الضؤ ) وكما يقول ( ابيل غانس ) : لقد أتى زمن الصورة ، موسيقى بلور الأرواح التي تتصادم أو تبحث عن بعضها البعض ، رسم ونحت عن طريق التوليف ، هندسة عن طريق البناء ، شعر عن طريق إظهار الأحلام المسروقة من الروح ، ورقص بفعل الإيقاع الداخلي .

فن الخيالة بالنسبة لي : فن شمولي يعبر عن الواقع والخيال والحلم.

 

 

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : فتحي نصيب

كاتب   / بنغازي , ليبيا


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق