أضيف في 21 نونبر 2016 الساعة 11:29

سيرورات العمل الحزبي: من الثورة إلى الإصلاح


عبد الإله بلقزيز

انتهت الحقبة الثورية من تاريخ المعارضات العربية بمسلسل من الخيبات المتصلة أرهصت باكراً (في مطالع السبعينات من القرن الماضي)، واستكْمِلت حلقاتُها المتبقية في نهايات الثمانينات.
ثمة محطات مفصلية دالة على الحجم المَهُول لتلك الخيبات: الانقلاب على التراث الوطني والقومي الناصري في مصر (مايو 1971)، هزيمة المشروع الديمقراطي للحركة الوطنية اللبنانية في مواجهة «الجبهة اللبنانية» والجيش السوري (صيف 1976) وتحول الحرب الأهلية في البلاد إلى حرب طائفية، هزيمة المقاومة الفلسطينية واقتلاعها من لبنان في الاجتياح «الإسرائيلي» وحصار بيروت (صيف عام 1982).
جفَّت ينابيع الإلهام الثوري في هذه الحقبة العجفاء من التاريخ السياسي العربي التي انطلقت حلقاتها في بداية الربع الأخير من القرن العشرين، وسادت فيها نزعة ليبرالية فاحشة أنجزت تصفية شاملة لمواريث حقبة الخمسينات والستينات الوطنية، اجتماعياً واقتصادياً. أمام انتصاب حالة الامتناع السياسي من أي تغيير، ومع تعذُّر الاستمرار في توسُّل أسلوب الانقلابات العسكرية لتغيير النخب في السلطة-بوصفه كان الشكل الوحيد للتداول عليها (لِنُسَمِّه، إذن، «التداول العسكري على السلطة»!)- ومن أجل الحدّ من مفاعيل الجزْر السياسي «الثوري» ونتائجه، بدأت تتبلور في بيئات حزبية وفكرية شتى، فكرة إصلاحية جديدة، لم يشأ مَن تبناها أن يسموها إصلاحية، في ذلك الحين، لئلا يُفهم من ذلك أنهم تخلّوا عن فكرة الثورة ونهجها، وارتدّوا إلى إصلاحية كانوا هُم أنفسُهم من «شيعوها»- في ابتداء صعودهم- ودمغوها بالإفلاس. كان لا بدّ من تسمية جديدة لهذا الخيار الإصلاحي السياسي أدعى إلى رفْع الشبهة، فأتى وصفُه بالديمقراطي يؤدّي أكثر من غرض.
إذا كانت الأمانة التاريخية تقتضينا القول إن قسماً من القوى الراديكالية العربية مال إلى العمل بهذا الخيار الديمقراطي (الإصلاحي) بما هو خيار اضطراري انتقالي، غير مفصول عن استراتيجية الثورة - اقتداء بالسابقة الروسية البلشفية في العمل داخل مجلس «الدوما» في العهد القيصري بعد فشل ثورة عام 1905- فإن هذه ال«خطوة إلى الوراء»، عند القسم هذا، لم يكن معناها- ولا المرادُ منها- المعنى نفسَه عند قسم آخر من المعارضات سرعان ما تماهت عنده الديمقراطية بالليبرالية، فلم يَر إلى الأولى إلاّ بما هي صنوُ الثانية، أو من حيث هي مقروءة من خلال شبكة مفاهيمها! هكذا لم يستطع القسم الأول (المبدئي) من المعارضة الراديكالية أن يستوعب الصلةَ بين الإصلاح والتغيير، الديمقراطية والثورة، فيبني جسوراً بينهما في الوعي كما في الخيارات البرنامجية، مثلما لم يستطع الفريق الثاني أن يبرّر- لنفسه وللرأي العام- لماذا لا يكون المرء (التنظيم السياسي) ديمقراطياً إلا إذا كان ليبرالياً!
الحاصل، في الحاليْن، أن التجربة السياسية للمعارضات دخلت منعطفاً كبيراً بانتقالها الدراماتيكي من حقبة الثورة، وخيارها، إلى حقبة الإصلاح. ولقد أجرى قسم غير يسير من المعارضات الراديكالية العربية رياضة نفسية وسياسية للتكيُّف مع موجبات هذا التحول الاضطراري من استراتيجية التغيير الثوري بالوسائل والأدوات الشعبية إلى استراتيجية التغيير السياسي المتدرّج بالوسائل السلمية ومن طريق المؤسسات القائمة. وكان في جملة ذلك إعادة النظر في الموقف السلبي من العمل عبر مؤسسات التمثيل القائمة، مثل البرلمانات، والموقف السلبي من المشاركة السياسية، بل وحتى الموقف السلبي من العمل السياسي في نطاق الشرعية القانونية بعيداً من المناخات السلبية والأطر الضيقة المغلقة للعمل السري، الذي نُظِر إليه- طويلاً- بوصفه الإطار «الطبيعي» لكلّ عملٍ ثوري!
على أن جنوح هذا القسم من المعارضة السياسية الراديكالية نحو العمل السياسي السلمي الديمقراطي (الإصلاحي) لم يكن شاملاً للمعارضات تلك كافة، بل شمل قسماً محدوداً منها. ولم يكن ذلك، دائماً، لأن بعضاً منها آثر التمسك بخيار الثورة (وقد أصبح خيارًا لفظيًا بامتياز)، والإعراض عن استراتيجية العمل السياسي الإصلاحي المتدرّج، وإنما لأنّ القوى التي فُتِحت أمامها أبوابُ العمل السياسي وإمكاناتها قليلة، بسبب أن المجال السياسي العربي ظل، في معظمه، مغلقاً على مثل تلك الإمكانية، كما أنه نبذ أي شكلٍ - ولو رَمزي- من أشكال الحياة السياسية فيه. وإذا كان من نتائج ذلك أنه حد من مفعول سيرورة سياسية جديدة للمعارضات السياسية كانت ستثمِر أكثر، فإن الأسوأ في نتائجه أنه أحدث الانسداد السياسي الضروري أمام المغامرات السياسية، وآخر طبْعاتها المغامرات السياسية الإسلامية.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الإله بلقزيز

كاتب وأستاذ جامعي   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق