أضيف في 20 نونبر 2016 الساعة 00:59

الناقدة التشكيلية خيرة جليل : رشيد إغلي التشكيل انسحاب من أجل انبعاث قوي من المركز....


خيرة جليل

الناقدة التشكيلية خيرة جليل : رشيد إغلي التشكيل انسحاب من أجل انبعاث قوي من المركز....

التشكيل المغربي وصل إلى مستوى مرموق وناضج ، وحقق إنجازات كبيرة وأرسى تقاليد ساهمت مع الروافد الثقافية الأخرى في إثراء الإشعاع الحضاري لبلادنا . لان إثراء ثقافة وتراث أمة مشروع حضاري تبقى المساهمة فيه من لدن كل مؤسسة سواء قاعة عرض أو مكتبة أو متحف ...أساسية وهامة على درب تكامل الجهود وتجميع الطاقات لتنفيذ توجهات راعي الثقافة والفنون جلالة الملك حتى يستمر إشعاع بلادنا حاضرا ومؤثرا وعاكسا لعبقرية الحضارة المغربية داخل الوطن وخارجه . ومن هذا الإطار تم تنظيم المعرض الدولي للفنون التشكيلية بالمركز الإستشفائي محمد السادس بمدينة مراكش في اطار كوب 22 لفائدة مرضى السرطان في شراكة مع مجموعة من الجمعيات التشكيلية والتضامنية بإشراف جمعية النخيل للفنون والتضامن ،. . كنت من بين المكرمين وخلال جولتي بين لوحات المعرض والتي عبرت عن ثورة تشكيلية وفكرية فعلية من مختلف المدارس التشكيلية والفئات العمرية معرضا به لوحات رائعة أتاحت لنا مقابلة فريدة ونادرة تضمنت حوارا عميقا بين الفنانين من مختلف المشارب والأعمار وتعكس في نفوسهم صورا وأفكارا كفيلة بإنعاش فن الرسم وتطويره والتشكيل عامة وهذه التظاهرة بهذا الفضاء كانت عملا فريدا نادرا وعيا منهم بان التشكيل عامل من عوامل إنعاش الجانب الصحي للمستشفى ....اكتشفت عملا مميزا استطاع أن التشكيلي رشيد اغلي أن يجمع بين أربعة مواد مختلفة عن بعضها من حيث المكون والكيمياء في عمل واحد متجانس ومتناسق موظفا أصباغا طبيعية لها من الدلالة الكثير فصاغها بحبكة كبيرة وهي لوحة من مقاس  110ستم على 82ستم

إن الغاية المتوخاة من عملي هذا هو أن نجعل في متناول الجميع أعمالا فنية قيمة لهذا الفنان التشكيلي كان من الممكن أن تظل في طي الكتمان بل المجهول تماما ،ولم يكتب أن تنال حظها من الدراسة والتمحيص . وذلك وعيا منا بالمسؤولية المجتمعية والثقافية لنشكل قوة تقدم وازدهار تندرج في صميم استراتيجية شاملة تخص ميدان الإيصال و التواصل في اطار الرعاية الملكية السامية للنتاج الفكري وحمايته لخدمة الوطن في اطار الدبلوماسية الموازية لقضايانا الوطنية وتعبيرا عن الوعي الفكري والفلسفي للفنان التشكيلي في ترجمة أفكاره واتجاهاته وميولاته إلى لوحات تتكلم لغة التشكيل العالمي فإلى اي حد توفق الفنان في ذلك ؟

هي تجربة مائزة لا من حيث البحث ولا من حيث الدقة في العمل أو التقديم ...فقررت أن أقف عند أعماله بالدراسة والتمحيص ...فإذا بي أتفاجأ بقيمة عمله الفني كقيمة مضافة للتشكيل المغربي ككل ، وعن عمق تشبثه بجذوره الامازيغية والعربية والصحراوية في آن واحد كمكونات للهوية المغربية بصفة عامة . مما جعلني أتساءل عن كيف استطاع التشكيلي رشيد اغل التحكم في هذه المواد رغم اختلافها ؟ ما هي رمزية ودلالة كل مادة في عمله الفني ؟ كيف أراد أن يعبر لنا أن من النهايات التشكيلية دائما تولد بدايات تشكيلية أقوى من سابقتها وتتطلع لما هو أقوى من لحظة ولادتها ؟ كيف تكون هذه النهايات والولادات غنية بالرموز والدلالات لتعبر عن غنى الهوية المغربية بتعدد روافدها الثقافية ؟ هل الفنان في التعبير عن تعدد روافد الهوية المغربية للفرد من خلال تحكمه الكامل في أكثر من ثلاث مواد مختلفة في عمل واحد وبتوظيف رموز وأشكال عربية وأمازيغية كان عن قصد من خلال بحثه الطويل في مجال السند التشكيلي والمواد المستعمل أم أنها مجرد مصادفة ؟ كيف وزع الكتل اللونية والضوء في مجال تقاسم ثلاث مواد مختلفة منها المضيئة والمعتمة في علاقتها بالضوء والكتلة اللونية ؟ وماهي علاقة الأشكال الهندسية الموظفة مع الرموز والأسندة والكتل الضوئية كدلالة على نهايات وبدايات أقوى للعمل التشكيلي ككل ؟ ولماذا جل أعماله ركزت على هذه الإشكالية وما علاقتها بالموروث التاريخي المحلي في الثقافة المغربية ؟

أول وقفة لي على أعماله نلاحظ أنه تخطى عتبة استعمال القماش المتعارف عليه عادة والمهيأ مسبقا لتنفيذ مشروعه الفني واستبدله بقماش خشن طبيعي وغير مهيئ بأية مادة وبلون رمادي وهنا تدخل جرأته في تغير ما هو متعارف عليه بين التشكيليين من جيله واقتحام اللون الرمادي فما دلالة هذا؟ ثم يأتي وسط اللوحة الأولى بلوحة جلدية ثانية مثبتة بإحكام بمركزها بلونها الجلدي الطبيعي الملمع البرنيق مزخرفا بحروف ورموز بألوان الحناء الطبيعية والسوداء و اللوحة على شكل دائري مقسم إلى شطرين ليخرج من وسطها حرف بالمعدن الأبيض يخرج من وسطحه حرف نحاس مصقول فما دلالة كل هذا ؟ وكيف عمم بطرق شتى هذه التقنية في معظم أعماله ليخلص إلى الفكرة التشكيلية التي يريد إيصالها لنا ؟

من خلال أعماله إن مشكلة اللون و الترميز وحدهما يمكن أن تقسم الى محاور متعددة وكذلك مشكلة التوليف والدمج المحكم للقماش والجلد والمعدن الأبيض والنحاس في عمل واحد اللوحة بمقاس 110 سم / 82 سمبلوحة بغض النظر عن التأطير الخشبي للتقديم لأنهما عبرا عن نضج داخلي وفكري يمارس عن قناعة فكرية تشكيلية .

في اللوحة القاعدة الأم التي تحتضن المشروع الفني خالية من الرموز والعلامات بقماش خشن رمادي بلون تقنيا يقف الرمادي متوسطا بين الاسود والابيض ،هو يمثل العبور الضروري من الواحد إلى الآخر فهو يأتي فقط ليغطي ويخبئ '1' فيأتي هذا اللون كلون محاين بين لونين مختلفين وقد جرت العادة لدى العمود على أن الرمادي هو لون للكآبة والضيق النفسي، خصوصا عند التكلم عن اكفهرار الجو،أو الصور السينمائية السحاب لكن في القاموس الصوفي ، تأكل النار المعرفة والرموزوالعلامات والمقامات والأحوال ( النفري : كتاب المواقف والمخاطبات ) 2" وتترك العبد عاريا أمام ربه . إنها كما يقول الباحث مليم في هذا الشأن : تطهير من كل ما يمكن أن يلهي الصوفي عن موضوع حبه ، وأنا أقول التشكيلي الحقيقي عن قضيته فهي خالية من الرموز لتوحي أن هناك شيئا قد انقضى وانتهى لكن هذا الفنان وظفها بمفهوم التراجيديا المرحة بمعنى الانسحاب من أجل الانبعاث من جديد ،إنها إن فكر أو لم يفكر تعني مرحلة الاحتراق في مرحلة اللوحة الام الحاضنة للعمل التشكيلي والانبعاث في مرحلة اللوحة الثانية المتبثة باحكام في مركزها وهي لوحة جلدية بشكل دائرة انشطرت إلى جزئين متساويين من الوسط هذه اللوحة الجلدية في لونها تركها بلون طبيعي ممزوج بشكل خفيف بالحناء أضاف إليه ملمع اصطناعي لتشد النظر لكنها تحتضن رموز حرفية عربية وأمازيغية بلون جيد للحناء العادية والحناء السوداء . لماذا استعمال الرمز الدائري المنشطر الى جزئين متساويين ؟ إنه رمز الى النواة الحية برحم الأم أكيد وهذا تعبير صارخ عن استمرار الحياة والخروج من العدم الى الوجود برحم اللوحة الأولى ومن الغيب ، ولا أحد يعرف الغيب ما وراء ذلك الرمادي والفن هو انتزاع للرموز من الغيب ولكي يكون لط ذلك عليك أن تكابده على الطريقة الصوفية ، بمرارة الموت وان تكابد الرمادي وهذا يحيلنا على المرجعية الفكرية للتشكيلي وهي المرجعية الإسلامية والإيمان الراسخ بالقوة الإلهية الخالقة .

من هذا الرمادي تبرز اللوحة الثانية الدائرية المنشطرة الى قسمين ،الرسم على الجلد المنبعث من القماش ،من حيث المادة هو أقوى من القماش ، وملمع بمادة البرنيق وتبرز بشكل جلي الاشكال والرموزوالاثار بالحناء بمختلف ألوانها وعادة الاحمر القاتم والاسود .الاضاءة هي من جميع الزواية والرموز على الجلد تبرز وتلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد ( طرفة بن العبد ) من الرمادي برز لنا الجلد بلونه الطبيعي وبالحناء بالاحمر القاتم رمز الدم الجيد والأسود مرموز بالاحرف وها لا يقتصر على لوحة واحدة بل في معظم لوحاته عمل على نفس التقنية بشكل منفرد وبنفس الرموز الاحرف العربية وضمنها في بعض الاحيان الامازيغية .وكأن الفنان مسك بوحي جمالي ووضعه على عمق مهيأ بعشق واللون الاسود رمز للحظة القبض على النور في لحظة وضعه على اللوحة"4 " والرمز الحرفي يعني الكتابة والمكتوب هو أثر وكأنه وحي فني مكتوب كما قال الشاعر لبيد:

فمدافع الريان عري رسمها خلقا،كما ضمن الوحي سلامها'5

وهنا يصبح اللون الاسود والاحمر القاتم مضيئا لتمكنه من التقنية في جميع لوجاته الاخرى اما في لوحتنا هذه هذه الكتابة مكثفة وهي تكثيف لحركة الجسد في الصوفية وتمثل سلسلة الحركات التي يخضع لها الجسد تنكشف له الاسرار .الحركات في اللوحات السابقة مستمرة لكن في اللوحة الاخير وقع انشطار من الوسط وهو رمز لللانبعاث من جديد وانشطار النواة يعطي كائن حي وانشطار الذرة ينتج عنه قوة انشطارية هائلة وهنا في الصوفية نقول انكشاف الأسرار ، وهنا لدى الفنان اكشاف احرف بحجم كبير ومن معدن ابيض يخرج منه حرف الأف بحجم أكبر وبمادة النحاس المصقول والبراق . وبلوحات اخرى هناك حروف امازيغية وعربية معا وهذا تحول في سلطة القول والكتابة في ابداع الفنان .فالوحي الفني خرج من رحم الجلد ومن الرمادي وهنا تبرز علاقة التشكيلي المسلم باللامرئي ويأتي هنا الأثر المكتوب والتقنية في آن واحد.وهذا التنزيل للاثر أو الخط أو الحركة على اللوحة كان بعد نضج فكري وبحث طويل وقناعة لدى المالك بزمام الامر وهو مخرج الافكار التشكيلي الذي يحرك كل هذا بشكل سمفوني رائع على الطريقة الصوفية.

إن خروج الاحرف المعدنية من انشطار اللوحة الجلدية ووتدرجها من المعدن الابيض الى النحاسي البراق له رمزية لتقبض على النور لا بد من الفراغ وهذا الفراغ يأتي من عمق انشطار اللوحة الجلدية ،فنور الله لا يمتلك إلا بامتلاك الأحرف والأثر المكتوب القرآني والابداعي ولامتلاكها تمتلك الأرواح الطاهر المصقولة بامتلاك الألوان في تعددها لكن هنا الاصفر النحاسي الذي يتطلب امتلاك مهارة تقنية عالية .فتجرد التشكيلي من العالم الجلدي المادي يسكت جميع حواسه التي انبعثت من الرمادي ويركز جميع طاقته في مركزه وليس في محيطه ويغيب في تامل عميق ويقع انفجار داخلي لكل افكاره ويخرج بعنف حرفا أكثر لمعا أو أثرا مكتوبا أكثر قوة ولمعانا وهو امتلاك للنور الداخلي مترجما فلسفته وتشبثه بمعتقداته الراسخة بقلبه ومفتخرا بتعدد روافده التراثية كالحناء التي تشغل الحيز الكبير في التقاليد الامازيغية والمناسبات المغربية عموما موظفا اياها بذكاء ليعبر عن ما قاله ابو حامد الغزالي "إن القلب مثل المرآة، واللوح المحفوظ مثل المرآة أيضا،لان فيفيه صورة كل ما هو موجود،وإذا قابلت المرآة بمرآة أخرة حلت صور ما في إحداهما في الأخرى ، كذلك تظهر صورهما في اللوح المحفوظ الى القلب إذا كان فارغا من شهوات الدنيا "

كما يقول مليم العروسي في إحدى دراساته في هذا المضمار " على القارئ أن يؤول الغيب واللوح المحفوظ وما سطر فيه على هواه، عليه أن يسمي الغيب لا شعورا حتى يكون عصريا معاصرا،لكن الذي يهمني أنه يهيئ العمق بعشق ،ويأخذ فرشاته وينتظر أن يرتفع الحجاب ،ولن يرتفع الحجاب إدا لم يتخل الجسد عن محيطه."

إن بروز الحرف النحاسي من وسط المعدن الأبيض بعد انشطار الجلد المثقل بالرموز الحرفية وانبعاث الكل من الرمادي ، وبروزه مصقولا يعني انه تم حرق الحرف بالنار ليصبح اكثر لمعانا وقوة والنار تأتي على كل شيء والاستكانة التي تأتي بعد النار يأتي معها النحاس أكثر لمعانا من وسط الرمادي الذي هو عند الشاعر الألماني غوثي الشيء المضاد للحياة ...."إذا هو إذ هل هو تذكر بعد نسيان ؟ ومن نفس الدوائر تبزغ الرموز والاحرف ومن انشطار الدوائر تبرز الاحرف أو الاثر المكتوب ،أليس الاحتراق نسيان وما تبقى من النسيان هو ما نحن عليه بحق ؟ من أين يأتي النور للوحة هل من انبعاث الاحرف أم من انشطار النواة وهذا يوحي بأن هناك معركة ، لكن عن أية معركة نتحدث؟ 6”هل هو تطهير للفنان عن كل ما يرقل ابداعه من المحيط لينبعث من مركز قلبه بقوة وثقة ؟

عموما إن كل هذا لا يخرج عن ما عرفه العالم العربي من احتراق وتحولات عامة مع خلال ربيع عربي حارق لمكونات الفرد وأثره المكتوب ، لكن التشكيلي رشيد اغلي أعلن عن تشبثه بهويته العربية الامازيغية المغربية بأثرها المكتوب وعاداتها وتقاليدها من خلال الحناء ومكونها الديني الصوفي خصوصا انه درس في مرحلة معينة بالكتاب وهذا من خصائص مناطق الأطلس الكبير وهو الاعتزاز بالانتساب إلى تنمل من أعرق المساجد والكتاتيب القرآنية في المغرب ويعود إلى العهد الموحدي وهذا يبرز من خلاله ، لكن هنا دعوة صريحة للتشكيلي أن الانسحاب يتبعه الانبعاث من المركز وبشكل أقوى إن عدنا لداخل وطننا ومركزنا وانبعثنا من جديد وان نعزل أنفسنا عن المحيط الحارق لكل ما هو جميل والذي دخله عن عبث في العدم وأن ننظر لتجربتنا بصفاء روحي لتحقيق أقلاع فكري وهذا قمة تشبثه بهويته المغربية بتعدد روافدها الفنية والثقافية وجعلها مركز الانبعاث والإشعاع الثقافي العربي والعالمي في أقصى تجلياته ..... وهذا أرخ له في إبداعاته إيمانا منه بالمواطنة النشيطة...... الناقدة خيرة جليل

 

 

 

 

 

ـ 1ـ 2- 3- الفن التشكيلي المغربي على موعد مع التاريخ : موليم العروسي وادموند المليح وطوني مريني ص:27

5ـ أراد ما ينقش على الحجر .والبيت من معلقة لبيد ..... موليم العروسي ...،ن م : ص 25

 

ـ أبو حامد الغزالي : إحياء علوم الدين .نشرـ دار الفكر ـ1975 ـمجلد 3 ـ صـ1377.

ـ أبو حامد الغزالي:( 1057م ـ 1111م )." كيمياء السعادة"_مكتبة الجندي-بدون تاريخ ص 87

4 -La peinture Marocaine au rendez vous de l histoire : Molim Elaroussi et Edmond Amrane ElmalEh : Editions Espace Wafabank. 1989

-7 Gibert Lascault :Eleiments d un dossier sur le gris in Revue d’Esthetiq 1976 /1.Paris.

6 _ René Huythije , Dialogue avec l invisible .Paris 1955.P.131

 

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق