أضيف في 18 نونبر 2016 الساعة 21:20

في رثاء الشعراء


ناصر سالم المقرحي

في رِثاء الشعراء --

لا يعرف قيمة الشاعر إلا شاعر آخر , لِذا وعلى غير العادة , لا غرابة في عالم لا يحفل بالشعر في شكلِهِ المكتوب وأدار لهُ ظهره منذ وقت بعيد , لا غرابة أن يرثي شاعر , شاعراً آخر رحل , وفعل ذلك بصدق قل أن نجد له نظير في القصائد ذات الأغراض الأخرى , فإذا ما مات الشاعر لابد أن ينبري أصدقائه المقربون من الشعراء أو حتى من مُحبيه ممن تجمعهم به روابط روحية ووشائج شعرية رغم تباعد المسافات وعدم وجود تواصل مادي بالمرة أحياناً , لرثائه وإلى تخليده بالكلمات وحتى محاولة إحياءه بالشعر في تحدي واضح للموت .

وكما لو أنهم يرثون شيئا منهم ذهب بذهاب شاعر ما رحل أو يرثون أنفسهم مبكرا خشية ألا يفعل هذا الآخرون إذا ما وافاهم الأجل المحتوم , يرثي الشعراء الأحياء الشعراء الراحلون كما لو أنه واجب أو دين , وغالبا ما يلح الشعر على الشاعر عقب موت أحد الشعراء الذين يعرفهم فيضع رثائيته الخاصة , وشعر الرثاء لا ينتظر كما يبدو إذ ما أن يرحل شاعر حتى يجترح اصدقائه من الشعراء الأحياء قصائدهم في رثاءه ولا يؤجلون شعر اليوم إلى الغد إذا ما ألح عليهم في هكذا مناسبة .

فموت الشاعر بالنسبة للشعراء يعني فيما يعني , انطفاء ضوء في جهة ما من العالم وخمود قنديل , حدوث خلل في نظام الكون وصولة لجيوش القبح ينبغي صدها , ولهذا فهم لا يقصدون الشاعر ذاته إذا ما عبَّروا عن فقدانه بالشعر بقدر ما يقصدون تفادي كل هذا الخراب المتوقع وصد القبح الزاحف .

 

ومن خصائص الرثاء إظهار حسنات الراحلون وتضخيمها من جهة والتغاضي عن مساوئهم إن وُجِدت , بصور شعرية جميلة ورائقة وكلمات عذبة ستترجم مدى المحبة التي يكنها قائل القصيدة لحبيبه الميت وترسم الصورة النهائية التي أراد ترسيخها له في الأذهان , كون الشخص موضوع القصيدة قد توقفت حياته بحيث لا يستطيع إضافة جديد لها ولا استقطاع شيئا منها وأصبحت هذه السيرة في نطاق ال كان وما من احتمال للأنتقال إلى خانة مستقبلية أُخرى .

ويعتبر الشعراء موت أحدهم خسارة كبيرة لا تعوض , وهم حتى وإن لم يضعوا قصائد كاملة في من مات منهم أحيانا فأنهم يقومون بإهداء بعض قصائدهم التالية إلى الراحلون منهم أو أحدهم , إذ كثيرا ما يلجأ الشعراء إلى هذه الحيلة لتخليد أصدقائهم والتذكير بهم على الدوام وربما قصدوا بذلك رد شيئا من معروف سابق أسداه لهم أحد الشعراء المتوفين , ويحدث هذا أيضا إذا ما تمنع الشعر وتأبى ولم يفلح أحدهم في رثاء صديقه الراحل بقصيدة كاملة فلا أقل من أن يهديه إحدى قصائده كبادرة وفاء وحب وتقدير واحتفاء بالإسم .

- طريبشان شاعر المكابدات -

ونحن هنا سنستعرض بعضا مما قيل في هذا الشأن , فها هو ذا الشاعر مفتاح العماري يخص الراحل جيلاني طريبشان بقصيدة توديعيه فائقة العذوبة , أطَّرَ من خلالها رفيقه في الشعر , حيث أسبغت عليه القصيدة عديد الألقاب التي لن تفصح إلا عن قيمة وأهمية من فقدنا وترصد مدى الخسارة التي مُنيَ بها الشعر جراء موت الشاعر المباغت , فالفقيد وبحسب القصيدة وإلى جانب أنهُ شاعر فهو النظيف والمكابد العفيف والرائي والصوفي والعاشق والمشاء , وهي الصفات الأقرب إلى صفات الأنبياء والعظماء .

ولا تتأخر القصيدة مثلما وصفت الفقيد في رسم سلوكه المختلف والأقرب إلى سلوك الأنبياء أيضاً , فالفقيد هو الذي يحزم أوراق شعره قبل حقيبته وهو الذي يباغت الموت في عقر داره وهو الذي يفتح ممرات أخرى للسر ولا يتردد في تخصيب قامة العلو , فما العلو ان لم يتعهده الشاعر برعايته ويتولاه بشعره !!

القصيدة لا تنوح ولا تتباكى شأن بعض قصائد الرثاء الأخرى ولا تبالغ في إظهار محاسن الراحل ولا تضخيمها ولكنها وبنبرة هامِسة ومقنعة تعطي الشاعر حقه وتبوأه المكانة التي يستحقها كونه لم يلقى المنزلة التي تليق به حياً , فلعله يجد ما يليق به ميتا , والقصيدة هنا ليست قصيدة فحسب وإنما هي نوعا من رد الأعتبار للشعر الحقيقي واحتفاء بشعر جيلاني طريبشان , وهي في ذات الوقت تذكرة عبور إلى مُنجزه الشعري ودعوة لقراءته من جديد بما يليق بغياب صاحبه , وكما أسلفنا ولئِن بدا واضِحاً حزن الشاعر – قائل هذه القصيدة – على رفيقه الشاعر الراحل إلا أن القصيدة لم تتورط في تبني نبرة الحزن المجاني ولا البكاء ولا العويل ولا النواح الفج وإنما بصوتها الواثق ولغتها المتينة اختزلت شعور الفقد وقسوة الغياب الذي اختبره الكثير من أحباء الشاعر الراحل , وقالت ما لم يستطيع الكثيرون قوله والتعبير عنه من أحاسيس وانفعالات وردات فعل تجاه هذه الحادثة , لا سيما وأن الشاعر مات ميتة تراجيدية , هذا إن لم نقُل ميتة شعرية إذ حضرهُ الموت في لحظة تجلي وانعزال داخل أحد المساجد بالمنطقة الريفية التي أقام بها أواخر عمره بحسب اعتقادي وكانت آخر جملة نطق بها هي . ." يا إلهي قليلاً من الراحة " .

ولعل ما يجب التنبيه إليه هو أن القصيدة لا تعد الشاعر الراحل ميتا ومنتهياً إذ ذاك ما يفصح عنه عنوانها " نام الشاعر هنا " ولربما اعتبرته نائماً ولابد للنائم من أن يستيقظ ليكمل مشواره واستعداده لجولة أُخرى قادمة , ولربما اعتبرته كذلك كناية عن عدم نفاد الأمل .

وكعادته العماري في هذه القصيدة يتكئ على الرسم بالشعر ويلجأ إلى استدراج الصور المبتكرة ليوصل فكرته بفنية عالية عبر الشكل النثري وبأقل قدر من الجهد فيما يخص المتلقي , هذه قصيدة طويلة نكتفي بإيراد مقاطع منها متوخين أن تعبر عما ابتغينا البرهنة عليه في شأن رثاء الشعراء للشعراء ولعلنا نبلغ ذروة القول في القصيدة مع هاته الجمل الشعرية ذات النسق الرفيع :-

مات الصوفي

العاشق الرائي

والكهل المشاء

الذي يطوي المدن في دفاتره

ويغير الأسماء

لكنه ماذا رأى

حين منح للموت صفة الشعر

وضوَّعَ القبر بمسك براءته

ووهب لمهابة نومه كل هذا البهاء .

 

- - أبوالقاسم المزداوي . . الموت الصاخب

وشكَّلَ موت الشاعر أبوالقاسم المزداوي ذات حادث مروري ما يشبه الصدمة والخسارة الفادحة لأصدقائه الذين تقاطروا لحضور جنازته الباذخة وشيعوه كشهيد حتى مثواه الأخير بمقبرة سيدي حامد بمنطقة قرقارش بمدينة طرابلس , اعترافا منهم بدوره الفعال في إثراء المشهد الأدبي طيلة سنوات , غير أن الشاعر عمر الكدي البعيد عن الوطن عند وقوع هذه الحادثة الأليمة ولكي يخفف من مُصابه ويتجاوز محنة فقدانه لصديقه لجأ إلى الشعر ليبثه شجونه وأحزانه وحتى ذكرياته لعله من خلال هذا الفعل النبيل يلتمس بعض العزاء والسلوى , والشاعر في مذهب القصيدة لم يمت ولم يغادر وإلا لما خاطبه الكدي كشخص كامل الحضور وليس ميتاَ .

لو أنك لم تدخل الفيس

لو أنني لم أضمك إلى قائمة أصدقائي

لو تجاهلت لهفتك عليّ

ورسائلك القصيرة الساخرة

لو لم أقرأ تعليقاتك تحت مقالاتي

المذيلة بإسم " البلقا "

لو لم نسهر ليالٍ طويلة نضحك من هذا الزمان

. . . .

لو أنك تأخرت قليلا

لكنت الآن بين أطفالك

ولما تفجرت في داخلي كل هذه اللوعة .

ويكأن القصيدة وصاحب القصيدة كان يتمنى إن لم يضع القدر هذا الرفيق في طريقه ولم يتعرف عليه ليصيح صديقا مقربا له حتى لا يورثه كل هذا العناء برحيله المباغت ولا يفجر بداخله كل هذه اللوعة والحزن بغيابه المفاجئ .

ثم وفيما يشبه العتاب الخفيف , عتاب الأخ لأخيه والمحب لمحبوبه وكأن الأمر كان إرادياً ومُتحكَماً به كأن الراحل يمارس لعبة الأختفاء ليظهر في نهاية اللعبة سليما معافى مشرقا كعادته . يخاطب الكدي صديقه الراحل :-

لماذا ترحل فجأة قبل الأوان

وتتركني في قبضة هذا الأسى

دمعي تحجّر ملحا في مقلتي

والريح تُصِّر في صدري القاحل

لماذا أيها الصاخب

أخترت هذه النهاية الصاخبة .

وموت الشاعر , أي شاعر , لن يمر في تصوري دون أن يثير زوبعة حتى وإن كانت في فنجان لأن رحيل الشاعر ليس كأي رحيل فكيف سنرى العالم بعيون حالمة وبدفق عاطفي جياش ان اختفى الشاعر من على وجه الأرض , الشاعر الذي سيترجم الحياة إلى كلام عذب يسهل ارتشافه ورحيق زلال يستطاب لعقه .

أُخوة الشعر - -

ولم تقتصر قصائد رثاء الشعراء لرفاقهم الشعراء على الفصحى فالعامية أيضا اقتحمت هذا المجال وكان لها نصيب في هذا الدفق الشعري الفياض حيث نظمت القصائد التي تعبر عن قسوة الفقد من جهة والتقدير والأجلال والحب للشخصية موضوع الرثاء من جهة ثانية , وهذا تماما ما دفع بالشاعر المصري الراحل صلاح جاهين أحد رواد الشعر العامي في مصر والعالم العربي صحبة ثلة من الشعراء مثل بيرم التونسي وسيد حجاب وعبدالرحمن الأبنودي وأحمد نجم وآخرون , دفع به إلى نظم قصيدة تعد الأروع لرثاء الشاعر التركي ناظم حكمت الذي جمعته به أُخوة روحية ووشائج وجدانية متينة , والقصيدة تقول ذاتها بفصاحة ومنذ بدايتها , آذ حملت عنوان " بكائية إلى ناظم حكمت " وفيها يخاطب جاهين رفيقه في الشعر كما لو أنه يقف بإزائه ولا تفصله عنه ستائر الموت الثقيلة , كما لو أن ناظم حكمت أخل بوعده للشاعر صلاح جاهين في أن يظل على قيد الحياة لأجله ولأجل الشعر وفجأة يخل بوعده ويرحل ما تسبب في صدمة طفيفة لجاهين الذي كان مطمئنا للوعد ولم يتوقع هذه الأنعطافة الحادة والمفاجأة الغير سارة التي زلزلت كيانه وأخرجته عن سكينته فطفق يلوم صديقه الراحل لوما خفيفا ويعاتبه عتابا هينا ويذكره بما مضى من أمجاد شخصية وإلى ما آل إليه كفاحه ضد الاستعباد والقهر الذي ترزح تحته الشعوب المغلوبة على أمرها .

مُتَ متأثرا بجرحك القديم ؟

بعد ما قلنا خلاص

عم ناظم طاب وقاعد في الجنينة

يقرأ في الجورنال , ويكتب جوابات

قالوا مات

مش خلاص كنا انتهينا

مش مسحنا مطرح القضبان بتبسيمة عينينا

مش دواك جبناه من الهند من الصين واليابان

من بلاد الثلج , من باندونج من سيلان

من هنا من القاهرة ؟

مش صحيت ومشيت وجيت طليت علينا ؟

من سنة , ومش جيت وطليت عالغيطان

ولقيتها بين ايدين الفلاحين

من سنة , ومش جيت وطليت عالمصانع

ولقيتها بين ايدين العاملين

من سنة , مش جيت ودورت هنا

عالولد اللي في قصيدتك بورسعيد

قلبه كان تفاحة خضرا , ومات شهيد

مش لقيته من جديد

ولقيت شعرك على لسانه نشيد ؟

ولقيت شعرك بيتجسد على مر الزمان

ليه تموت يا عم ناظم

قبل ما أزمير تغني لك كمان

كنت عشت

كل شيء له أوان

" جومو كينياتا " أنت فاكره

كان زميلك في ظلام الزنازين

أنتو الأثنين كنتو من حبة سنين

دمعنا المر السخين

قلبنا الحر الحزين

مش خرج من السجن والحق انتصر

مش حكم كينيا باسم الملايين

مش خرج من ظلام السجن ورفع راية الجزائر

واليمن مش جالها يوم ؟

أنما برضه أنت شاعر

قلبك الحلو معذب وكظيم

لسه في أستانبول يشحن في البواخر

ويا عمال المواني

لسه في الأناضول , بينكم مع فلان الفلاني

لسه بيعاني الأماني

لسه بيغني أمان . ليل بعد ليل

شجر البندق عطش عالدردنيل

جفت الأغصان بقت شكل الخناجر

وأنت شاعر

قلبك البلبل , حضنها ومات , مهاجر

أيه يا ناظم يا عظيم

جرحك اللي مت بيه مش قديم ! . .

وشأنها شأن الكثير من القصائد العامية وقصائد جاهين نفسه لم تخلو هذه القصيدة من الإيقاع الناجم عن أحرف بعض المقاطع الشعرية وبطريقة غير منتظمة .

جُنينة الشعر -

وبعد معاناة طويلة مع مرض السرطان توفيت الشاعرة جُنينة السوكني العام 2005 فرثاها الشاعر الصديق أبو دوارة بقصيدة مؤثرة تقطر حزنا وألماً , وعلى غير عادة الشعراء الذين يتجهون إلى المتوفي مباشرة ليحاوروه ويبثونه شجونهم وأحزانهم كما لو أنه حاضرا أمامهم , توجه الشاعر أبو دوارة بالخطاب إلى ابنته التي جعل منها وسيطا بينه وبين فجيعته في رحيل الشاعرة .

القصيدة التي حملت عنوان " بانت جُنينة " وهو العنوان الذي يحيل إلى القصيدة التراثية " بانت سعاد " حالما تقع عليه العين , القصيدة التي عبرت بحق ولامست برهافة عالية حالة الشجن والحزن العميقين اللذين انتابا الشاعر ما أن بلغه نبأ وفاة جنينة كما لو أن جزءاً من مملكته تهدم , لأن الشعراء يبحثون عن بعضهم البعض في هذا التيه المسمى حياة فقط ليتساندوا وليؤخروا لحظة السقوط والانهيار أو هكذا أتصور , يخاطب أبو دوارة ابنته في القصيدة :-

 

نامي الآن يا ابنتي

أطفئي نور عينيك لبعض الوقت

وسافري بخيالك في فوضى المسافات

أثناء ذلك. .

سأروى لك حكاية عن جنينةٍ من الهدوء

ماتت بصمت

مخلفةً وراءها بعض الفجيعة

وما لا يحصى من الحزن .

حنى يقول ولا ندري أيقصد ابنته كما بدأ القصيدة أم الشاعرة الراحلة فهنا

تختلط الشخوص وتندغم في وحدة واحدة , أو لعله يخاطب نفسه الشاهدة على فجيعته , نفسه الأمارة بالحزن , إذ يواصل ..

نامي الآن..

واتركي لي مكاناً بجانبك فقد أنهكني التعب

وأساءت إلى فمي مرارة السؤال

عن موت الذين لا يستحقون إلا الحياة

اشتهي الآن أن أضمك إليّ واهرب كعادتي إلى النوم

متخيلاً جنازة لم أتمكن من حضورها بداعي المسافة

وموتاً لم أعلمه بداعي المفاجأة

ورحيلاً لم أرضَ عنه بداعي الاحتجاج

نامي الآن واسمحي لي أن أشاركك نعمة الهروب

حيث العيون المطفأة إلى حين

والذاكرة الميتة إلى أن ينتهي العمر .

 

*******************

ناصر سالم المقرحي

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ناصر سالم المقرحي

محاسب   / طرابلس , ليبيا


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق