أضيف في 16 نونبر 2016 الساعة 11:23

زوبعة في الحديقة ...... (3)


د موسى أبومحلولة

زوبعة في الحديقة ...... (3)

 

وقف الشرطيان وجها لوجه أمام قطعة المعدن الصدئة والنصف مدفونة تحت التراب ... 

كان أحدهما رجلا في مطلع الخمسينات من عمره طويل القامة ممشوق القوام قد غزا شيب أبيض كثيف شعر رأسه القصير ودلت ملامحه على ثقة كبيرة بالنفس وخبرة بوليسية طويلة أما مرافقته فكانت إمرأة شرطة في اﻻربعين أو أقل قليﻻ بدت ملامحها دقيقة وصارمة بعض الشيء وإن كانت ﻻتبخل بابتسامة مجاملة من حين ﻵخر ... 

كان هذا اليوم هو أول أيام التوقيت الشتوي لبريطانيا مما يعني أن الظﻻم سيحل مبكرا بساعة مقارنة بيوم اﻷمس وعندما دخلنا الحديقة كان الظلام بالفعل قد أرخى أول سدوله ولم يكن باﻹمكان تفحص القطعة المعدنية المهترئة بوضوح وعن بعد ...

إقترب الشرطي منها بعدما أشعل مصباحا يدويا كان مثبتا بحزامه وبمجرد أن سطع ضوء المصباح فى المكان تراجع خطوات إلى الخلف وقال موجها كلامه لي:

- إنه لغم أرضي ... لقد أحسنت التصرف بإبلاغنا ويجب أن أباشر بإتخاذ اﻷجراءات اللازمة في الحال

- نعم ... وهل من شيء يجب علي فعله

- نعم بالطبع ... إخبر أفراد أسرتك أن يبتعدوا عن الحديقة ويجلسوا في أبعد غرف البيت عنها وأن تستعدوا جميعا ﻷي طاريء بما في ذلك إمكانية اﻹخلاء الفوري للمنطقة بدائرة قطرها 100 متر ... سأجري اﻹتصاﻻت اللازمة وسأتولى إبلاغ الجيران باﻷمر وسأبلغك بأي جديد ...   

 

قال هذا وأنسحب هو ورفيقته إلى خارج الحديقة في إتجاه الشارع ، بينما دخلت أنا للبيت ﻷنفذ آخر التعليمات وأنتظر الجديد . 

في هذه البلاد ﻻتترك اﻷمور للصدفة أو للتخمين وﻻ مكان للارتجال واﻹهمال بل لكل شيء نظام وخطة طواريء جاهزة ومكتوبة يتم أتباعها بالحرف ودنما تردد أو ضجيج أو تلكؤ او تأخير وينطبق ذلك على جميع مناحي الحياة فما بالك عندما يتعلق اﻷمر بالحياة نفسها ...

 رتبت اﻷمور داخل البيت حسب التعليمات وفي أقل من عشر دقائق كان جميع من بالداخل على أهبة اﻹستعداد ﻷية تعليمات جديدة وكان الهدوء يخيم على البيت والشارع وكأن شيئا لم يحدث ...  

 

لم أتعود بحكم تكويني الثقافي وربما "الجيني" الليبي أن اتعامل مع أمر كهذا بكل هذا الهدوء وهذا السكون فقد وجدت صعوبة بالغة في اﻹنتظار ذاخل البيت رغم معرفتي بأن هذا مايجب فعله في وقت كهذا، فبعد أن أطمأنيت على اﻷوضاع داخل البيت عاودني فضول "ليبي" ملح ودفين ففتحت الباب ودلفت إلى الشارع ﻷستطلع ما الجديد ...

كان ثنائي الشرطة قد غاب نحو عشر دقائق كاد فيها صبري أن يغيب عني وصرت أخمن وأتوقع وأحسب أنه ﻻيزال مشغوﻻ على الهاتف مع رؤسائه أو ربما يكون قد غادر المكان ﻷمر ما وحتما سيعود بعد حين ...

لكن اﻷمر في الحقيقة كان مختلفا تماما فقد وقفت عند عتبة البيت مشدوها وأنا أرى الشارع أمامي يعج برجال الشرطة وسيارتهم المتعددة ومن كل نوع وهم يقفلون الشارع الرئيسي وكل الشوارع الفرعية المحيطة بسياراتهم ويعزلون المنطقة بشرائط العزل البوليسي ذات اللون الأصفر واﻷسود المميز والعاكسة للضوء ... أغلقت عيناي ويممت وجهي نحو السماء داعيا الله تعالى أن تمر هذه الليلة على خير ... 

دخلت البيت من جديد وأغلقت الباب ورائي.

.................................يتبع


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : د موسى أبومحلولة

طبيب وكاتب ليبي   / مقيم في لندن , ليبيا

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق