أضيف في 13 نونبر 2016 الساعة 16:07

أوراق المناخ المتساقطة


رشيد اليملولي

أوراق المناخ المتساقطة .

لعل الخيط الرابط بين الخريف و المناخ قوي ، لدرجة يصعب الفصل بينها ، فمناخ الخريف يحيل على سياق زمني موسوم بالتآكل و الذبول ، و أفول الخضرة في العديد من مظاهر و سمات تلك اللحظة الزمنية ، و إن كانت مؤشرات أخرى تفيد بأن معالم الحياة تدب في سراديب العتمة و الحلكة المميزة لمظاهر الخريف .

لقد اقتضى زمن هذا الخريف أن يتزامن مع لحظة مناخية تعد بإمكانات تجاوز العقبات التي تطال تعثر تطبيق مقتضيات الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالمناخ منها على سبيل المثال " كيوطو" ، و الاتفاقية الإطار لمؤتمر "باريس " ، و في ذات السياق ترافق مؤتمر مراكش بزلزال أمريكي عنوانه " ترامب " ، و موقفه الحدي من ظاهرة الاحتباس الحراري ، و المشاكل المتعلقة بالبيئة ( صعود ترامب في تقديرنا ليس هو لب الموضوع ، و إنما هو الكتلة التي أنتجت ترامب ، و هي من المسائل التي تطرح أكثر من علامات استفهام حول القيمة الديمقراطية الأمريكية أو الفرنسية سابقا من خلال رفض امرأة على قمة هرم السلطة في هذين البلدين ) .

ما يهمنا في قمة مراكش هو الإشكالات المرتبطة بالهاجس البيئي الوطني سواء قبل القمة و في سياقها أو ما بعدها ، و ذلك بالوقوف عند إشكال تنظيم المغرب لهذا المحفل الدولي ، و مساءلة الإطار الثقافي و الحقوقي البيئي المغربي .

قد لا يتعلق الأمر إطلاقا بمحاكمة من نوع ما ، أو تنقيص و ازدراء و تحقير ، و لكن الأمر يهفو بناء افتراضات " منطقية " على مستوى التصور و الفعل ، الذي يمكن أن يؤسس لفلسفة تقييم و ليس إدانة و تحقير .

قد يكون السر وراء تنظيم هذا المؤتمر في المغرب مرتبطا بالخطوات و المنجزات التي تعطي مؤشرا أن هناك فكرة و تصور معين يتبلور في إطار البيئة ، وفق ما تقتضيه و تنص عليه المواثيق الدولية ، إلا أن الإشكال يبقى قائما ما دام أن الهاجس البيئي لم يتحول بعد إلى مشروع مجتمعي و مؤسساتي متكامل ، بقدر ما هو سياسة مشفوعة بتصورات قطاعية لم تصل بعد إلى درجة الإدراك العميق لمسألة التربية البيئية ؛ فمثالا لا حصرا لازالت الوحدات الدراسية في المواد ذات الصلة ، و التي تروغ بناء الثقافة البيئية ، دون المستوى المطلوب و خارج أي تطلع أو أفق يحتكم إلى مشروع هادف و نوعي لا يستعجل الخطى ، و لا يقدم الذات عربونا على الوفاء ، في ظل ندوب و معاطب بيئية لا زالت تنخر الجسد الوطني ، و ذلك على الأقل من خلال المعايير المطلوبة دوليا .

و في سياق موازي تراوح تصاميم التهيئة الحضرية و الوحدات السكنية الجديدة المعبر عنها بالسكن الاقتصادي تلتهم الأرض في ظل " غياب " الاعتبارات البيئية ، و التعاقدات المتعلقة بها ، و المعبر عنها في التباين الصارخ بين التصاميم المقدمة و الواقع العملي ، أكثر من ذلك يعبرالمشهد العمراني لجل و غالبية المدن المغربية عن تصاميم سريالية ، يتجاور فيها الحداد و السباك و صاحب الحمام و النجارو المقهى و الأفران مع السكان ، وتتعايش " القيم " السكنية مع الإكراهات التي لا ترى في المنزل وحدة اجتماعية و ثقافية و سلوكية و نفسية ، بقدر ما تعده ـ أي الإسكان ـ أسلوبا للتوطين و الاستيطان و محاربة مدن الصفيح ، يفضي ذلك إلى نتيجة لا تنتج المجال ما دامت تعيد التوطين بعيدا عن هوية المجال ، و توفير سبل المجال المحفز على السكن و ليس الإسكان ، و يتحول الأمر إلى هندسة أمنية تسعى تطويع المجال و بناء خلفياته و امتداداته على أسلوب الدمج و الضبط و التطويع ، أملا في الوصول إلى مجال غير مشاكس و نقدي ، يؤدي كل ذلك إلى تمريغ الحقوق النفسية و البيئية في مستنقع الحسابات الداعمة لسياسة و أسلوب الضبط ، ينتقل بموجبها السكن إلى وظيفة محددة المعالم ( و هي صرخة النملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ......) ، لا تسعى إلا إعادة إنتاج الريف و التطويع ( عاش المخزن ) ، مما ولد أجيالا بشرية تقتات على الهامش البيئي ( التشجير المبسط و ليس البسيط ) ، و ترى فيه ترفا محدودا ، لا يضيف للإنسان أية قيمة قد لا تعدل الإيواء و الإسكان ، و ذلك ما حول المجال السكني في المغرب إلى مجال يخاصم و ينابذ البيئة ، لدرجة قد تجعل المواطن البيئي رقما لا يدخل في أجندة التنمية إلا من باب الحرج و الضيق في المحافل الدولية ، و ليس الاقتناع المتولد عن ثقافة بيئية متكاملة .

تكاد الانطباعية و سياسة ردود الفعل تميز الحركية المغربية التي رافقت كوب 22بمراكش ، حيث أن الاستعداد القبلي و بناء التصورات الوطنية انطلاقا من هذا العرس ، عبر تعاقد اجتماعي بين الدولة و الفاعلين بمجرد انتهاء محطة باريس من خلال توسيع دائرة المشاركة ( استفتاء بيئي ) لم يبدأ إلا في لحظة متأخرة، و نسج هذا التعاقد على قاعدة المرجعية الاجتماعية و استقاء جوهر الإسهام المغربي من هذا الحياض ( المشاركة الاجتماعية الواسعة ) ، و لم لا حبك أفقها من جامعة صيفية و خريفية ، تستمد أفكارها و تصوراتها من العينة المتعلمة و غير المتعلمة ، و صياغة و توضيب ما تجمع من معطيات ، و تقديم الحصيلة انطلاقا من الأجيال الصاعدة ، أما أن يتم بناء هذه التصورات عن طريق لقاءات و مذكرات الباشا و القائد و المدير الإقليمي ؛ سواء بتنظيم لقاءات " متسرعة " هدفها تسويق خطاب الحركية الوطنية و التفاعل التام ، حيث يحول اللحظة إلى انفعال نفسي أكثر منه ثقافي و بيئي ، و هنا نتساءل ؛ بأي معنى يتحول القائد و الباشا و المدير الإقليمي إلى مرجعيات بيئية ؟ ومن أين يستقي هؤلاء هذا الاهتمام المفرط و تحديدا بلغة الأوامر و المذكرات ؟ .

إن التفكير في البيئة هو بالضرورة تفكير في إنسان البيئة و بيئة الإنسان في إطار شراكة بناءة ، و ليس تفكير حركية موهومة تؤطرها المذكرات و الوصايا ، و صياغة الأفكار الجاهزة ؛ فلا يعقل مثلا أن يتم إشراك المدارس في هذا العرس المناخي فقط عن طريق لغة الوصايا دون القوة الاقتراحية و الإضافة النوعية ، أو ترحيل تلاميذ المدارس الخاصة أكثر تحديدا إلى أروقة المؤتمر ، بغرض تسويق نموذج بشري يعانق البيئة في المظهر و الصورة .

لا تدخل البيئة في الاهتمامات الخاصة بالأزمة فقط ، و إنما تنبني على الاهتمام المتزايد بقيمتها باعتبارها فاعلا في صياغة مقومات التنمية المستدامة ، لهذا الغرض لا نرى مبررا مقنعا من تنظيم لقاء أو مؤتمر دولي ، ومعاملنا ترفل في مستنقع تحقير البيئة ، و لا تهتم بكيفية تصريف أزبالها إلا على أنقاض الأراضي الفلاحية و بالقرب من بعض الطرق الوطنية .

البيئة اهتمام يومي لايفيد في شيء أن نبني منزلا للإسكان في الأوراق و داخل الوحدات السكنية ، و على الواقع دفتر تحملات بيئية لا يتجاوز أنفه ، و معمل يلفظ يوميا غباره على السكان ، بدعوى قدم تواجده و أسبقيته في المجال على حساب الإنسان .

إن الاقتناع السائد هو أن صورة المغرب الحضارية لا تقاس ببناء مشاريع التسويق و التتجير تحت أي إكراه كان ، إنما قد تبنى في إطار جدلي يفلسف الإمكان و الواقع ، و لا يطوع و يؤدلج أي طرف على الآخر .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق