أضيف في 11 نونبر 2016 الساعة 01:02

. الناقدة التشكيلية خيرة جليل : رهاب بيطار ذاكرة الزمكان في فنها تحمل قضية وطن لتؤسس لتشكيل كوني لا حدود له يمد جسور السلام عبر العالم......


خيرة جليل

 

إذا كان من المتوقع أن تكون دراسة القانون والعيش والدراسة خارج الوطن والهجرة نحو بلاد العم صام سيجعل منها فردا أو كائنا صلبا وقاسيا فقد اتبثت التجربة لدى الفنانة العالمية رهاب بيطار العكس ، لقد أصبحت قوية الشخصية لكن مرهفة الحس . لم يزدها الابتعاد عن وطنها سوريا إلا تشبثا بهويتها واعتزازا بانتمائها إلى أن سكن الوطن قلبها وعقلها وأصبح عبق ياسمين مدينة دمشق يفوح من لوحاتها التي هي جولة في دروب وأزقة المدينة العتيقة برياضها وروائحها العطرة ، هذا التسلح بالأصالة العربية الدمشقية زادها تفاؤلا لتطمح في غذ ومستقبل أحسن بما هو عليه الآن بترديد عبارة "بكرى أحلى.

إن الملاحظ البسيط للوحاتها يدرك عن عمق أن ذاكرة الزمان و المكان ، فرائحة أزقة دمشق الشعبية الضاربة في عمق التاريخ تفوح من كل أعمالها بل وفي أدق التفاصيل اليومية للإنسان السوري ، وهذا العمل يعبر عن الحنين إلى ماض جميل وقريب في نستا لجيا تقاوم بها الغربة التي تسعى لطمس هويتها العربية في اطار العولمة بالمجتمع الغربي .

فعلا لم يزد ابتعاد رهاب على وطنها كسفيرة سلام في العالم إلا تشبثا بهويتها السورية الشرقية وخدمة قضايا إنسانية أعمق وأكبر على وجه الكرة الأرضية في ابعد حدودها جغرافيا وتاريخيا وإنسانيا ، مما يجعلنا نتساءل : في ظل فوضى الأحداث العالمية وفوضى الاحساس والانتقال عبر الزمان والمكان كيف استطاعت رهاب بيطار توظيف دراستها القانونية وحسها التنظيمي وأفكارها الفلسفية ورسالتها الإنسانية العميقة أن تخرج عملا فنيا بسيطا ممتنعا ؟ أن تبدع بأناملها فنا يحمل بصمتها الأكثر تفاؤلا بترديد عبارة " بكرى أحلى " فكيف تفاعلت مع مجال اللوحة بتوزيع الكتلة اللونية والضوئية على مجال لا يتعدى اقل من نصف متر مربع يحمل قضية وطن وهوية في أرقى أبعادها الإنسانية العالمية ؟ أسئلة تجيب عليها مجموعة من أعمالها سنتناولها بالدراسة التحليلية عموديا وأفقيا أي في تقاطع وتفاعل بين المدرسة التشكيلية التي اختارت التعبير في إطارها وفلسفتها العلمية ورسالتها الإنسانية .

لقد اختارت رهاب المدرسة الواقعية للتعبير عن نستلجيا للزمن الجميل لسوريا كمسقط للرأس بحاراته ورياضه وقصوره العربية التي تتميز بانفتاحها على الداخل على شكل حدائق قد لا يخلوا أي مسكن منها و قد تكبر أو تصغر من حيث المساحة والزخرفة والنافورة المائية التي تتوسطها وأزهار الياسمين الدمشقي الذي يرمز لأرستقراطية الأسر التي أغالبها كانت تشتغل بالتجارة بمختلف فروعها ، ورهاب شامية الأصل وعشق دمشق جمعها بالشاعر الكبير نزار قباني وخليجية النشأة مما جعلها على انفتاح عن الرهانات الاقتصادية بالمنطقة وأمريكية العيش مما سمح لها بان تنظر لقضية وطنها والشرق الأوسط عموما من زاوية ابعد وأشمل في ظل التحولات التي يشهدها العالم بأسره .

وفي اطار الدراسة والتمحيص نلاحظ أن أغلب لوحاتها وإن لم نقل جميعها تستعمل فيها وبدقة متناهية تفاصيل دقيقة وبتمكن تقني من الرسم عالي فلوحاتها تحكي عبق التاريخ وأصالة الحرف وشموخ الأزقة القديمة وغالبا تستعمل اللون البني وهو رمز للتراب الدمشقي والى عراقة وأصالة عملها .فاللون البني يحيلنا على شيء من الماضي والانكسارات الضوئية عليه تتميز بتوزيع متجانس يتداخل مع اللون الأسود مما يذل على عملية التذكر ورسوخ ذكريات الطفولة ، وأحيانا يتم مزج اللونين بحبكة متناهية وتمكن واضح باللون البنفسجي وهو ما يعكس الرغبة في الإنعتاق من هذه الذكريات القديمة نحو واقع حديث يفتقد لتلك المشاهد المرسومة بدقة. فنجدها في كل لوحة تحكي حكاية وتنسج علاقة بين اختلاف اللوحات والحكايات وفي نفس الوقت تصبح مشاهد حية تداعبها بدهنها المرهق أحيانا والمتفائل أحيانا واضعة ألف سؤال على المحك ،أين سوريا اليوم من سوريا الأمس القريب ؟

وكأنها تقول وطني العريق إلى أين أنت ذاهب ؟

وكأنها بهذا تذكرنا بأبجدية تاريخ سوريا من عند سوق الحميدية والبزورية بسلعها ومحلات حليها وبوابات دمشق السبعة و أبوابها العتيقة من جدة القديمة ..... معلنة أن وراء الأبواب أسرار وعائلات ودفء العلاقات بينها .... والأزقة الضيقة وساحتها الواسعة وحرفها في مجال الصناعات النحاسية كلوحة بالألوان المائية المتناهية الانسجام .كسوق النحاسين بدمشق وذلك في أعمال جميلة وقدرة فائقة بالتعامل مع الألوان المائية وأحيانا تتعمد عدم تحديد منبع الضوء...لتكون اللوحة أكثر جمالية و تعبيرا على أن الضوء يسكن اللوحة كما تسكن الروح الجسد وهذه قمة التمكن من التلاعب بالظلال والانكسارات الضوئية وخطوط مستوى الرؤية مازجة بين تقنيات التماثل والتناظر والتوازي والتركيب والترميد والترميز ................ إنها دمشق التاريخ وياسمين دمشق التاريخية وروح ورياحين الياسمين معلقة بأرواح أهلها من خلال رسم بيوت الياسمين أو أزقتها الدمشقية مما يجعل معظم أعمالها بل كل أعمالها تحمل الروح التراثية واﻻصالة ورائحة الماضي الجميل ....... بلوحات حالمة ومرهفة الحس.

أما إحدى اللوحات فقد صورت التشكيلية فيها الأطلال مستعملة اسما مستعارا من الثقافة العربية القديمة لكنها رمزت لها بوسائل حديثة من دراجة هوائية مهملة أمام باب وهذا إعلان منها إلى بداية هجرة الوطن الأم وبداية الاغتراب والحنين إلى ذلك الزمن الجميل ، فعلا إن اغتراب الذات العربية وانكسار الرؤية الجمالية وضياع السلام برمزية كبيرة وبألوان داكنة فتفقد ملامح وجه الإنسان السوري نضارتها ......وذلك إعلانا من الفنانة على بداية الخروج من نفق القضية الوطن إلى القضايا الإنسانية العالمية بما حملته من فواجع صارخة خلال القرن الماضي ،صارخة بفنها للحد من العنف والاقتتال كما يظهر ذلك برمزية واضحة في لوحة من أعمالها بالألوان المائية لمتحف هيروشيما –اليابان حيث احترق الطفل يوم الكارثة وتعرفت عليه والدته من خلال العلبة الغذائيه التي أصبحت معروفة عالميا ، وبذلك تنقل رهاب فنها من ما هو محلي وطني إلى ما هو عالمي كوني لان القضية قضية إنسان ككل وقضية مصيرية للإنسانية .....فاتحة الباب على مصراعيه أمام ما ينتظر البشرية إن استمرت في نفس النسق الفكري...... وهذا يتوافق وفلسفتها السلمية والتي على إثرها لقبت بسفيرة السلام . ولم تزدها منظمة جسور إلا وعيا بالمسؤولية التي تنتظرها ليس كفرد عادي بل كفنانة تشكيلية محترفة وليست كمبدع إقليمي لكن كمبدعة كونية.

عموما إن الدارس لفن بيطار يلاحظ الدقة في تقنية الرسم والتنظيم الفاريقي و نستا لجية الاحساس إلى كل ما هو تراثي مع تمرير الخطاب السلمي الكوني . فتمنحك من خلاله إشباع فني وثقافة جمالية ورسائل إنسانية وبناء جسور للسلام تمتد على أطراف الكرة الأرضية ضاربة بذلك عرض الحائط النظرة الضيقة للتشكيل وفاتحة للمجال لكي يتحدث فنها جميع لغات العالم من خلال الألوان والتقاطعات الخطية و واللونية والمرجعية الفكرية والثقافية للعمل الفني ككل ، مرسخة فكرة أن التشكيل لغة عالمية يمكن أن نتحدثها ونفهمها جميعا ونمرر من خلالها رسائل سلام مهما اختلفت اللغة الأم وهذا يرجع لمكون شخصي لها وهو كونها سيدة قانون قبل كل شيء ، تاركة المجال مفتوح لمخيلة القارئ ليقرأ ما وراء الرسم بخطوطه وتقاطعاته وضوئه وانكساراته ونسبة تردد حكاياته ومتفائلة في الغد وما سيحمله من جديد بترديد عبارة بكرى أحلى.....الناقدة التشكيلية خيرة جليل المغرب .

 

 

 

 

 

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق