أضيف في 9 نونبر 2016 الساعة 16:09

هاروت وماروت


عبدالله بدر اسكندر

الطرح الجزئي لمسلمات الدين والابتعاد عن التصديق بتفاصيلها يفضي بالناس إلى إنكار جميع الكتب التي أنزلها الله تعالى عليهم وأرشدهم إليها عن طريق الأنبياء والرسل، ولذلك نرى أن الحق سبحانه جعل الأجزاء التي يتكون منها المنهج الإلهي يعضد بعضها بعضاً، فإن حدث ما يتسبب في ترك نسبة قليلة من تلك الأجزاء فبلا أدنى ريب سيكون هذا الترك مشتملاً على المنهج بأسره، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في كثير من متفرقاته فتارة يربط قتل النفس الواحدة بقتل الناس جميعاً، كما في قوله تعالى: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً) المائدة 32. وتارة يجعل عدم التصديق بالملاك الديني مرتبطاً بترك مسلمة من مسلماته، كما في قوله: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون) البقرة 85. من هنا نرى أن الطريق الموصل إلى استزلال الشيطان لبعض الناس لا يخرج عن هذه الدائرة، ولذلك نجد أن الكسب الناتج عن أعمالهم السيئة قد جعلهم في موقع متأرجح بين اتخاذ السبيل القويم وبين الميل عنه وأنت خبير بأن عدم استقرار الإنسان في الجانب الإيجابي يجعله عرضة لتأثير الشيطان وذلك بسبب كسبه لقليل من الإثم، وهذا ما بينه الله تعالى في قوله: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا) آل عمران 155.

وبناء على ما تقدم يظهر أن القرآن الكريم يجعل الإيمان ببعض الرسل ونبذ بعضهم أقرب إلى الكفر وإن شئت فقل هو الكفر بعينه، فما قيمة الإيمان بموسى والكفر بعيسى أو محمد، علماً أن الله تعالى قد بين أن هذا السبيل لا يمكن أن يكون هو السبيل المعتمد في الوصول إلى حقيقة الدين إذ لا سبيل إليه سبحانه إلا عن طريق الإيمان به وبجميع رسله، مع ملاحظة أن الرسول بما أنه رسول ليس له من الأمر شيء فالإيمان به إيمان بالله والكفر به كفر بالله، وقد بين تعالى هذا المعنى بقوله: (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً... أولئك هم الكافرون حقاً وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً) النساء 150- 151. ولأهمية هذا الأمر ذكر الحق سبحانه ما يقابل أولئك الناس من المؤمنين الذين لا يفرقون بين الرسل، وكيف أعد لهم أجورهم دون أن يبخس حقاً من حقوقهم، فقال عز من قائل: (والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفوراً رحيماً) النساء 152. من هنا تظهر النكتة في قوله تعالى: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيراً من الناس لفاسقون) المائدة 49.

من بعد هذه المقدمة نصل إلى أن فريقاً من بني إسرائيل قد نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، وسيظهر هذا المعنى من خلال تفصيل الآيات التي أشارت إلى نبذهم كتاب الله في المساحة المخصصة للتفسير، وكذلك سيظهر أن المقصود من نبذهم للكتاب لا يراد منه جميع ما في الكتاب وإنما المقصود أنهم طرحوا الجزء الذي يتضمن الإشارة إلى صفات النبي (ص) والبشارة به إضافة إلى الأمر الموجه إليهم باتباعه والسير على نهجه، ومما يؤسف له أن القوم قد نبذوا جميع هذه التوجيهات واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان كما بينا.

تفسير آيات البحث:

قوله تعالى: (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون) البقرة 101. تصديق الرسول لما معهم يشتمل على قولين:

الأول: تصديق البشرى التي نصت عليها التوراة والمتمثلة بمجيء الرسول الخاتم.

الثاني: تصديقه بنبوة موسى وبالتعاليم والتشريعات التي وردت في كتاب التوراة.

والقول الأول أرجح لأنه يمثل الجزء المنبوذ من قبل اليهود، ولذا جاء التعبير متناسباً مع ما يطرح وراء الظهور، والمراد من هذا المعنى لا يتعدى حدود الكناية، وكما علمت فإن الجزء إذا ترك وأهمل يعد تركاً لجميع ما في الكتاب كما قدمنا، ومن للتبعيض وذلك لإخراج بعضهم من الآية، وقيل في الذين أوتوا الكتاب رأيين:

أحدهما: المقصود من عنده علم الكتاب، ولهذا قرعهم في ختام الآية بقوله: (كأنهم لا يعلمون) من سياق البحث.

وثانيهما: إشارة إلى الذين يدعون أنهم من الخاصة، سواء كان لديهم علم بالكتاب أم لم يكن، وهذا أقرب لما نشاهده اليوم من حال المسلمين الذين يزعمون أنهم من أهل القرآن وخاصته، إلا أن أعمالهم لا تنسجم مع المبادئ والقيم التي نزل بها القرآن الكريم، والمراد من (كتاب الله) في الآية هو التوراة وليس القرآن.

فإن قيل: كيف يصح منهم نبذ الكتاب الذي يتمسكون به؟ أقول: نبذهم للبشارة بالنبي محمد (ص) وصفاته ونعته يعد نبذاً لجميع ما في التوراة، وقد بينا هذا في مطلع بحثنا علماً أن موضوع الآيات لا يخرج عن هذا الجانب فتأمل.

قوله تعالى: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون) البقرة 102. لما تحدث الحق سبحانه عن نبذهم الكتاب وراء ظهورهم أتى ههنا بما يقابل هذا النبذ وهو الاتباع، فهم قد نبذوا الكتاب من جهة واتبعوا ما تتلوا الشياطين على عهد سليمان من جهة أخرى، أي جعلوا طريق الشياطين هو نفس الطريق المتبع لديهم، ويجب أن نلاحظ دقة التعبير في هذا السياق، فالله تعالى لم يقل واتبعوا ما تلته الشياطين بل قال: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين) من سياق البحث. وفي هذا التعبير ما يدل على أن اتباعهم للشياطين لا يمكن أن يحد بزمان دون غيره فهو لا يزال إلى اليوم والآية تثبت براءة سليمان (عليه السلام) من الكفر الذي كان منتشراً بين الناس بسبب فعل الشياطين، وهذا ما بينه سبحانه بقوله: (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا) من سياق البحث. وملخص موضوع الآية أن اليهود لما نبذوا عهد الله تعالى أرادوا أن يأتوا بما يقابل ذلك، وكأنهم يريدون أن يبينوا للناس أن سليمان لم يحصل على النبوة والملك إلا بواسطة السحر الذي انتشر بين الناس عن طريق الشياطين.

هذا من جهة ومن جهة أخرى أرادوا اتباع طريقاً آخر للسحر وهو ما كان يروج له بعض الناس من أن هاروت وماروت كانا هما السبب في ذلك، وكما ترى فإن العكس هو الصحيح، لأن الله تعالى أرسل هاروت وماروت لأجل تعليم الناس طريقة إبطال السحر دون العمل به، وذلك لأنه كان منتشراً بين الناس بسبب تعليم الشياطين إياهم جميع الطرق التي تجعله علماً من العلوم المعتمدة لديهم، ولا يمكن إبطاله إلا بتعليمه أولاً، ولهذا تراهم يقولون: (إنما نحن فتنة فلا تكفر) من سياق البحث.

قوله تعالى: (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون) البقرة 103. يظهر من سياق الآية أن الذين دعاهم الله تعالى إلى الإيمان والتقوى والرجوع إليه جل شأنه، هم من ورد ذكرهم في سياق البحث من الذين كانوا يتعلمون السحر من الملكين هاروت وماروت ببابل دون استعماله للأغراض السلمية وكذلك في الآية إشارة إلى الذين يتبعون ما تتلوه الشياطين على عهد ملك سليمان، وبهذا تظهر النتيجة أن المراد من هذا المجموع هم الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم فتأمل.

 

من كتابنا: السلطان في تفسير القرآن

عبدالله بدر اسكندر

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبدالله بدر اسكندر

كاتب   / Henrico , الولايات المتحدة الأمريكية


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق