أضيف في 8 نونبر 2016 الساعة 17:06

طحن ''مو ''


رشيد اليملولي

طحن " مو" .

ـ يقول الفقهاء :" العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب " .

ـ و يقولون أيضا :" من اشتدت وطأته وجبت طاعته " .

يبدو أن المقولتان تنطويان على مفارقة تجد سندها في صعوبة الجمع بينهما في الدلالة ، و لكن السياق كفيل بتوضيح ما تعتم من مغزى و معنى ، يكتنفه حدث طحن " مو " الخاص بفضاء الحسيمة و مسألة بائع السمك محسن فكري .

تقوم القراءة الأولى للقاعدة الفقهية على اعتبار حدث محسن فكري حدثا سلطويا بامتياز ؛ إذ أن النازلة لا تحتاج إلى فتوى ، فهي امتداد طبيعي لسلسلة الشطط و السلطوية و المخزنة التي طبعت التاريخ السياسي و الاجتماعي لعلاقة المخزن بالشرائح و القوى الاجتماعية و السياسية لعل أشهرها قضية الشهيد المهدي بنبركة ، و أبانت عن قدرة كبيرة في سلخ و جلد و قتل كل رغبة في تحريك و تثوير القاعدة الاجتماعية و الكتلة التاريخية ، بشكل يجعل من الأفق المغربي مجالا لاحتضان الشرعية النضالية عوض تنميط النظر إليها ووسمها بأحقر و أصغر الصفات و النعوت .

إن ثقافة الاستعلاء و الاستقواء التي رسختها السلطة المخزنية لنفسها سواء في الفعل أو النظر ، تحيل على تمثل أسطوري للخوف يمتح من مختلف المآلات التي طبعت الذاكرة الوطنية فيما يعرف بسنوات الرصاص ، و جعلت من المسار الحقوقي و الديمقراطي يتغذى في غالبه على التسويق و الاستهلاك الخارجي ؛ بمعنى أن المضمون الداخلي للقيم الحقوقية و الديمقراطية يعاكس جوهريا الخلفيات السياسية و الثقافية التي تستبطنها الوثيقة الدستورية ، لدرجة أن الفاعل الرئيس في المشهد الحضاري العام ، يبقى هو الأمن و بصيغته المخزنية العتيقة ؛ فالنظر إلى جل ممارساته يدفعنا إلى استنتاج أساس هو الإفراط في استخدام اليد الثقيلة و العنف غير المبرر و ذلك خارج أي قاعدة قانونية أو سقف أخلاقي ، بعيدا عن شرعية العنف المشروع ، بحيث يستقي مرجعيته السلوكية من التأويل الخاص و الحدي ( الأناه الخاصة ) لأي تحرك ، و لا يكتفي بذلك و إنما يعمل بطرقه الخاصة على إلصاق كل الصفات الدنيئة من قبيل الفوضى و التآمر على مصالح البلد ، و التنسيق مع قوى خارجية ( التخوين ) ، و يجري في المقابل تبرير العنف بالفترة الحرجة و الاستثناء المغربي في الاستقرار ، و هذا كله إن دل على شيء إنما يدل على أن شرعية النظام برمته و مشروعيته بأسرها موضع تساؤل مركزي مفاده :

ـ مامعنى احتكار سلطة النظر و الفعل معا ؟.

ـ و هل بالضرورة كل فعل احتجاج يحيل على الفوضى و الفتنة ؟.

طبعا مسألة الإجابة مرهونة بالسياق التاريخي و بالأطر المؤسسة لجهاز الأمن في الدولة ، ونقصد الفلسفة المحركة للنظر و الممارسة الأمنية ؛ إذ إن الوقت قد حان لإعادة بناء المنظومة الأمنية وفق قواعد وممارسات المواثيق الدولية الحقوقية منها و الدستورية ، و التفكير في تجديد بناء الثقافة الأمنية على أسس القيم الكونية ، لأن لا شيء يبيح التصرف في ظل تجاهل قيم التواصل الدولية ، التي أضحت المنبع الذي يلدغ الوطن في المنتديات الدولية خاصة ملفه الحقوقي ، و التي يتم فيها استثمار تناقض الممارسة الأمنية مع المرجعية القانونية و الحقوقية ، و لا حاجة للتذكير بأن جل التدخلات سواء في حق الأساتذة المتدربين و الممرضين و التحركات الاحتجاجية و الباعة المتجولين ، و التي تسعى في بعض الأحيان إثارة الانتباه و القصاص و المساواة أمام القانون ، أكثر من زعزعة الاستقرار و الأمن الداخلي ، و ما قضية محسن فكري في نظرنا إلا صورة لرسالة يجب أن تصل و هي العدالة و لا شيء غير العدالة ، فكل الإشارات الإيجابية التي أعقبت الاحتجاجات ( صور الوطن مع صور راية الأمازيغ ، تنظيف الشوارع ـ السلاسل البشرية التي حاولت حماية مقرات الأمن ) ، تدل على وعي معين في السلوك الاحتجاجي وجب استثماره إلى أبعد حد ، و ما عدا ذلك من انزلاقات وجب قراءتها في حدودها و تطويقها بتفعيل القانون .

بقي أن نشير في هذا المستوى أن الدولة انخرطت في العديد من المشاريع التي تحاول الحد من العنف و تحويله إلى سلوك منبوذ ، من ذلك مثالا لا حصرا التجديد الذي طال القانون الجنائي و مسألة العقوبات البديلة ،و نقل ذلك إلى المستوى التربوي خاصة في المجالس الانضباطية و إقرار العقوبات البديلة أيضا، و في سياق مغاير لازالت الدولة في جهازها الأمني تتوارى إلى السلطة القمعية و استعمال العنف المفرط ؛ فكيف يستقيم الوجهان ، و هل تستمر الازدواجية في المعايير ؟

و ارتباطا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب المشار إليه ، تدفعنا القراءة المحافظة على إعادة استحضار المقولة الفقهية المالكية ( الغزالي ـ ابن خلدون ـ الطرطوشي ـ ابن رضوان ) وإن اختلفت السياقات :" من اشتدت وطأته وجبت طاعته " ، و هي المقولة التي تعكس التواطؤ الفقهي مع الأنظمة المحافظة حتى لا نقول الاستبدادية ؛ حيث جرى النظر دائما إلى التحركات و الانتفاضات على أنها مقدمة للفتنة أو هي الفتنة أصلا ، تم العزف على جملة من أنواع التخوين و التجريم و التخطيء الديني و ليس السياسي ، بهدف سحب الشرعية و المشروعية من الاحتجاج و التمرد و إفراغه من أي محتوى يحيل على عدالته ، و الذي لن يولد إلا في حالة ظلم ، أما ما عداه فهو تعبير عن الحالة الراديكالية و البيولوجية و هذا مستوى آخر من النقاش ، و هي نزعة أصبحت مرفوضة بالنظر إلى الكلفة و الحصيلة المهولة و المخيفة اقتصاديا و اجتماعيا و نفسيا التي تجرها ، و ما حالة سوريا و ليبيا و مصر إلا دلائل لكل من سولت له نفسه التغيير بالدم و العنف ، هي صور يتم استحضارها دون غيرها لتضخيم نتائجها بعيدا عن النماذج التي نجحت في فترات تاريخية سابقة .

إن القراءة المحافظة التي تنبثق من نظرية المؤامرة عرت على المرتكزات الاجتماعية و السياسية التي تؤطر الفاعل السياسي في المغرب الذي أبان عن قراءة محدودة لطبيعة الفعل الاحتجاجي في منطقة الريف و باقي المناطق التي استجابت لهذا الحراك ، و اقتات على قراءة المخزن و صاغ ذاته وفق ما تقتضيه الرؤية للدولة العميقة ، بشكل جعل هذه القراءة بعيدة كل البعد عن التمييز بين الفعل المخزني و الفعل الاجتماعي في بعده السياسي لدى المكونات السياسية التي من الطبيعي أن تختلف في قراءتها و تصورها لإمكانية التعامل مع هذا الحدث و غيره ، بشكل جعل أسطورة الكتلة الناخبة المغذية للتيارات المحافظة مجرد أرقام لا تقدم الإضافة ، و إنما مريدون لولاءات صورية تغيب فيها نزعة الاختلاف في النظر و التصور المغذية للاستمرار ، و عدم إنتاج النسق نفسه ، أو مجاراة الزعامة التي لا تخطئ ، و أبان كل ذلك عن توظيف غير مبرر للدين من أجل استدرار الأصوات ، و التغاضي عن آلام المجتمع و الوطن في الكوارث و المحن سواء في العيون و طانطان ، و القنيطرة و ميدلت و الحسيمة ، و هو ما يحيل على الانتقائية و الطائفية في التعامل مع القضايا الاجتماعية لعموم الساكنة ، و يجعل من قراءة الحدث في تيمة الفتنة لا يرتكز على البعد الديني و إنما السياسي ، إذ إن أصل الفتنة لا يتعلق إطلاقا بحدث مهما كانت طبيعته و امتداداته ، لسبب بسيط هو افتقاره للحبكة و الإبرام و غياب الفعاليات المدنية و السياسية المغذية له، بل يخص المشاريع الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية المجحفة ، و التي تعد أصل الفتنة و هي ما يتم التغاضي عنه ، حيث أن أصولها معروفة في ظل عولمة الاحتجاج ؛ و هي الفقر و غياب المساواة و العدالة الاجتماعية و الحكامة الأمنية و الحكامة البيئية ، الأمن التنموي ، و الغذائي و الصحي و المائي و النفسي و الروحي ، و كلها عناوين راقية لفتنة عظمى من سوء حظنا الفقه لا يوليها الاهتمام الأكبر ما دام اهتمامه هو دوام التسلط و المخزنة مهما كانت التكلفة التنموية .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق