أضيف في 7 نونبر 2016 الساعة 11:57

المعارضة في حقبتها الثورية


عبد الإله بلقزيز

شهد مطلع النصف الثاني من القرن العشرين انبعاثةً لفكرة الثورة في البيئات السياسية الحزبية العربية، بعد انصرام حقبة الليبراليات السياسية العربية لما بين الحربيْن. كان معنى السياسة والعمل السياسي- كفعالية اجتماعية مدنية سلمية وتنافسية- قد استتب عموماً بين منتصف عشرينات القرن وأواخر أربعيناته (في الحقبة الليبرالية تلك)، بعد تجربة كثيفة من العمل المسلّح فرضته الحركة الوطنية ضدّ الاحتلال الأجنبي (ثورة الأمير محمد عبد الكريم الخطابي الريفية في شمال المغرب، ثورة سلطان باشا الأطرش السورية، ثورة عمر المختار في ليبيا، ثورة عز الدين القسام في فلسطين...). لم تَنْسخ الحقبة الليبرالية ما قبلها، إذ سرعان ما تجدّدتِ الفكرةُ الثورية-بدءاً من منتصف القرن-في سياقين منها: في سياقٍ وطني ضدّ المحتل الأجنبي (الثورة الجزائرية، المقاومة المسلحة في مغرب الخمسينات، الثورة الفلسطينية، الثورة اليمنية)، ثم في سياق اجتماعي-سياسي لإنجاز التغيير الثوري بمعنييه السائدين آنئذ: القومي والاشتراكي.
لعودة الفكرة الثورية إلى قلب العمل السياسي العربي في منتصف القرن «أسباب نزول» تفسِّرها: اغتصاب فلسطين والهزيمة العربية الأولى في حرب العام 1948، وما ولَّدتاهُ من شعورٍ متزايد بالحاجة إلى الردّ عليها من طريق تثوير الوضع العربي وتوليد دينامية توحيد قومي، المدّ السياسي القومي الذي أطلقته الناصرية غداة حرب السويس (العدوان الثلاثي) في العام 1956، اتساع نطاق نفوذ الاتحاد السوفييتي و«المعسكر الاشتراكي» في العالم بعد الحرب العالمية الثانية وانتصار الثورة الصينية، ميلاد الفكرة العالمثالثية وحركاتها التحريرية العالمية، نجاح الثورة الجزائرية في دحر الاحتلال الفرنسي وانتزاع الاستقلال الوطني، اندلاع الثورة الفلسطينية وانتظام فصائلها في منظمة التحرير، نجاح الثورة في عدن في دحر الاحتلال البريطاني وإقامة دولة مستقلة في الجنوب اليمني، الانتشار المتعاظم للأفكار الراديكالية بأطيافها كافة: اللينينية، والماوية، والتروتسكية، والغيفارية، والمجالسية، والفوضوية في امتداد العالم، وخاصة بعد الثورة الثقافية«في الصين واندلاع انتفاضة الشباب والطلاب في مايو 1968 في فرنسا وبعض أوروبا، اندحار حركة الاستعمار-تحت ضربات حركات التحرر الوطني-عن معظم بقاع العالم ونيل شعوب الجنوب استقلالها السياسي، الهزائم العسكرية المتلاحقة للعدوانيات الامبريالية منذ هزيمة فرنسا في فيتنام، أوائل الخمسينات (ديان بيان فو)، إلى هزيمة أمريكا فيها وسقوط سايغون وانكفاء وجودها العسكري، ثم ميلاد ظاهرة»الإرهاب الثوري«وقيام منظماته في الغرب («الألوية الحمراء»، «بادر-ماينهوف»، «العمل المباشر»، «الجيش الأحمر الياباني»...).
هذه ظواهر من البيئة العالمية والقومية التي انتعشت فيها الفكرة الثورية العربية. ولقد أتتِ الفكرةُ تلك تُفصح عن نفسها على صعيديْن مترابطيْن: على صعيد أسلوب العمل وأدواته حيث انصرف الفعل السياسي، انصرافًا تامًا، إلى توسُّل أدوات العنف: في مواجهة الأجنبي، من جهة، وفي مواجهة النُّظُم السياسية القائمة، من جهة أخرى، ثم على صعيد الرؤية السياسية والبرنامجية، حيث ذهبت الحركات السياسية الراديكالية العربية-على اختلاف مشاربها ومرجعياتها الإيديولوجية-إلى تجذير نظرتها إلى البناء الاجتماعي-الاقتصادي في مسعًى إلى تغييره التغييرَ الشامل.
إذا كان قسمٌ من حركات المعارضة الراديكالية (اليسار الشيوعي والماركسي تحديداً) قد انصرف إلى التنظير للعنف الثوري بما هو «قابلةٌ للتاريخ» تُخرج جنين الثورة من رحمه، فإن فريقيْن من الراديكاليين العرب مارسوه فعلاً: في مواجهة المحتل الأجنبي كما في مواجهة الأنظمة القائمة. ويتعلق الأمر، هنا، بالحركات الوطنية والثورية المسلّحة منذ خمسينات القرن الماضي (الثورة الجزائرية، المقاومة وجيش التحرير في المغرب، الثورة الفلسطينية، الثورة اليمنية في عدن والجنوب)، وبالنخب السياسية القومية والوطنية التي استولت على السلطة بالعنف، من طريق الانقلاب العسكري، كما في مصر، والعراق، وسوريا، وليبيا، والجزائر البومدينية.
تميَّز اليسار القومي العربي عن غيره من قوى اليسار، بتشديده على جوهرية مسألة التوحيد القومي في ذلك التغيير، من دون أن يتجاهل الحاجة إلى إحداث انقلاب في البُنى الاجتماعية-الاقتصادية على طريق البناء الاشتراكي.
على أنّ العوامل الدافعة لفكرة الثورة عند المعارضات الراديكالية لم تكن جميعُها إيجابية، أو تنتمي إلى بيئة ثورية عالمية ناهضة، وإنما كثيرًا ما كانت عواملَ سلبية من قبيل الانكسارات والهزائم. وآيُ ذلك أن أعلى أشكال الاندفاعة الثورية (بل الثورانية)، عند حركات اليسار الراديكالي، إنما كان غِبَّ هزيمة العام 1967، وانكسار المشروع القومي التحرري، فلقد كانت السنوات الفاصلة بين هزيمة 67 وحرب لبنان الأهلية (1975) سنوات ربيع اليسار الثوري العربي: الذي أتى ينتدب نفسَه ليتخطى مأزق الأنظمة الوطنية-على المثال الناصري-لينعطف بالعمل السياسي، على زعمه، انعطافةً ثورية غير مسبوقة من طريق تأسيس الأنوية التنظيمية لأحزاب البروليتاريا العربية، التي ستطيح بالأوضاع السياسية القائمة، وتفتح الطريق أمام بناء النظام الاشتراكي. وهكذا تولّدت في تاريخ المعارضات المفارقات الحادة ومنها: الهروب إلى الأمام بطوبويات قصووية !


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد الإله بلقزيز

كاتب وأستاذ جامعي   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق