أضيف في 5 نونبر 2016 الساعة 02:13

الناقدة التشكيلية خيرة جليل : بوشعيب خلدون الفن التشكيلي رسالة إنسانية عالمية عميقة قبل أن يكون فنا تعبيريا في اطار الفلسفة الجمالية ....


خيرة جليل

حين يعجز الفرد عن التعبير عن أفكاره وفلسفته في الحياة باللغة المكتوبة يصمت ، لكن في صمته فلسفة عميقة تتفجر ألوانا للحياة لتتفاعل مع الضوء وتوزيع الكتلة اللونية بمجال اللوحة التي تصبح مختبرا للأفكار وفضاء للحوار، ذلك هو الفنان التشكيلي العالمي بوشعيب خلدون ومن اسم خلدون أبحر في عوالم التشكيل ليخلد لاسمه مسارا فنيا حافلا بالعطاء متيمنا بالعلامة والمؤرخ ابن خلدون ليؤسس لنفسه أسلوبه الخاص ويصبح فنه رسالة إنسانية عميقة تبحر نحو البلدان الاسكندينافية لتبحث لها على فضاء هو أوسع من فضاء العالم العربي لأنه يعلم أن العمل الفني لا حود له وهو الوحيد الذي يبقى خالدا لا يموت في مسار الإنسانية كما يقول أندري مالرو : "الفن هو الوحيد الذي يقاوم الموت" André Malraux: L'Art est la seule chose qui résiste à la mort » لنعود لأعماله بالدراسة والتحليل الدقيقين، كما سبق وقلت :" بين الفشل والنجاح شعرة اسمها الثقة بالنفس " هذه الشعرة التي توصل خلدون إلى اكتشافها وامتلاكها ليبحر بواسطتها إلى ضفة النجاح . فإذا كانت الثقافة كما عرفها كليفر جيرتز:" تتمثل في إنها وببساطة هي مجموعة القصص التي نرويها لأنفسنا "،فخلدون يقول :" ... إن الواقعية في الفن ليست إبداعا.. لكنها مرحلة زمنية في تاريخ الفن، وتدريب للفنان ليواصل التطور والبحث المتجدد.. الواقعية كانت مرحلة مهمة لاكتساب التقنية وكانت الأعمال المنجزة والمطلوبة تتم في وقت قياسي... مع مرور الزمن ومع توسيع المدارك بدأنا نجد ان الرسم الواقعي هو منجز وتحصيل حاصل... يضيف خلذون... قلت مع مرور الزمن والأسفار والاتصال والتواصل بفنانين عالميين ونقاد واهتمامي الكبير بالعلم كمنطق للإجابة على التساؤلات التي يتعايش معها المبدع " من هنا نستخلص أنه له ثقافة تشكيلية ، استطاع التحكم فيها لينقلها إلى أعماله بعدما رواها لنفسه كقصة، فهو أصبح إذن يمارس الإبداع عن دراية وتحصيل و يظهر هذا جليا في مساره فمن أعماله الأولى التي ركز فيها على المدرسة الواقعية وفن البورتري إلى أعماله التجريدية الحديثة . كنت أقول دائما كناقدة تشكيلية إن " هناك تطبيقات الرسم يجب تكسيرها لتكون أكثر حرية لتوصل عملك لأبعد نقطة في العالم لان هذه التطبيقات تعرقل وتقيد نقلك لفنك ، وبهذا التكسير فإنك تستطيع أن تبصم بصمتك الشخصية في مسارك الإبداعي ." وهذا ما لمسته في مسار التشكيلي خلدون من خلال تصريحاته في التعليق على أعماله حيث يصرح : "الإبداع يتجاوز هذا المفهوم ليغوص في الفكر والعلم وطرح التساؤلات والإجابة عنها ... ولولا هذه التساؤلات الملحة والإجابة عنها لما وصل الفن لما وصله الآن من مدارس متتالية كان بدايتها الفن الكلاسيكي ... العالم يتطور كما الفن والتشبث بالواقعية في الفن رغم أنني لست ضد من يجد ذاته فيها إلا أنها تبقى مجرد أعمال ورسومات لا تتجاوز التقنية المعتمدة وصورة الكارت بوستال.... الفن يستمر باستمرارية العصر والعلم والفكر... "وهنا نجد أنه ربط بين عمله الفني وخلفيته الفكرية والفلسفية التي تأثر بهما عبر مساره لأنه يدرك فإلى أي حد استطاع التوفيق في ذلك ؟ فيما يخص فنه في الواقعية والبور تري فإننا فعلا نستخلص انه ما قام به هو إعادة إنتاج ما هو موجود في الواقع كما صرح في أقواله لأنها كانت مرحلة زمنية معينة في حياته ، لكن نجده سيستمر في البحث عن ذاته ليبرهن عن نظريته لينقلها من ما هو نظري إلى ما هو تطبيقي، وعملية التنزيل تتطلب منه دراية خاصة وتمكن من التقنيات و من التلاعب وعن دراية بالكتلة اللونية وسط فضائه الأبيض ، ومغازلة الضوء بتكسير الكتلة اللونية في جميع الاتجاهات. فهو يدرك كم هو متعب الأخر بفضوله ، وكم هو محفز على الإبداع باستفزازه ...وما بين الفضول والاستفزاز يولد الإبداع الجميل، فهو بذلك يعلم أن كل الأفكار الجديدة، هي إبداع في مجال ما ، لكن هذا الإبداع يحتاج دائما لجرأة، لأنه ثورة على القديم دون اصطدام‪..‬ فهل هو فعلا قام بثورة على القديم دون اصطدام؟ فعلا استطاع إلى حد ما لأنه وفق تعرجات الضوء واللون بلوحاته التجريدية في المرحلة الثانية يظهر ذلك جليا لتخرج اللوحة عنده من عوالمه الميتافيزيقية التي استلبت أعماقه إلى وجوده الفعلي وهنا يسعى جاهدا لان يبصمها ببصمته وذلك بين المزج بين امتلاك الألوان والتلاعب التجريدي بالفضاء الانعكاسي والخط العربي مبتعدا عن الكليغرافية النمطية و يؤسس لنمط خلدوني خاص به أكثر جرأة في اقتحام الألوان الصاخبة في الحياة معتمدا على الألوان الرئيسية المتعارف عليها كالأزرق والأصفر والأحمر لتمتزج مع بعضها ويتولد عنها ألوانا توالدية من الدرجة الأولى إلى ما لا نهاية ، مفسحة المجال لامتدادات ضوئية تعكس روح التفاؤل والطموح والخروج من النمطية المتعارف عليها نحو آفاق جديدة تحمل حرارة وشمس البحر الأبيض المتوسط نحو البلدان الاسكندينافية الباردة حاملة معها روحا متدينة مشبعة بتواثبها الجغرافية والدينية اقتداء في هجرة ألوانه باسم الرسول صلى الله عليه وسلم ، ناقلا نوعا من التسامح الفكري والحضاري والديني معه . فكانت أحرفه وكلماته ،التي تأبى أن تكون كليغرافية جوفاء ، أن تصبح لوحات فنية تتكون من مستويات صورية وفكرية وجمالية بنيوية لفهمها يجب النظر إليها بشكل شمولي تركيبي والعودة إليها لتفكيكها بشكل تجريدي . وهذا راجع للتراكمات والخبرة التي اكتسبها من خلال احتكاكه بالأخر المستفز والحافز له على البحث والمعرفة ، و في فهمه الصرف على أن الفن التشكيلي رسالة إنسانية قبل أن يكون ثقافة جمالية ، فلا فن بدون خلفية فلسفية وفكرية وهذا يتوافق مع النظرية التي أدافع عنها وأتبناها في مشروعي الفني التشكيلي العالمي والذي مفداه أننا كتشكيليين نطمح لان نكون سفراء سلام لبلداننا وفننا بجميع روافدنا اللغوية والفنية والحضارية لنخدم قضيتنا الوطنية للوحدة الوطنية في اطار الدبلوماسية الموازية لنخدم قضايا إنسانية عالمية هي أكثر شمولية وأوسع من النظرة الشوفينية الضيقة للفن التشكيلية . فعلا إن الفن التشكيلي ليس دراسة أكاديمية فقط ، وتمكن من تقنيات الرسم، بل هو مشروع يمتد في الزمان والمكان كامتداد لامتناهي فيهما وكل التجارب والخبرات ما هي إلا مكون بنيوي لكل حلقة من حلقاته ، ولتسهيل الدراسة يتم تفكيكها ليسهل على الناقد التشكيلي تناولها بالدراسة والتمحيص وعلى القارئ فهمها بشكل مجزأ ليستطيع فهم الإشكالية العامة وهذا ما ينقصنا فعلا في الساحة المغربية هو تعميق هذه الفلسفة التشكيلية، والتشكيلي خلدون استطاع فهم هذه الرسالة وحاول نقلها عن قصد ودراية . عموما إن فن التشكيلي خلدون هو فن إن لم نقل ملتزم كما يحلو للبعض التسمية فاني أقول : إن فنه فعلا ملتزم برسالة إنسانية هي أكثر شمولية مما نتوقع ، ترحل من العالم المتوسطي المليء بالضوء والحرارة والصخب لتشق طريقها بنجاح نحو البلدان الاسكندينافية الباردة والهادئة حاملة معها أكثر من مغزى لتنتزع اعترافا وتتويجا له أكثر من دلالة فكرية تشكيلية وحضارية ........خيرة جليل

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق