أضيف في 2 نونبر 2016 الساعة 23:05

حنين


المصطفى سالمي

لم الحنين يشدنا إليك أيها الماضي؟ هل من سحر فيك أو جمال أو بهاء حتى نغوص في ثنايا الزمن البعيد، نسترجعه ونمططه ونحول الثواني والدقائق إلى ساعات وأيام من الاجترار والاستعادة، معتمدين على الخيال لتحويل الآلام نفسها إلى آمال وأفراح. نفرح بنصوص كانت ملح دراستنا، فنجعلها نصوص المتعة والفرح، ونتناسى عقاب المدرس وسهر الليل وإجهاد الفكر.. نفرح بصداقات الماضي وحارة الطفولة، فتتراءى لنا تلك الصور مثاليات ملائكية، وتبدو المشاهد وردية. فهل كان ماضينا فعلا بهذه الصورة المكتملة، أم أن خيالنا المنحرف هو الذي جعل ماضينا يبدو هكذا؟! ولِم لا نرى حاضرنا بهذه الصورة الجميلة البهية؟ هل نحن فعلا نشكو علة الحنين لكل غائب عنا سواء كان زمنا أو حدثا أو شخصا ؟! هل هي لعنة أم وباء أم ماذا؟ إننا كائنات تكره اللحظة والآن والتو والحين واليوم، وتشتاق للماضي والوراء وهناك وتمة ..

هل يشكو حاضرنا اختلالات ونقصا ووهنا حتى نعود للماضي ؟ هل نعيش المرارة الفعلية في آننا وحاضرنا حتى نبحث عن نقيضها في ما مضى؟ أم أننا كائنات لا تحب إلا التاريخ والسلف والأجداد؟ كائنات تندب حظها وتعيش زمنا ليس زمنها، كائنات تلتفت دائما للوراء وهي تسير مما يجعلها لا تعرف كيف تعيش ولا تتقن الحياة إلا بين الأطلال والأثافي والمعلقات وفي فيافي التاريخ ودهاليز الأيام وسراديب الأحداث وظلام الكهوف وعلل الأيام.

ألا نكون مجرد كائنات محنطة كالمومياء تقادم بها الزمن وتجمد فيها الحس، فتوهمت للحظة أنها تعيش فعلا زمنها، بينما القلب جامد ونبضاته متوقفة، وهي تتسمع فقط دقات عقارب ساعة الأيام، فتعيش وهما زائفا لحياة الآخرين.

وهل نحن كائنات تاريخية إذن ما دمنا نعشق الماضي لهذه الدرجة، هل نحن نتفاعل مع ماضينا تفاعلا إيجابيا، أم نحن كائنات مسخ لا هي هناك في الماضي، ولا هي هنا في الحاضر، ولا مكان لها أيضا في المستقبل؟ وكيف لنا أن نتحرر من القيود؟ كيف لنا أن نعود هناك دون أن ننشد ، وأن نستقل عنه دون أن نتيه؟ وهل كبرنا وبلغنا أشدنا بحيث نستقل عنه حقا، أم نحن كشجرة وضعت على الأرض عموديا ولا تقوى على الثبات بدون جذور تشدها للأعماق؟ فهل ماضينا بمثابة عنصر للتوازن الحقيقي بالنسبة لنا؟؟

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق