أضيف في 30 أكتوبر 2016 الساعة 11:35

مجدُ الذُّل


فارس محمد عمر

مجدُ الذل

 

      الذل مقتضى الإمعية والفراغ والإنجراف، ومقتضاه الإحباط والتخاذل والضعف، فاضافته إلى المجد تناقضٌ واضح، لكن لهذا الأسلوب استعمال نادر بليغ، مثل قول مولانا العظيم للمعذَب في النار "ذُق إنك انت العزيز الكريم"، إمعاناً في تقريع المخطيء، وفي بيان المفارقة الكبيرة بين ظن البعض به وبين نهايته، والعياذ بالله.

      واليوم، اتصل النادر بالمألوف وأحيانا بالغالب، فتقرأ: طار البغل وسقط السحاب، ليس من بلاغة، بل لأن القائل نعس برهةً فاستوحى أن في الأمور إتساعا هائلا، وأنه اكتشف ما لم يتأتّى لغيره. واقع وعيه ليس سوى خُروق ومهاوٍ، يحسبها ظمؤه وجوعه شراباً ولحماً، فينضح إناؤه بما يفضح! تمخّض واخترع تصانيفَ وتعاريف وأعماقا وأنماقا ووجوها واحتمالات. يُلقي على نفسه المِزَق والرقع لتكون ثوباً، ثم يزيد فيه وينقص منه، حتى يتوهم به أنه انضمّ لصفِّ سقراط وديكارت! وتتكاثر المفارقات والنقائض تكاثرَ "أرباع" المتعلمين وأشباهِ المجتهدين، يوشّي أحدهم للرويبضة معانٍ، ويُحيل آخرٌ الوسيلة غاية، وثالثٌ يبسط كفيه للماء، أو يحمل أسفارا، همُّه اصطناع لنفسه ولحياته شأناً.

      مثل ذلك مجدُ الذل، وهو حال البعير يدور في حيز، بعينين محجوبتين، يظن سعيه وتعبه إختياره، غير عابيء برؤية ما حوله، ويظل يكِدّ مكانه مرفوع الرأس! اللاهثُ نحو سراب الذل طالبا المجد، لا حيلة له إلا التوهم أنه بطل، ويظل يدافع عن تخبُّطه فيمعن في تخبُّطه! من عاش الهوان عزّةً له، كان فهمه الأوحد في الحياة رفضُ الفهم!

----------

فارس محمدعمر – المدينة


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : فارس محمد عمر

, العربية السعودية


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق