أضيف في 29 أكتوبر 2016 الساعة 16:26

أذواق وميول فنية


المصطفى سالمي

إذا كان التذوق في مجال الأكل يتيسر تحديده وضبطه لخضوعه لمقياس موحد لدى جميع الناس، أساس ذلك تذوق اللسان، فيقال مثلا: هذا حلو وهذا مر، هذا مالح وذاك حار أو حامض، فإن الأذواق في مجال ما هو فني أو أدبي تخضع لمقاييس واعتبارات يصعب في إطارها ضبط ورصد موقف موحد اتجاه عمل من هذا النوع، فما يُرضي فلانا لا يعني بالضرورة أن يرضي الآخر، وما يتناغم مع هذا لا يتناغم مع ذاك، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه لا توجد ثنائية الجيد والرديء في الحكم على الأعمال الفنية والأدبية، أو مقاييس عند النقاد للحكم والتمييز وتعيين مواطن الخلل والقوة في أعمال فنية:(أشرطة سينمائية/ قصص/ لوحات فنية...).

إن الناس في ما يعشقون مذاهب كما يقال، فمثلا عندما يأتي عندك صديق وتقوم بعملية تشغيل شريط مسموع دون أن تستشيره في ما يطلبه فإنك هنا تفترض مسبقا بأن الذوق الفني هو أمر موحد بين جميع الناس، خصوصا إذا كنت تعتقد جازما أن هذا الشريط المفضل بالنسبة لك سيروق صديقك/ المستمع ويثير منتهى إعجابه كما أثار إعجابك أنت ويجعله يسبح في سماوات عليا من التناغم والإعجاب والنشوة، في حين أن أي شيء من ذلك لم يتحقق، وربما كان هذا المستمع يدعو عليك في سره كاظما سخطه وغيظه.

إن كل واحد منّا ينمو وعيه الجمالي بطريقة تختلف عن الآخر، فمن نشأ وتعود على سماع بتهوفن والتمتع بالكلاسيكيات الأدبية والفنية، ليس كمن نشأ وعيه الجمالي على سماع الموجات السوقية العابرة، أو تلك الموسيقى الصاخبة غير الخاضعة لأية ضوابط فنية مدروسة. إن الذوق الفني يُكتسب كأية عادة من العادات وذلك عبر الممارسة اليومية من قراءة وسماع الموسيقى ومشاهدة التلفاز، بل إن تأثير الوسط العائلي والشارع لا يقل شأنا في تحديد الأذواق والتأثير على مساراتها.

وإذا كان المرء المثقف يستطيع توجيه ذوقه الفني وتنميته وتهذيبه، لتوفر الحس النقدي لديه ـ خاصة إذا كان القبح والشناعة يعج بهما المحيط ـ فإن الإنسان العامي يكاد يندمج مع وسطه العريض اندماجا تاما لانعدام وسائل الردع عنده اتجاه مظاهر التلوث السمعي البصري والرداءة في كل ما يحيط به.

إن الذوق الفني وهو في طريقه من حالة الفطرة إلى حالة النضج يمر بمراحل عديدة يتلقى خلالها كما هائلا من المشاهد والأصوات التي تكون محملة بغث كثير وسمين قليل. وغياب ممارسة الغربلة والتصفية في التلقي كفيل بانحراف الذوق وجعله ملوثا أكثر من رئتي مدمن على التدخين، فيصبح الواحد في مثل هذه الحالات يفضل إيقاعات الصخب الأجوف على موسيقى كلاسيكية هادئة، ويفضل قراءة صحف الرصيف وفضائح الممثلين على الروايات الخالدة لنجيب محفوظ أو سماع روائع أم كلثوم وعبد الحليم حافظ.. والمسؤولية في مثل هذا الانحراف والاعوجاج يلقى الحيز الأكبر منه على الإعلام الرسمي ـ من تلفاز ومذياع ـ حيث يروج في الغالب لما هو رديء شكلا ومضمونا على حساب ما هو جميل وأصيل، ولو بشراء ما هو تجاري من الأشرطة الأجنبية على حساب الجودة وعلى حساب البرامج التثقيفية والوثائقية وعلى حساب استضافة الكتاب والمثقفين والروائيين بدعوى البحث عن الترفيه ومراعاة طلبات الجمهور دون إدراك خطورة ذاك الفعل على أذواق الناس وخاصة الأجيال الصاعدة.

إن مسألة الذوق الفني ليست أمرا هينا في عداد الكماليات، إنها تدخل في صلب عملية تكوين الشخصية واختياراتها وتوجهاتها، أي أن مسألة الذوق الفني والأدبي هي مسألة ذات تأثير على الخيارات الحاسمة في حياة المرء وفي تشكيل مجموعة قيم وأنماط عيش لدى الأفراد والمجموعات. وأما بخصوص ما إذا كان بالإمكان تقويم الذوق المعوج ، فهنا يجب أن نسلم بشيء أساسي مفاده أن من كان ذوقه منحرفا لن يسلم بأن ذوقه مختل، بل يرى بأن ما يعجبه وما يقرأه وما يشاهده هو الفن الأصيل وما عداه لا شيء يستحق الذكر. وهذا الأمر يتكرس كلما كان هذا يرتبط بجيل عتيق تحجّرتْ رُؤاه وتصوراته، أما بالنسبة لمن لم تكتمل عملية تشكل أذواقهم، أو ما زالوا في طور التشكل من الأجيال الصاعدة، فهؤلاء يمكن إنقاذ أذواقهم وإصلاح ما فسد منها بالتوجيه السليم وبتعويدهم على النماذج العالمية في الفنون والآداب.

ولكن يبقى السؤال العريض ماثلا ومُعترضا علينا: كيف يمكن إنقاذ بعض الأذواق المنحرفة والأجهزة الرسمية بالمرصاد لنا باستمرار تُمطر هؤلاء بوابل من التفاهات وبموسيقى جنائزية نائحة ونماذج تمثيلية فاشلة ضالة مضلة شكلا ومضمونا. ويتناغم ذلك مع قبح في الشارع ما هو مرئي فيه وما هو مسموع..

إن الإعلام الرسمي ـ في وطننا وفي أغلب الوطن العربي ـ بتهافته وضعفه يدفع الناس إلى الالتجاء إلى الصحون اللاقطة والأنترنيت مما يدفع إلى الاستلاب والخضوع لثقافات أجنبية والإحساس بالنقص إزاء الآخر وتولد الإحساس عند البعض بتفاهة كل ما هو محلي. وهكذا يصبح العمل النموذجي هو الذي يساير هذا النمط في الغناء أو التمثيل كما يحصل في وطننا حين يذوب البعض ويتماهى مع المشارقة في اللحن والغناء، أو مع الغربيين عند أطراف أخرى.

إن أذواق الناس تختلف اختلافات بينة، من هنا صعوبة إرضاء الأذواق.. هذا ما تروج له الأجهزة الإعلامية، إنها كلمة حق يراد بها باطل، فالأمر كذلك في الواقع من حيث التباين والاختلاف، ولكن دور الأجهزة الرسمية هو تهذيب المنحرف وتوجيه الضال التائه لا الانسياق مع التافه المعوج بادعاء وزعم كالآتي: "هذا ما يطلبه الجمهور ونحن نستجيب ونلبي". لقد أصبح بعض الممثلين والمخرجين.. يبررون السخافة بجعل الجمهور هو المشجب الذي يعلقون عليه كل شيء، بل قد يدعي البعض النجاح والشيوع والانتشار بنسب المشاهدة والمتابعة، وكأن هذا هو المقياس الحقيقي للنجاح، أن يشاهدك ويتابعك قطاع كبير ممن هم ضحية منحرفة في ذوقها الفني ليس مقياسا للنجاح، فكم من رسام أو أديب مات نكرة مجهولا ولم يتم الاعتراف به إلا بعد مماته، ولم ينتشر ويكتسب الشهرة إلا في زمن غير زمنه، وكم من موجة عابرة في الرسم أو الغناء والتمثيل تم التطبيل والتزمير لها ثم أصبحت بمثابة سحابة صيف عابرة انقشعت سريعا وحلت محلها أخريات محاها الزمن ولم يثبت إلا الأصيل الذي يتحدى السنين ويبقى في الذاكرة الجماعية لأنه استند لذوق حقيقي لا لمقوله: ما يطلبه السوق.

إن الأجهزة السمعية البصرية في بلادنا ما دامت غير خاضعة لهيئات ثقافية فنية ذات حس نقدي سليم مؤطر أكاديميا وتراثيا، وذلك لممارسة الرقابة الذوقية ـ وليس السياسية ـ على ما يعرض على الناس، فإن أذواق الناس ستبقى في مهب الريح.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق