أضيف في 23 أكتوبر 2016 الساعة 14:02

الفقر السياسي


رشيد اليملولي

الفقر السياسي .

لا تأخذ المفاهيم و المصطلحات معاني أزلية ، و لكنها تتحول تبعا للحقيقة المراد بناءها في الحقول المعرفية و الفلسفية و النفسية و الاجتماعية و الرياضية و الطبيعية ، لدرجة أن مفهوم القطيعة قد يتحول إلى مجرد وهم معرفي ، خاصة و أن التناهج أصبح ضرورة معرفية قصوى ، لذلك الفقر باعتباره معطى مصنوع اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا ، لا يكتسي طابع الفقر المادي الصرف ، و لكنه يتحول إلى معنى يتقاطع مع تيمات نفسية و انتربولوجية و مجالية ، لا تتحدد و لا تتقيد بأي مرجعية مطلقة يتحول معها عبر الزمن إلى نسق حضاري متكامل ، تعبر عنه العديد من المظاهر التي تعكس محدداتها ، و تبين أشكال و أنساق اشتغالها ثقافيا و ذهنيا .

يتذرع النظام الاقتصادي و الاجتماعي في سبيل تبرير و تسويغ عجزه عن إنتاج المرحلة بما تقتضيه من قطيعة مع أشكال الارتجاع و سبك المحاكاة السلفية بجملة من الدعامات التي تشي بموته الحضاري ، حين لا يكف و لا يني عن ترويج خطاب الأزمة دون تجاوز إلى معلم الحبك و رصد المتغيرات و عقلها ، لدرجة ظل هذا النظام أسير نقد الأزمة و خطابها ، دون طرح المشاريع الكفيلة بالانتقال و الوسائل الميسرة للتنفيذ وفق ما تقتضيه المرحلة التاريخية ، و إبرام مقومات الوجود الإنساني في أبهى تجلياته و مظاهره و هي الأنسنة في أبعادها ووجودها و فلسفتها .

يرتد خطاب الفقر السياسي إلى منظومة مرجعية متهالكة و ضحلة في أسباب وجودها و في امتداداتها و نزوعها الروحي و الفلسفي ، لأنها افتقرت إلى الضامن الإنساني و إن كانت تلوح بخدمته ، مستثمرة كل الأقنعة و المساحيق التي برعت في سن أطرها القانونية و التشريعية .

لعل مقولة الثورة ـ الفتنة من المفاهيم التي تشكل عائقا في بنية الفهم و الاشتغال في الذهنية الثقافية لعموم المجال الإسلامي ؛ إذ أن امتداد أثرها الفكري و الذهني و النفسي ، قد أسهم في تشويه الاختلاف الذي تحول مع هذه المرجعية إلى عدو ديني ، و ليس خصما سياسيا دالا في العمق و الدلالة الاجتماعية و الثقافية ، لأن تقديم و طرح البدائل خارج منظومة الجماعة و السنة ، كان يعني هرطقة و تغريد خارج الحق السني ـ السلطوي ، و مؤامرة تهدد العروش السياسية بتوجيه من الفقه السلطاني ، الذي غدا دوره حماية الأنظمة و تشويع الوعي بإيعاز من مقولة الثورة ـ الفتنة ، و التي أردت الفكر السياسي الإسلامي شيصا يخلو من تقديم إطار نظري ينتصر للقضايا الاجتماعية و الإنسانية ، وأصبح مداره و قوته هو فقه الضرورة و الشوكة و الطاعة و عدم الخروج عن الأئمة ،و تم تهميش و إقصاء كل القضايا المتعلقة بمناقشة الأسس الشرعية التي تقوم عليها سلطة متأتية من فتنة سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو ثقافية ، و جرى القفز على كل القضايا الشائكة في هذا المجال ، مخافة أن المطالبة بالتغيير هي بالتعيين و التدقيق فتنة ، و كأن قدر المجتمع أن يجد لنفسه مخرجا من مأزقين ؛ يخص الأول كيفية تجاوز هذا التأطير " الشرعي " الصادر من السيادة العليا ، و ينطلق الثاني من تحالف و تكالب صيغتين للفتنة ، سلطة لا تمتلك إلا مشروعية السيف و الدم ، و فقه متحالف مع سلطة أصلها فتنة سياسية .

هذا العوز و التعفن في المنظومة " الايديولوجية " الفقهية ، حول التفكير في السياسة إلى تفكير في تدبير الأمر الواقع و ليس مساحات الإمكان و الأفق الخلاق القائم على الطموحات النوعية ، بل و صاغ مجالا سياسيا محكوما بالفشل في طبيعة الروابط بين الحاكم و المحكوم ، حيث أن فترات الانتقال غالبا ما اصطبغت بالدم ، و كلفت السلطة و المجتمع زمنا مهدورا الطاقة ، و رعوية سياسية تخشى من المطالبة بإنسانيتها ووجودها ، حيث يمكن النظر فقط إلى مآلات الثوريين أو المطالبين بالتغيير ، و طرق تعذيبهم التي ينطبق عليها مفهوم السادية ، و التي تعلو حتى على منطق الحرب ، و أفضى كل ذلك إلى تأبيد " الرهاب " من السياسة و ترسيخ ارتباطها بالمؤامرة و الظلامية و كل الصيغ التحقيرية ، و أصبحت المصاهرة مع منطق السلطة أرقى الوسائل للثروة و الغنى .

لا تسلم الأنظمة القديمة و الحديثة من هذا الوباء ، و لا تنفصل عن ارتباطها بهذا الحياض إلا لتتزاوج معه في المبنى و الروح و الامتداد ، حيث أن المجال السياسي الحديث و في شقه الغسلامي لا تدار فيه السياسة و الاختلاف بمنطق البناء و إعادة البناء ، و إنما تحاك بآلية التدبير المرحلي و ضبط مقومات صيانة الذات السياسية ، و تنقية أجواءها الخاصة من الشوائب التي قد تعكر صفو ممارسة سلطة الاستبداد و التربع على عروشه ، يستوي في ذلك الحكم الجمهوري و الرئاسي و الملكي ، إذ لا تخلو هذه الأنظمة السريالية ( طبعا في أسسها الدستورية حيث الغموض و الإبهام بين النص و الفعل ) من مفاهيم الأبيد و الاستدامة في المفهوم و الصورة و الروح و الأفق في الشوارع و الحافلات و الحليب و نشرات الأخبار و صالات العرض و معارض الفنون التشكيلية و الرياضة ، و ربما حتى في جزيئات الهواء و الدم ، و يكفي الرجوع إلى الصور المعبرة عن هذا المعنى في قصيدة عنترة للشاعر الكبير نزار قباني .

إن الحديث عن الفقر هو بالضرورة استدعاء لأزمة طالت إمكانات إصلاحها ، تعمقت مبررات استمرارها بدافع من خطاب يراد منه تسويق ثقافة الاستهلاك و تركيع ثقافة النقد و المجابهة و التفاعل بالحجة ، تمويغ كل رغبات التجاوز في الوحل و المستنقع .

تستفحل هذه الأزمة بمجرد قراءة بسيطة للمجال السياسي الوطني في لحظته الراهنة ؛ في مشهده و إشاراته إيماءاته و كلامه ، و لا داعي هنا لحصر الأمر في طبيعة السياسة باعتبارها مجالا للمصالح و قانونا لاستبعاد الأعداء و الخصوم ؛ بمعنى أن عدو اليوم قد يصبح صديق الغد ، و هذا أمر لا نتيح له الانتماء إلى تصورنا و فكرتنا ، ما دام أن التجديد في بناء المرجعية و صياغة أفقها لا زال حبيس تصورات كلاسيكية و تراثية تنتمي إلى إواليات صراع محكومة بسياقت مختلفة ، و أضحى التفكير النظري في السياسة ترفا فكريا ، و الأمر الواقع هو الدستور الذي تستقى منه النظريات الجاهزة .

أن يناقش رئيس الحكومة إمكانات تشكيل الحكومة مع مختلف التيارات السياسية معناه ممارسة حق دستوري و عرف سياسي ، لكن أن تتحول المناقشة إلى سيف معركة لا يميز بين الغث و السمين ، و لا ينتصر لثقافة الاخلتاف المرجعي ، ذلك ما يعني قتل السياسة و غمكانية تطبيعها مع الديمقراطية مغربيا ، أي فرز الاتجاهات و الفرق بناء على توجهاتها و التزاماتها ، و خلاف ذلك يعد في تقديرنا مستنقعا ساسيا بجلباب سياسي ، الامتداد الثقافي لمثل هذه المسلكيات يؤسس للقطيعة مع السياسة من جهة و الارتباط بالسلطة من جهة ثانية .

فإذا كان المعنى المتأتي من القطيعة يستمد ذاته و تصوراته من فقدان الثقة في السياسي و من ثم في السياسة وصولا إلى إفقار الدولة و مؤسساتها من المعنى و الدلالة السياسية ، بتقديم الاستقالة من حقل القلق الوجودي و الفلسفي لتنظيم و مأسسة الحياة الاجتماعية و السياسية ، فإن معنى الارتباط بالسلطة يرجع إلى التهافت في ارتياد مجالات السلطة أو الجاه أكثر تحديدا باعتباره أهم وسيلة من وسائل الترقي الاجتماعي و بلوغ المجد السياسي دون ثقافة السياسة و العلوم المرتبطة بها .

إن المراد من تقنين السياسة هو صياغة الغنى السياسي و ليس الفقر الذي لا يعترف بالمرجعية و لا يقتنع بالايديولوجيا باعتبارها آلية للصراع من داخل الاختلاف ، و ما عملية التشاور خارج دائرة التباين و ارتباطا بالشرعية و المشروعية الاجتماعية و السياسية ، إلا مسكن لأزمة الفقر السياسي و شهادة ميلاد لكتلة تاريخية مستقلة و مستقيلة من العملية السياسية التي تعني موت الدولة و دوام سلطة التسلط أي مرض السلطة بتعبير فوكو .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق