أضيف في 20 أكتوبر 2016 الساعة 19:26

الإعلام الرسمي في دول العالم الثالث: سلاح تضليل وتدجين


المصطفى سالمي

إن دور الإعلام في دول العالم الثالث هو خلق مجتمع استهلاكي غارق في عالم تخييلي ، يصبح في إطار ذلك الملايين مجرد حشد عددي لا قيمة له، ما دام مستسلما لوهم السكينة والخنوع والتخدير، وبالتالي التخلي عن طاقة الفعل والإيجابية والدهشة "بمفهومها الفلسفي القائم على طرح الأسئلة والنقد والتمرد على الجاهز". والإعلام الرسمي المرئي في الوطن العربي ـ في عمومه ـ يكرس ثقافة الوهم والتضليل، ولعل المتتبع لنوعية البرامج المسماة: "ترفيهية" سيلحظ ذلك دون بذل كبير عناء، فالفكر والثقافة والعلم تصبح أشياء ثانوية ثقيلة وغير مرغوب فيها. وسأركز على الإعلام الرسمي المغربي حتى لا أظلم بعض التجارب العربية أو أعمم الأحكام، رغم أن القواسم المشتركة حاضرة بقوة في كثير من الخلاصات التي سأنتهي إليها.

ولعل الملاحظ العارف والنزيه لإعلامنا ما ينفك يدور في ذهنه التساؤل الآتي: أيجدر بالمسؤولين عن الإعلام ببلادنا الصعود بمستوى الإعلام إلى مستوى النخبة المتنورة أم النزول بمستوى هاته الأخيرة إلى مستوى العامة من الناس (في مجتمع نسبة أميته تفوق 60٪)؟ وأيهما أولى وأجدر: الحفاظ على الذوق الفني للفئة المستنيرة (إن بقي من هو مستنير ويتابع الإعلام الرسمي) أم دفع من تبقى من هؤلاء المتشبثين بأمل الاستيقاظ على إعلام جديد حي منبعث من الرداءة إلى ركب وسرب المقاطعين باتجاه بدائل أخرى أو يصبحوا مسخا ممسوخا؟ أم يتحقق الارتقاء ـ خلاف التوقعات ـ بمستوى المتلقي عبر ليس فقط المسلسل والجاد والمسرحية الهادفة والشريط المميز، ولكن أيضا عبر اللقطة والمشهد الذي لا يستغرق سوى بعض ثوان كالإشهار ، وعبر صوت المذيع والمعلق الرياضي الذي ينبغي أن يكون أسلوبه خاليا من الأخطاء التعبيرية واللغوية .. وأن يكون ـ قبل كل هذا ـ صوته جميلا كالنغم الطروب وليس كالمناحة أو كحشرجة الموتى أو البوق المزعج لسيارة الإسعاف.

المتلقي الآن ـ ما عاد مثاليا ـ يطلب أعمالا تلفزيونية تناقش الأفكار الكبرى، على اعتبار أن العقول الكبرى تناقش القضايا والأفكار الكبرى، والمتوسطة تناقش الأحداث، والصغرى تتطفل على شؤون الناس، إننا نطلب من إعلامنا الرسمي أن يكون مجيدا فقط في الصنف الثالث، أن يهتم بقضايا الناس البسيطة والجزئية ويعرضها بطريقة جذابة تتناول العمق وليس القشور، بدل عرض أشرطة ومسلسلات الميوعة والوضاعة والخزي القادم من وراء البحار، لخلق هوية مزيفة سطحية هجينة.

وأنا أطرح بعض هذه الأسئلة، تبادر إلى ذهني ذلك السؤال الذي طرحه أحدهم على الشاعر أبي تمام: (لماذا لا تقول ما يُفهم؟) فيرد عليه الشاعر: (ولماذا لا تفهم ما يقال؟). لقد أراد أبو تمام أن يصعد بالجمهور إلى مستوى الشاعر كمّا وكيفا باعتبار الشاعر وقتئذ كان ملما بثقافة عصره. ولكن السؤال الأهم: هل إعلامنا الرسمي لا يرغب بصعود مستوى المتلقي عن جهل وسوء تقدير من المسؤولين والمشرفين عليه؟ أم عن قصد وسوء نية وترصد؟

قد يقول قائل من المدافعين عن الإعلام الرسمي: إنه إعلام متنوع يشتمل على برامج للصغار والكبار وعلى الأخبار والأشرطة... نقول لهؤلاء: نحتكم فقط لبرامج المسابقات التي تعرضونها ولأسئلتكم الموجهة للمتلقي لتروا كم هي مثيرة للسخرية والضحك، وكم هي معادية للعقل وأسخف من السخافة. أما لو جلس شخص ليوم كامل منتظرا حوارا جادا أو تحليلا رزينا ـ لو وُجد على سبيل الافتراض ـ سيكون كمن يبحث عن إبرة وسط كومة من الهشيم، والضحية ليس فقط الوقت ـ على أهميته ـ بل كذلك الشخص الباحث نفسه الذي سيكون مثل من يبحث عن جوهرة وسط كومة من النفايات المتعفنة التي تزكم رائحتها الأنوف ، وربما لن يضمن لنفسه الانتفاع بالجوهرة بعد أن يكون الضرر قد لحق ذاته، وربما تختلط عليه الأمور بعد ذلك فيتوهم كل حديد يلمع جوهرةً. فكم من شخص تطرب نفسه ويضغط على زر المذياع على أمل الاستماع لأغنية خفيفة تنسيه طول الطريق وهو يقود سيارته، أو تؤنسه في وحدته القاسية، فإذا به يجد نفسه مجبرا على سماع عدة معزوفات جنائزية ـ تُسمى زورا وبهتانا أغنيات في إعلامنا الرسمي ـ قبل أن ينعم بأغنية مقبولة خفيفة.. يكون المرء بعدها قد تشنجت أعصابه، فيندم على أن ضغط على الزر اللعين. فيفر الواحد حينئذ إلى اختيارات أخرى غير ما هو إعلام رسمي.

إن الإعلام الرسمي ليس تأثيره فقط محصورا في الذوق الفني، بل في القيم والثوابت، وهذا هو الخطير في المسألة، ومقارنة بسيطة بين جمهور السبعينات وما قبلها، وجمهور القرن الواحد والعشرين في السلوك والممارسات في الشارع وفي علاقته بغيره وفي نظرته للعلم والتعلم وفي اللباس والحلاقة.. هذه المقارنة وحدها تعطي الإجابة وتحمل من الدلالات ما يكفي. ولمن يزعم أن الإعلام الرسمي يتقاسم المسؤولية مع البيت والمدرسة، نقول لهم: الإعلام يهدم كل ما يبنيه البيت وتشيده المدرسة أيها السادة. ولمن يزعم أنه لا إعلام يخلو من الغث والسمين نقول لهم: إن الغث في إعلامنا الرسمي مهيمن مسيطر طاغ يقتل أية بارقة للجيد أو السمين، وأن مَن أوكِل له تقديم الجيد في المشهد الإعلامي في عمومه هو أصلا فاقد لآليات الجودة، وفاقد الشيء لا يعطيه، ونقول أيضا إننا لا نحس بوادر حسن النية لدى هؤلاء من أجل جودة وعطاء حقيقي قادم في الأفق.

ويبقى السؤال المطروح: لماذا كل هذا الحديث عن الإعلام الرسمي وتفاهاته إن كانت البدائل موجودة وما أكثرها؟! نقول هنا: إن البدائل موجودة دائما للمتعلم والمثقف، ولكن في مجتمع الأمية، تصبح اللغة العربية الفصحى هي اللغة المكسيكية في المسلسلات المدبلجة بالنسبة للجاهل، وتصبح العلاقات خارج إطار الزواج شيئا عاديا وطبيعيا، والأبناء اللقطاء في حكم الشرعيين، وبالتالي التطبيع مع كل الانحرافات والسلوكيات التي كانت مذمومة مستهجنة إلى وقت قريب. من هنا نقول: قد يستغني المثقف بالكتاب وحده عن المرئي/ المسموع، فيكون كمن يستغني بحبات الثمر وكوب الماء عن أطباق تبدو شهية براقة ولكن بها سموم خفية. ولكن دون شك سيقبل غير العارف على الطبق الشهي الذي كله سموم.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق