أضيف في 20 أكتوبر 2016 الساعة 19:20

مآسي العرب في سجال هيلاري وترامب أثناء المناظرة الأخيرة لسباق الرئاسة الأمريكية !!..


عمر ح الدريسي

 

تقول السيدة هيلاري كلينتون بـ صوت الأم،"لقد انفطر قلبي"، في حديثها على صورة ذلك الطفل في حلب وهو جالس في عربة الإسعاف، ربما هول الصورة، أنساها مسؤولية سياسة بلادها في المنطقة العربية.. !! وهي المحامية و السيناتورة والوزيرة في الخارجية سابقا، و المرشحة عن الحزب الديمقراطي الأمريكي، لخلافة الرئيس باراك أوباما  المنتهية ولايته في يناير 2017. كل هذا لم يُنسيني ما قاله دويستوفسكي " يجب أن نغفر الأقوال الطائشة، لأنها تهدئ النفس، وبدونها يصبح ألم الإنسان أشد من أن يُطاق".. !! 

 

والصورة التي يجب أن  ينفرط عليها القلب، هي ضعف الدول العربية في الشرق الأوسط،، وترهلها على أساس مذهبي وطائفي وسط تناقضات قبلية، وعشائرية ومذهبية، داخل كل بلد على حدة، وما نجم عنها من ظهور بيئة حاضنة للتطرف، ومن استئساد على المنطقة لدولة الاحتلال "إسرائيل" في فلسطين.. !!

 

السيد ترامب، المرشح الرئاسي المنافس، يتقمص شخصية  ملاكم وقد نزل إلى مواجهة الخصم، في "ROUND 3 "، فأثناء وجوده على المنصة لم يسلم على منافسته السيدة هيلاري كلنتون، وسجل على نفسه تناقضا مريبا، حيث طُلب منه في المناظرة الثانية المصافحة، وقَبِلَ وقال "أنا جنتلمان I am a gentilman"، وهي الأنثى الرقيقة الوديعة، ولا غرو في أن أي رجل لا يفوته أن يُبدي احترامه  للمرأة مهما اختلفت في رأيها معه ونافسته بمشروعية، ولم يتردد حين اتهمته بعدم احترامه للنساء، بعبارة "أنت تكذبين"، العبارة المشينة الخالية من كل دبلوماسية، بل أبدى إصراره على أنه ملاكم  سياسي قوي، وينازل خصما مثله، وقد وجد نفسه مُجبرا على البحث عن الضربة القاضية في هذه  المناطرة الأخيرة، ربما لكي يقلص فارق 7%  من النقط  الذي يُبعده عن تقدم هيلاري كلنتون، حسب استطلاعات الرأي، حوالى 46% من نوايا التصويت لهلاري كلينتون، مقابل 39% لدونالد ترامب و6,4% للمرشح الليبرتاري.

 

هجوم ترامب، الرجل الثري، مرشح الحزب الجمهوري لكرسي الرئيس الأمريكي  المقبل، أتى محملا على مآسي الشرق العربي وخصوصا  الشعب العراقي، وما يقع له منذ رئاسة الجمهوري جورش بوش الأب، أوائل تسعينيات القرن الماضي، وما تلاه من حصار اقتصادي قاتل، وإلى احتلال بوش الإبن له، وسقوط بغداد في أبريل عام 2004، وبداية الاحتلال الأمريكي المباشر لبلاد الهلال الخصيب وما بين النهرين، بدعوى تدمير أسلحة الدمار الشامل وإقامة الديمقراطية... إلا أن الواقع كشف عكس ما يدّعون، الغزو هو إفشال لكل مشروع دولة وطنية مدنية، بمشروع دولة ضعيفة، طائفية ومذهبية وإثنية، وهذا ما يبدو جليا على أنقاض دولة العراق ودولة سوريا مع التمكين للصراع (الحاضن للتطرف) الطائفي السني والتمكين للتغلغل المذهبي الشيعي.

 

يقول ترامب  في موضوع مآسي الشعب العراقي،  ردا على هيلاري " إن الموصل "محزنة"، مشيرا إلى أنها "كانت بيدنا ثم خسرناها والآن نريد استرجاعها".، ويضيف ترامب "على أن إدارة الرئيس باراك أوباما أخطأت حينما سحبت القوات الأميركية من العراق.".

 

وجاء رد السيدة هيلاري كلنتون واعترافها بالخطأ الأمريكي في غزو العراق وهذا ضمنيا اعتراف بالمآسي التي تسببتها سياستهم في المنطقة، حيث تطرقت كلينتون إلى "نفي ترامب المتكرر لدعمه الحرب على العراق"، مشيرة إلى أن المصادر موجودة على الإنترنت وتبين "موقفه الداعم لغزو العراق"، معترفة بأنها "كانت مخطئة حينما صوتت لصالح الغزو"..!!.

 

 أما في الأزمة السورية، يقول ترامب، وكأنه يخطب من أعلى ظهر فيل الحزب الجمهوري الأمريكي، وفي هذه اللحظة حضرت لي عبارة هيجل الشهيرة: "رأيت الإمبراطور، روح العالم، على حصان..". وهيجل كان قد رأى نابليون بونبارت  بالفعل من بعيد، وهو يخترق مدينة "يينا" منتصرا فاتحا، وأُعجب به أيما إعجاب، على الرغم من انه يغزو بلاده، فقد رأى فيه انتصارا للروح المدنية، روح الثورة الفرنسية، روح الحرية، على النظام الإقطاعي الألماني العتيق… لقد قضى نابليون بالرغم من أنه ديكتاتور وغاز على النظام الأوروبي القديم، وقوضه تقويضا. وهذا العدم، هذا الفناء، كان الشرط الذي لا بد منه للولادة الجديدة.. وفلسفة هيجل، في معظمها، ليست إلا شرحا أو ترجمة لهذا الحدث التاريخي الأعظم.

 

يؤكد ترامب "حلب سقطت، والمدنيون يذبحون هناك نتيجة قرارات سيئة، حلب كارثة، إنها كابوس إنساني، وكلينتون تتحمل المسؤولية"، ويضيف ترامب أن الرئيس السوري بشار الأسد "كان ذكيا وأكثر صلابة من الرئيس باراك أوباما وهيلاري كلينتون"، ويؤكد " إنْ سَقَط الأسد ربما يأتي شخص أسوأ منه"،"والأسد تحالف مع روسيا وإيران وهم يقاتلون داعش"، و"الولايات المتحدة تدعم متمردين لا نعرف من هم".

 

إلا أن السيدة هيلاري كلنتون وبرباطة جأش وصبر حمارها الديمقراطي الجلود، تتحين إشارة مسير المناطرة، طبقا لنصيحة أحد الخبراء في في معهد بروكينغز، وهو جون هوداك، الذي قال: "عليها (هيلاري)أن تتفادى مهاجمته (ترامب)"، وأن تتصرف بالأحرى مثلما فعلت في المناظرتين السابقتين، أي أن تبقى هادئة وتتفادى الهجمات وتدع دونالد ترامب يدمر نفسه".، ويضيف "إنها متقدمة إلى حد أن مهمتها الرئيسية تقضي بعدم القيام بأي شيء يمكن أن يعيدها إلى الخلف. وأفضل وسيلة لذلك هي اعتماد موقف هادئ بعيدا عن الصخب"..

 

ربما كلتنتون في أثناء ردها ومحاججة ترامب، تعرف أكثر من غيرها بأن خطته لا تحمل أفكارا مُقنعة، بل كل ما فيها هو الركوب على كل ما يُتداول، كفشل لسياستها وهي وزيرة للخارجية، وفي ضعف الرئيس باراك أوباما في قضاليا المشاكل الخارجية، وتفضيله التواري باعتماد سياسة "الفوضى الخلاقة"، وعدم الزج مباشرة بأمريكا في العديد من البؤر التي كانت تشهد وجودا قويا لها عبر العالم، ومن هذه المناطق مثلا، الشرق الأوسط العربي، الذي فوضت فيه الصراع المباشر لوكلائها طبقا لسياسة "الهدم من الداخل".. !!

 

ولكل هذه الأسباب وغيرها جاء رد السيدة هلاري كلنتون أكثر إنسانية، وهو يفوح منه الآسى والحزن وربما الندم، وقالت أثناء حديثها على صورة ذلك الطفل في حلب وهو جالس في عربة الإسعاف قائلة "لقد انفطر قلبي"، وأضافت وهي تعني اللاجئين، "أنها لن تسمح بإغلاق الأبواب أمام الأمهات والأطفال الهاربين من العنف"... !!

 

وعوض أن يسأل هذه المرة الصحافي "كريس والاس" من شبكة "فوكس نيوز" المرشحين مساء الاربعاء/صباح الخميس (الساعة 1,00 ت غ، 20/10/2016)، ينهض كانت من قبره ويسأل ما الأنوار؟ يعم الصمت منصة المناظرة من داخل جامعة نيفادا في لاس فيغاس،  ويجيب: إنها خروج الإنسان من قصوره الذي هو نفسه مسؤولا عنه، وعجزه عن استعمال عقله دون إشراف الغير.. القصور لا يكمن في العقل، بل في الافتقار إلى القرار، والشجاعة في استعمال عقلك أنت".. !!.

 

وكلنا نعي أن مآسي المنطقة العربية ليست في قوة أمريكا وحسب، بل أيضا  في أوضاعه شعوب وإنسان المنطقة الأكثر من مُهترئه، الشديدة التخلف، لدرجة لو أن هيجــل يعيش بيننا، لكان له رأي آخر أكثر تزمتاً، أو لقال: "بأننــا كعرب وجدنا في مرحلة النزع الأخير لتطور “الــروح المطلق” "، ولا يجب أن نبقى في الوحل أو غارقين في بئر التخلف إلى الأبــد.. !!

 

ولا عزاء لنا إلا في قصيدة أعظم شاعر أنجبته ألمانيا وهو هولدرلين صديق أعظم فيلسوف وهو هيغل، منذ الطفولة وحتى ما بعد جامعة " توبنجين"، يقول الشاعر قبل أن يُصاب بالجنون: لكن كُتِب علينا ألا نستقر في أي مكان.. نحن أبناء الفجيعة نترنَّح.. نسقط بشكل أعمى من ساعة إلى ساعة كماء الصخرة...  من صخرة إلى صخرة.. منبوذا من قبل السنين.. مرميا في الهاوية السحيقة.. !!

 

عمر ح الدريسي

 

للتواصل: E-mail : drissi-omar1@live.fr

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عمر ح الدريسي

, المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق